مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:34:10

آية التفويض

بسم الله الرحمن الرحيم

آية التفويض

10 / 1 / 1443هـ

إن الحمد لله...

آية لو أخذ بها الناس لكفتهم، هي آية التفويض، وامتلاء القلب بما عند الله، آية قال عنها ابن مسعود: "أكبر آية في القرآن تفوّضًا" وكان يقول عنها: "هي أكثر آية في القرآن فَرَجا"([1]).

هذه الآية هي قول الحق تبارك وتعالى:

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (الطلاق: ٢ - ٣

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (الطلاق: ٢

التقوى من أعظم أسباب التيسير، كما أن تركها من أعظم أسباب التعسير، فالمتقي ميسرة عليه أمور دنياه وآخرتِه، وتارك التقوى وإن يُسِّرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما ترك من التقوى، وتارك التقوى وإن تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) الطلاق: ٤ فأخبر جل في علاه أنه ييسر على المتقي مالا ييسر على غيره.

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ) الطلاق: ٢

ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، مَنْ يبرأ من حوله وقوته بالرجوع إلى الله يجعل له مخرجًا مهما كثرت عليه الخطوب، وضاقت عليه الدروب، وتكالبت عليه الكروب، فإن نجاتها ومفتاحها بيد علام الغيوب.

قال رجل لعمر: ولّني مما ولاك الله.

فقال له عمر: أتقرأ القرآن؟ قال: لا.

قال: فأنا لا أولي من لا يقرأ القرآن.

فتعلم الرجل القرآن رجاء أن يوليه عمر.

فلما قرأ كثيرًا من القرآن تخلف عن عمر فلقيه يومًا فقال له عمر ما أبطأ بك؟

قال له: تعلمت القرآن، فأغناني الله تعالى عن عمر وعن بابه. ثم قرأ الرجل هذه الآيات (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق: ٢ - ٣ ([2])

(وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق: ٣

أي: من جهةٍ لا تخطر بباله، ومن حيث لا يرجو بخياله أو لا يأمل بمضائق عقله.

وهذا تقرير عام، وحقيقة دائمة، لأن الرزق ليس بيد الناس ولا بيدك، بل هو كما قال الله ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ) الذاريات: ٢٢، وفي السماء رزقكم، فليس بعد هذا الوصف إلا أن يستطلب رزقه رافعًا يديه إلى العلو، ومخاطبًا من قال عن نفسه العلية (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ) الحجر: ٢١.فما من شيء إلا عند الله مفاتيحُه: خزائنُ المال، خزائنُ الماء، خزائنُ التوفيق، خزائن دفع المكروه، وجلب المطلوب، فقط (فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) العنكبوت: ١٧

(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ )

ثم قال الله بعد ذلك مؤملاً مكملاً :

(وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ )الطلاق: ٢ – ٣

فإن توكلت على الله كفاك وتعجلت الراحة والبركة وعافاك، وإن لم تتوكل وكلك إلى عجزك وتسخطك"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ"([3]).

ومن تقوى الله أن يفعل الإنسان السبب الموصل للرزق، ففعل الأسباب رجحان العقل، ولاحظ أن الله قدم التقوى والذي منه فعل السبب على التوكل عليه، فقال: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) ثم قال: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)  الطلاق: ٢ – ٣

فجعل التوكل بعد التقوى الذي هو قيام الأسباب المأمور بها، فحينئذ إن توكل على الله فهو حسبه، وكما بيَّن في موضع آخر مُقَدمًا التقوى والذي منه فعل السبب على التوكل فقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) المائدة: ١١ ([4]).

فالتوكل بدون فعل الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مشوبًا بنوع من التوكل، فهو توكل عجز، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا أن يجعل عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب المأمور بها التي لا يتم المقصود إلا بها كلِّها ([5]).

فاللهم اجعلنا ممن خافك واتقاك أريته النور، واجعلنا من توكل عليك ورجا ما عندك فأمنته من الشرور.

 

 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله.

بعد أن ذكر الله أن من اتقاه نصره وإن كان بين فكي الأسد، وفي مرمى الرماح، وأن من اتقى الله عجَّل له إزالة الغُمّة، وجعل له من مخارج الأبواب ما يرى التيسير والتسهيل، وأن من اتقى الله جعل له من ثمرات ذلك: الرزق الذي يأتيه كما يأتي الجنين في ظلمات الرحم، بل ويأتيه من حيث لم يحتسب ويُقدِّر ، ولم يخطر على باله ويفكر، قال الله مبينًا قوته على إيصال ذلك كلِّه للمتقي:

ﮮ    ﮯ   ﮰ  ﮱ الطلاق: ٣

أي منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه، فإذا أراد الله إيصال الخير لعبد فلن يمنع عنه ذلك ملوك ُالأرض وجنودُهم، "وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ" رواه الترمذي.

نعم (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) فاملأ قلبك بها،  وسلِّ فؤادك بيقينها، وأحسن الظن بكريم وعدها وموعوها.

ثم قال الله تعالى مبينًا علمه وخبرته:

(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق: ٣

قد جعل الله لكل شيء قدْرًا، وهذا فيه من المواساة العظيمة ما فيه، فإنك أيها المتقي إن طال بك البلاء، وتكاثرت عليك اللواء، فإن لذلك قدْرًا ينتهي إليه، وأجلاً يأتي بعده الفرج تؤوي إليه كما قال الكريم (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء نهاية ولابد، (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ(يوسف: ١٨

(قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) يَبْلُغُ ما يريد، لا يفوته مراد ولا يُعجِزه مطلوب.

(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) الرعد: ٨

 

        فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك

 

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  تفسير ابن كثير (8/146).

([2])  تفسير ابن عطية (5/3240).

([3])  تفسير ابن أبي حاتم (10/3360).

([4])  انظر: زاد المعاد (2/330).

([5]) انظر: المرجع السابق (2/331).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة