مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:19:05

وعجلت إليك رب لترضى

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ)

تأملات

21 / 7 / 1442هـ

إن الحمد لله...

        موسى وما أدراك ما موسى؟ أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن، وقَصَصُه مملوءة بعجيب الأخبار، ونوادر الآثار، ونقف اليوم مع كلمة؟ نعم. كلمةٍ قالها موسى لربه! كلمةٍ تُسَطَّر لأجلها الخطبُ والمواعظ، وتُشقق تحتها العبارات والعَبَرات، قال موسى: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ).

إنها آية الشوق، وغاية المشتاقين.

إن من أعظم ما يخالج الإنسانَ من الخواطر: خاطرَ الشوق، وهو شعور قد يكون فيه تَهْلُكةُ المرء "فالشوق يحمل المُحب على العجلة في رضا المحبوب والمبادرةِ إليه على الفور ولو كان فيه تَلَفُه" روضة المحبين، لابن القيم (ص:437)

(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) إنها من الشوق الجميل، شوق موسى لربه، فهو لما تعجل إلى لقاء الله وسابق قومه، قال الله له:  (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ) طه: ٨٣ ، فقال موسى معتذرًا: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) ، قال قتادة: شوقًا إليك، ومن ذلكم الشوق: أنه إذا أمطرت السماء خلع ثيابه وتجرد حتى يصيبه المطر ويقول:" إنه حديث عهد بربي" رواه مسلم. وكانت عائشة رضي الله عنها إذا آوت إلى فراشها تقول: هاتوا المجيد. فتؤتى بالمصحف فتأخذُه في صدرها، تسلو به، فهذا كله من أريج الشوق([1]).

عتاب مع الشوق.

        وعندما قال الله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ)، فإن هذا من قبيل العتاب له، ولم يعاتب الله موسى لأنه اشتاق إليه، لأن "من أحب لقاء الله أحب الله لقائه" رواه البخاري، ولكن عاتبه أن جاء موسى وحده دون قومِه،  (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ) فلذا قال موسى معتذرًا (هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي)، يعني هم ورائي قريبين مني، ولكن (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) ، فعاتبه الله أن ترك قومه خلفه.

ومن العتاب مع الشوق: الذي يسرع يريد أن يدرك الركعة، والإمام راكع، طلبًا لرضا الرب في إدراكها، ولكنه في الحقيقة عَجِل الأمر، ووقع في الممنوع، قال أبو قتادة بينما نحن نصلي مع النبي إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال: "ما شأنكم". قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: "فلا تَفْعَلُوا إذَا أتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعلَيْكُم بالسَّكِينَةِ، فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وما فَاتَكُمْ فأتِمُّوا" رواه البخاري ، وهذه العجلة إلى الصلاة تُفْقِد شيئًا من الخشوع، كما أن موسى لما عجل شوقًا للقاء ربه فقد قومُه التوحيد، فعبد قومُه العجل من بعده، تأمل قول الله: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَىٰ (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَىٰ أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ (84قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) طه: ٨٣ – ٨٥

أعلى مراتب الشوق.

ولا شوق أنفع ولا أصلح ولا أنجح ولا أعلى من الشوق إلى لقاء الله، وكان من دعائه: "اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك" رواه أحمد، والشوق إلى لقاء الله هو أطيب ما في الدنيا، كما أن النظر إلى وجه الله هو أطيب ما في الآخرة.

ولا حظ أنه قال: "والشوق إلى لقائك"، ولم يقل: "أسألك لقاءك"، فسأله: الشوق، لأنه من اشتاق إلى المحبوب عمل على كل ما يرضيه.

العجلة الممدوحة.

(وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ)  من العجلة الممدوحة، وهي العجلة في مراضي الله (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) آل عمران: ١٣٣ فالعجلة إلى الله سوق الناهمين، وميدان الفطنين قال: "التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة". رواه أبوداود قال الأحنف: "أمَّا أنا فإذا حضرت جنازة لم أتأنَّ، وإذا وجدتُ كفؤًا زوَّجت ولم أتأنَّ، وإذا حضرت الصَّلاة لم أتأنَّ"، واستدل السلف بقول موسى (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) أن الصلاة في أول وقتها أفضل، سئل أي العمل أحب إلى الله ؟ قال: "الصلاة على وقتها" متفق عليه .

تعجل الموت المذموم.

عبدالله. إن من العجلة المذمومة أن يتعجل الإنسان الموت، والأصل أن لا يتمنى المؤمن ذلك، قال:" لا يَتَمَنَّين أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ "رواه البخاري، ولذلك قيل لبعض السلف: طاب الموت. قال: يا ابن أخي، لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر الله، خير لك من موت الدهر!

ومِن تَعَجُّلِ الموت المذموم ما يفعله الخوارج في كل زمن من الانتحار، وقتل النفس، زاعمين أنهم يتعجلون إلى الجنة، وكان شبيب الخارجي من خوارج التاريخ الذين خرجوا وقت الدولة الأموية فإنه استعجل الموت على نفسه، فلما طُعن أدخل طعنته، وقال: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ) منهاج السنة (6/9).

تعجل الموت المحمود.

عبدالله. إن كان تَعَجُّلُ الموت خشيةً من الفتن، فإن تعجل الموت حينئذ مشروع، قال:"وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ" رواه أحمد، ومن ذلك قول النبي في دعائه: "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون" رواه الترمذي.

الخطبة الثانية: الحمد لله...  

إن العجلة آفة. وصاحبها دائم التعثر والزلل، ومن طبع الإنسان العجلة، يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، وهو مخلوق منها (خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ) الأنبياء: ٣٧،

والعجول ندموم، وكانت العرب تقول: العجلة أم النَّدامات، وتقول: ربَّ عجلة تَهَبُ رَيثًا.

قد يدركُ المتأنِّي بعضَ حاجتِه

                                وقد يكونُ مع المستعجلِ الزَّللُ

        فالعجول يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويثني قبل أن يجرب، وكل ذلك مدعاةُ السقوط.

لا تستعجلوا الله.

عبدالله. إذا رأى المؤمنون أهلَ الكفر، أو أهل الفسوق والعهر استعجل المؤمنون وقوع العذاب عليهم، وتمنوا فناءهم فقال الله معاتبًا: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ)

وإذا تمادى أهل الطغيان، في ارتكاب العصيان وكأن لسان حالهم يقول (مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) يونس: ٤٨ قال الله متوعدًا: (سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ) الأنبياء: ٣٧.

 فالمؤمنون يستعجلون عقوبة الله لمن عصاه، والكافرون يتولون ويستعجلون العذاب، تكذيبًا وعنادًا، والله يبتلي هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، لعل أهل الحق أن يصبروا، ولعل أهل الباطل أن يرتدعوا، فلا تستعجلوا الله : (أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) النحل: ١.

أثر كوامن الشوق إلى الله.

يا عبدالله. لابد من إثارة كوامن شوقك إلى الله عز وجل حتى تلين لك الطاعات فتؤديها ذائقًا حلاوتها ولذتها، وليكن هِجِّيراك (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ)، تعجّل بقيام اليل مشتاقًا إلى الله، وتعجل بصيام الهواجر مشتاقًا لرضى الله، وتعجل بمعرفة الله وأسمائه وصفاته، وتعجل مطالعة منن الله العظيمة وآلائه الجسيمة فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها.

أملأ قلبك بالشوق إلى لقاء الله، وإلى جنته، ورحمته، ورؤية أوليائه، وخاصة الشوق للقاء النبي في الفردوس الأعلى. (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ).

                  فاللهم نسألك رضاك والجنة

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) انظر: تفسير القرطبي (11/233)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة