مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:04:55

سوق في الجنة 1

بسم الله الرحمن الرحيم

سوق في الجنة

18 / 9 / 1442هـ

إن الحمد لله...

متاع الدنيا من المشهودات، ونعيم الجنة من الغيبيات، والناس بطبيعتها تؤثر الحاضر على الغائب، ومِن هنا أطال الحاق في بيان حقيقة الدنيا، ورغب في نعيم الآخرة، وأبْلَغُ خطاب يصف لك جنة الرحمن هو كلام من جعل الخلد لك في الجنان، قال تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الزخرف: ٧١.

ما تشتهيه النفس.

(وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ)  كل ما تتعلق الشهوات النفسية لحصوله ونواله ففي الجنة ذلك الرونق والبهاء، لكنه على غير خيال سابق، ولا معهود في الذهن موجود، فالله يخلق في أهل الجنة الشهوات التي "ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ"([1]) وكل ما هو لائق بأهل عالم الخلود والسُّمو (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ) السجدة: ١٧

سأل رجلٌ النبي فقال : يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال : "إنِ اللهُ أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت"، فسأله رجل آخر فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ فلم يقل له مثل ما قال لصاحبه ، وإنما أجابه بما هو أعم وأشمل، فقال: "إنْ يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسُك ولذت عينُك"([2]).

وقوله "فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت" دليل على أن حقائق الدنيا ليست كحقائق الآخرة، وأن الأسماء هي التي تبقى في الجنة، لكن كيفيات الذوات لا يعلمها إلا الله، فخيل تطير حيث شاء المرء، وهي من ياقوتة حمراء، لاشك أنه وصف لا يدركه عقل.

قال ابن عباس: "لا يشبه شيءٌ مما في الجنة ما في الدنيا  إلا الأسماء"([3]).

ما تلذ الأعين.

  (وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ) لذة الأعين في رؤية الألوان، والأطياف، وحسن المناظر، وإبداع الذوات، فالتذاذ الأعين وسيلةُ التذاذِ النفوس.

إن في الجنة لسوقًا([4]).

         كما أن في الجنة سوقًا، لكنه لا كأسواق الدنيا، فأسواق الدنيا في ضجيج الغفلات، حيث ينصب الشيطان رايته، وسوق الدنيا حيث قال النبي : " أَبْغَضُ البِلَادِ إلى اللهِ أَسْوَاقُهَا"([5])، لكن سوق الجنة لا بيع فيه ولا شراء، يأخذون مما يشتهون بلا مقايضة أو محاسبة، ولا كذب يعلو ذلكم السوق ولا مراء، يجتمعون على أحلا الحلل، وينظرون من خلاله إلى ما لا يدور لهم بحسبان.

أيام الجنة.

وهذا السوق يأتيه أهل اللجنة كل جمعة، أي في مقدار كل أسبوع، وإلا فإنّ الجنة ليس فيها يوم اسمه الجمعة، ولا فيها أسابيع، ولا ليل فيها ولا نهار، ولا ترى في سمائها شمسًا ولا قمرًا، ولا بكرة وعشيِّا، هم في ضياء دائم، ونور أبدي، كما قال ابن مسعود: "إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السموات من نور وجهه". وقد جاء في قوله تعالى: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) مريم: ٦٢.

أي: أن أهل الجنة يعرفون مقدار البكرة والعشي بأنوار تظهر من جهة العرش، وإلا فلا بكرة فيها ولا عشي، وإنما يكون بعض الأوقات عندهم أعظمَ نورًا من بعض وهذه الأنوار المخلوقة كلُّها من خلق الله تعالى([6]).

 

ريح الشمال.  

وبينما أهل الجنة في السوق، إذْ يربحون ربحًا عظيمًا، أتدري أي ربح هذا؟ اسمع إذن:

تهب عليهم ريح الشمال، وخُصَّت ريح الجنة بالشمال لأنها ريح المطر عند العرب، إذْ كانت تهب من جهة الشام، وكانوا يرجون السحابة الشامية، فإذا هبت هذه الريح في سوق الجنة أثارت تحثو في وجوههم وثيابهم ما تثيره من مسك أرض الجنة.

ازدياد جمال أهل الجنة.

فإذا هبت هذه الريح فلامست طيف وجوههم ازدادوا حسنًا وجمالًا، فهذا من ربحهم في هذا السوق، وأيضًا فإنهم يرجعون إلى أهليهم فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم، والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، وهذا ربح أدرك أزواجهم في البيوت. "وفيه إيماء إلى أن الجمال متزايد في الجنة، شيئًا بعد شيء"([7])، فالحور العين لا يزدادون على طول الأحقاب إلا حسنًا وجمالًا([8])، وكذلك أزواج المؤمنين في الدنيا يصيبهم من ازدياد الحسن والجمال بسبب رؤية الله ([9]).

        فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك

الخطبة الثانية: الحمد لله...

أعظم نعيم في يوم السوق.

         كما أن أهل الجنة في يوم السوق يُنَعَّمون نعيمًا لم يُنَعَّموا مثله قط، هو نعيمٌ لا كنعيم، وسرورٌ لا كسرور، أتدري ما هو يا عبدالله؟ إنه التذاذ العين، لكن بماذا؟

إن أعظم ما تلتذ به العين، هي اللذة الكبرى، والمنحة العظمى: إنها رؤية الوجه الكريم لله سبحانه، وكان من دعائه: "أسألك لذة النظر إلى وجهك"([10]). ولا تحصل اللذة الكبرى في الدار الباقية إلا بالنظر إلى الباقي-جل في علاه-وهو نعيم لا نهاية له.

قال ابن مسعود:" سارعوا إلى الجمعة فإن الله يبرز لأهل الجنة في كل جمعة في كثيب من كافور فيكونون في قرب منه على قدر تسارعهم إلى الجمعة في الدنيا"([11]).

         وهذا فيه فضل التبكير إلى الجمع والصلوات، وأن الناس على قدر تبكيرهم يكون قربُهم وبعدُهم من الكريم سبحانه، فاختر لنفسك مقعدًا من الآن ما دام ذلك في الإمكان. وكان عبد الله بن مسعود لا يسبقه أحد إلى الجمعة قال: فجاء يوما وقد سبقه رجلان فقال: "رجلان وأنا الثالث إن الله يبارك في الثالث".

         فيا أيها الناس: لنتق الله حق تقاته، ولنسارع إلى مغفرته ومرضاته، ولنجب الناصح، ولْنَقْبَل من الداعي، فإن الوعد دار الله وجناتِه، ولا تغرُرْنا الحياةُ الدنيا فإنما هي لعاعة متاع، وسكرةٌ منتشية، ولنتذكر قرب الرحيل، ولنعمل لحصاد الغد، (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا)

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]رواه البخاري.

([2]رواه أحمد والترمذي.

([3]الطبري (1/392)

([4]تفاصيل ما يأتي عند مسلم من حديث سوق الجنة المشهور

([5]رواه مسلم

([6]بيان تلبيس الجهمية (2/242)

([7]دليل الفالحين (8/ 734)

([8]حادي الأرواح (ص:282) .   

([9]مجموع فتاوى ابن تيمية (6/408) .   

([10])    رواه أحمد وصححه محققو طبعة مؤسسة الرسالة.

([11])    رواه الدار قطني وصححه ابن تيمية في المجموع (6/403) .   

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة