مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:08:12

عروس القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

عروس القرآن! ([1])

18 / 11 / 1446

الحمد لله الذي جعلَ حبَّه أشرفَ المكاسِب، وأعظمَ المواهِب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المُنزَّه عن النقائِص والمعايِب، خلقَ الإنسانَ من ماءٍ دافِقٍ يخرجُ من بين الصُّلب والترائِب، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى الهُدى والنور وطهارة النفسِ من المثالِب، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

العرائس هي النفائس!

        لكل شيء عروس، فأكْرَمُ الإبل تُسمى عرائس، وأكرم الشجر يُسمى عِرِّيسًا، وهو الشجر الكبير، الملتفَّةُ أوراقُه وأغصانُه ([2]) فكذلك ما نتكلم به اليوم هو عروس القرآن، هو جمال القرآن، هو تزكية النفوسِ الطيبة، وتنقيةُ الأرواحِ النقية، إنها سورة الرحمن.

لا عطر بعد عروس!

وتتابع المفسرون على تسمية سورة الرحمن بعروس القرآن، لما في طياتها من ذكر النعيم والحور، وما دُبِّجت به من ذكر العيون والجنان والحبور، والإستبرق والعبقري الحسان، حتى لكأنها وصلت لغاية الإغراء والتحفيز، والعرب تقول: (لا عِطرَ بعد عروس)، ولكثرة ما فيها من تكرار قول الكريم: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فشُبِّه كثرةُ وورد ذلك بالعروس التي يُكثَر عليها من الحلي في كل ما تلبسه، فما أكثر ما في هذه السورة من النعم والحُلَل.

افتتاح السورة بما لم تُفتتح به سورة!

"ومن بديع أسلوبها افتتاحُها الباهر باسمه الرحمن، وهي السورة الوحيدة المُفْتَتَحَة باسم من أسماء الله لم يتقدمه غيرُه"([3]).

الرحمن الرفيق بمن أحبَّ، ذو الرحمة العظيمة التي لا يماثلها رحمةُ أحدٍ من خَلقه، فرحمته وسعت كلَّ شيء، وبرحمته وُجِدت المخلوقات، وبرحمته اندفعت عنها كل النَّقَمَات، الرحمن الاسم العظيم الذي لا يجوز لأحد أن يتسمى به إلا الله، وكان مسيلمة الحنفي-مدعي النبوة- مشهورًا بين العرب بأنه رحمانُ اليمامة، ولما تسمى مسيلمةُ باسم الرحمن "كساه الله جلباب الكذب، وشُهِر به، فلا يقال: إلا مسيلمة الكذاب، فصار يُضرب به المثلُ في الكذب بين أهل الحضر، من أهل المدر وأهل الوبر، من أهل البادية والأعراب"([4]).

سبب نزول السورة!

وقيل في سبب نزول السورة أن المشركين لما قال لهم الله: (ٱسۡجُدُوا۟ لِلرَّحۡمَـٰنِ قَالُوا۟ وَمَا ٱلرَّحۡمَـٰنُ) الفرقان: ٦٠، فمِنْ غِلَظِهِم أنكروا هذا الاسم الجليل، فأنزل الله يعلمهم من هو الرحمن: (ٱلرَّحۡمَٰنُ (1) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ (2) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ) ([5]).

ابتداء السورة بأعظم نعمة على الثقلين!

سورة الرحمن سورة الآلاء، سورة النِّعم والفضائل، ولما أراد الله  أن يفتتحها ابتدأها بأعظم نعمة على البشرية، إنها نعمة الدين، ثم قدَّم من نعمة الدين أعلى المراتب وأسناها: إنها نعمة القرآن، فقال سبحانه: (ٱلرَّحۡمَٰنُ (1) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ) ، فكأنه قال: من رحمتي أنْ علمت القرآن، وأنزلت البيان ([6]).

الإنس والجن في سورة الرحمن!

 ولما كانت نعمة القرآن هي نعمةٌ على الثقلين: أنسِهِم وجنِّهم، مؤمنِهم وكافرِهم، كان الخطاب فيها: للإنس والجن، حيث ذكر في هذه السورة أصل خلق الإنس، فقال: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ) ثم ذكر أصل خلق الجن، فقال: (وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ) ، ثم ذكَّرهم نِعَمَهُ وآلاءه فقال: (فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) في كل السورة.

ولما كان أشرف المخلوقَيْن من الجن والإنس هم جنس البشر- إذْ هم مِحور هذه الحياة- بدأ بذكرهم بعد ذكر القرآن، فقال سبحانه: (ٱلرَّحۡمَٰنُ (1) عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ (2) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ) إنه الإنسان الذي ميزه عن سائر الحيوان، وجعل له من الخصائص ما يربوا بها على أي مخلوق، ومن ذلك أن أعطاه عقلًا يميز الكلام، ويقول بالحق، مكنه من الفصاحة والبيان، ومنَّ عليه بالشفتين واللسان.

أعظم خِصِّيصة للإنسان في سورة الرحمن!

 وخص الله في هذا السياق من صفات الإنسان صفةً واحدةً، هي أعظم صفاته، بل هي الصفة التي تُميزه عن العَجْمَاوَات والبهْمَاوات، فقال: (خَلَقَ الإنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)، علمه "التبيين عما في ضميره، وهذا شامل للتعليم النطقي والتعليم الخطي"([7]).

ابتدأت السورة بالغاية قبل قضية الوجود!

 وأعظم شيء ينبغي أن يتعلمه الإنسان هو القرآن؛ لأنه أعلى بيانٍ وأبلَغُه، وذلك أنه لما كانت قريش من أفصح العرب بيانًا، وأرشقِهِم عبارة، وأعلمِهِم باللغة، وأنداهُم في الخطب، وأبدعِهِم بالأشعار، ذكَّرهم الله بأنه علَّمهم البيان، ومن علمه الله البيان كيف له الزعمُ بأن القرآن من قول البشر!! وكان من شهادة الوليد بن المغيرة المشرك، -والذي كان يُلقَّب بريحانة قريش- أنه لما سمع القرآن قال: "والله لقد سمعت كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعلَى عليه، وما يقول هذا بشر". فقالت قريش: صبا الوليد، لَتَصْبُوَنَّ قريشٌ كلُّها ([8]).

 ومتى ما ترك الإنسان تعلم القرآن والعمل به انخلع من إنسانيته وبشريته، إلى ما لا يعقل ولا يسمع ولا يُبصر؛ ولذا بدأ الله في هذه السورة بذكر القرآن قبل ذكر خلق الإنسان، لأن الغاية من خلق الإنسان هي القرآن، وبدون هذه المنة يكون كما قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الفرقان: ٤٤.

فاتقوا الله أيها المؤمنون، وارجوا ثوابه، وأديموا شكر نعمه، وأكثروا من الاستغفار.

الخطبة الثانية: الحمد لله.

جنتان وجنتان!

  وقد اختتم الله هذه السورة بأربع جنان، وهي المذكورة في قوله H: "جنَّتانِ مِن فضَّةٍ آنيتُهما وما فيهما، وجنَّتانِ مِن ذهَبٍ آنيتُهما وما فيهما"([9]).

فقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)، ثم ذكر الأدْوَن منهما، فقال: (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ).

فأما الجنتان الأُوْلَيان فهما للمقربين والسابقين، وصفاتهما أعلى مقامًا، وأحلى أنهارًا، وأنقى أزواجًا، وأما الجنتان الأخريان فهما لأصحاب اليمين ([10]).

وتفصيل ذلك أنه سبحانه قال في الجنتين الأوليين للمقربين: (ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ)، وقال في الجنتين الأخريين لأصحاب اليمين (مُدْهَامَّتَانِ) فوصف الأولى بالتفنن بملاذها، والتنوع بنعيمها، ووصف الثانية بأنها مُدهامَّة أي: مسودة من شدة الري والخضرة.

وقال في الجنتين الأوليين للمقربين: (فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ)، وقال في الجنتين الأخريين لأصحاب اليمين (فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ) فوصف عيون الأولى بالجريان والامتداد، ووصف عيون الثانية بالنضخ، والنضخ: الامتلاء وعدم الانقطاع، والجري أقوى وأمكن من النضخ والامتلاء.

وقال في الجنتين الأوليين: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ)، وقال في الجنتين الأخريين (فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ) "ولا شك أن الأُوْلَى أعمُّ وأكثرُّ في الأفراد والتنويع"([11]).

ووُصِفَت كلا الجنان بأن الحور فيهما (لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ)، لكن زيد في الجنة الأولى في وصف الحور، فقال سبحانه: (كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ)، أي: الياقوت في الصفاء، والمرجان في الحمرة، وكلاهما معدنان نفسيان.

أما صفات الحور في كلِّ الجنان فهنَّ (مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ) الرحمن: ٧٢ مُخدَّراتٍ مصوناتٍ، لا يحتجن للخروج، وهذا من صفات الترف، فإن التي تخرج هي التي تحتاج للمال، فينالها تعبٌ وكدٌّ، أما نساء العزِّ فهن مخدومات، مُكرَّمات، كما أن نساء الملوك لا يتبرجن ولا يَبرُزن، و لا يَظهرن للرجال، بل هن كما قال الله تعالى عن الحور (مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ) ([12]).

وقال في الجنتين الأوليين للمقربين: (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ)، وقال في الجنتين الأخريين لأصحاب اليمين (مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) فوصف الفُرُش الأولى بأن بطائِنَها أي: دواخِلَهَا من إستبرق وحرير، وسكت عن وصف ظواهرها، فإذا كانت البطائن من حرير فكيف بالظواهر؟ أما الجنتان الأخريان فوصف ظواهر الفُرُش فقط دون دواخلها، فقال بأن ظاهرها خضر وعبقري، والعبقري: الفرُش الجياد، ولهذا يُسمى كلُّ شيء جيد: عبقري، وقد وصف النبي H عمر ابن الخطاب بأنه عبقري([13]).

ولا شك أن فُرُش أهلِ الجنتين الأوليين أرفع مقامًا، وأعلى كعابًا، لأن دواخلَهما من حرير، فكيف بظواهرهما!

ختم الجلال والعظمة!

ثم ختم الله السورة بخاتمة العظمة، وانتهاء الكبرياء، ودلالة الغنى ومنتهى الإغناء، فقال: (تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ)، إيذانًا بانتهاء السورة ببيان وصفِهِ سبحانه بكمال البركة، وجلال النفع وعلو الشأن، وإذا كان اسمه سبحانه قد تبارك وكَثُرُ خيرُه، فكيف بذاته، وعظيم صفاته، فهو أهلٌ أن يُجلَّ فلا يُعصى، ويُشكرَ فلا يُكفر، ويُذكرَ فلا يُنسى، فأكثروا من قول: (يا ذا الجلال والإكرام) كما قال H: "ألِظُّوا بيا ذا الجلالِ والإِكرامِ"([14]).  

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) لم يثبت حديث بتسميتها بذلك، ويطلق عليها ذلك من باب الوصف؛ لما اشتملت عليه من بديع الوصف، وجميل البيان.

([2]) انظر: لسان العرب مادة (ع رس).

([3]) التحرير والتنوير (27/229).

([4]) تفسير ابن كثير (1/40).

([5]) انظر: تفسير القرطبي (17/152).

([6]) ذكر معناه الطبري في تفسيره (22/7).

([7]) تفسير السعدي (ص:828).

([8]) انظر: تفسير القرطبي (19/74).

([9]) رواه البخاري.

([10]) قال أبو موسى: "جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين"، وانظر تفسير ابن كثير (7/105).

([11]) تفسير ابن كثير (7/105).

([12]) انظر نحوًا منه تفسير ابن القيم (1/508) وابن عاشور (27/274).

([13]) رواه الشيخان ولفظهما: "لَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرِيه".

([14]) رواه أحمد والنسائي، وصححه محققو المسند.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة