بسم الله الرحمن الرحيم
5/11/1441
الضرورات الخمس
"وأثرها في تنظيم العبادة والحياة"([1])
الحمد لله...
عظمة التشريع:
إن دينًا أمرك بأن تحفظ نفسك، لهو دين عظيم، وإن ملةً نهتك أن تزهق روحك، وتضيّع عرضك لهي ملة ذاتُ مقاصدَ شرعية حكيمة، لأن هذا الدين قرآن ( لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت: ٤٢.
ولما تركت بعضُ البشرية هذا الدينَ الكامل، وحَكَّمت عقولها القاصرة لم تعط للنفس البشرية حقها الذي يميزها عن الحيوان البهيم، فأباحوا للإنسان أنْ يعبد ما يريد، وأنّ من حريته الكفرَ برب العبيد، حتى ولو عبد العجول والفئران.
ولما جعلوا العقل هو مناط التشريع: منعوا الإنسان من حقه أن يَلِد نفسًا، وذلك بتحديد النسل الجائر، وتجريم تكثيره، بينما أباحوا الفاحشة المثلية، وجعلوها حقًا وقانونًا.
بل منعوا الإنسانَ أن يستخدم عقله برشد، فأباحوا له الانتحار وقتل عقله قبل نفسه، وسموه زورًا (انتحارًا رحيمًا) بل إن من بعض الدول من يجعله حقًا فرديًا، يكفله القانون إذا كان تحت إشراف الأطباء!.
فبئسًا لهذه العقول التي أضاعت الدين، وخالفت الفطر السوية من السلوك البشري، ما يُطَوِّعون إلا شهوات أنفسهم ( وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا) النساء: ١١٧
الضروريات الخمس:
أما دين الإسلام فجعل الإنسانَ مَحُوطًا بضرورياتٍ كلية، تدور هذه الضروريات حول خمس كليات، لا عيش للإنسان في دنياه، ولا مثوى حَسَن له في أُخراه إلا برعايتها، قال الشاطبي: "اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل(العرض)، والمال، والعقل"([2]).
ترابط هذه الكليات الخمس:
وإنّ كل كلية من هذه الكليات مرتبطة بالأخرى ارتباطًا وثيقًا، فتأمل (الدين والنفس) فلا تصلح النفس بدون صلاح الدين، ولا وجود للدين بدون وجود النفس التي تتعبد بهذا الدين، وتأمل (النفس، والنسل، والمال)، فلا بقاء لهذه النفس بدون وجود التناسل البشري، ولا بقاء لهذه السلالات من البشر بدون المال، وتأمل الخامسَ منها، والجامعَ لها: وهو (العقل)، فلو كان كل من على هذه الأرض بلا عقول لزال التدبير، ولضاع الدين، ولهلكت الأنفس، ولانقرض النسل، ولتبدد المال.
(سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) البقرة: ٣٢
دلالة الشريعة على هذه الكليات:
وكل ضرورة من هذه الضروريات الخمس دلت النصوص المتوافرة عليها:
فقال الله في حفظ الدين: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران: ٨٥
وقال جل شأنه في حفظ النفس: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء: ٢٩
وقال تعالى في حفظ النسل والعرض: ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) النساء: ٣ وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) المعارج: ٢٩ - ٣١
وقال تعالى في المال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) النساء: ٢٩
وقال تعالى في حفظ العقل مبينا ما يحميه عن الدواخل (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) العلق: ١، أي:" اقْرَأْ هذا القرآن بِاسْمِ رَبِّكَ"([3]) فهذا الكتاب العظيم، هو أصل صيانة البشرية، وفي هذا القرآن حفظ العقل عن كل خَمر، ومُسْكر، ومُفتّر، ومُخدّر، مما يُحرّض على الفواحش والمنكرات.
فاللهم لا مانع لما أعطيت، ولما عطي لما منعت، ولك الحمد أولاً وأخيرًا، فاهدنا لأحسن الأقوال والأعمال، واغفر لنا في السر والعلن.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
أعظم الضروريات الخمس:
إن الدين هو أسُّ هذه الضروريات الخمس، وهو مُقَدَّمُها، وأعظمها، لأن الخلق لم يخلقوا إلا لإقامة الدين، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات: ٥٦
لا تعارض بين هذه الضروريات في الإسلام:
كما أن ضرورة حفظ الدين لا تتعارض مع أي ضرورة أخرى، بل هي سبب لحفظها وبقائها، كما في حفظ النفس، بل قد يُخَفّف على العبد من دينه مراعاة لحفظ نفسه وصحته، كما روى عمران بن حُصين عن النبي ﷺ قال: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبٍ"([4]).
ولربما شدد في حفظ النفس حتى يقول: "أولئك العصاة، أولئك العصاة"([5])، يقصد ﷺ من صام صوم الفريضة في السفر وهو يشق عليه ذلك حتى يصل مبلغَ الضرر.
كل ما حافظ على الكليات فهو مصلحة:
عباد الله: إن الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل أصولٌ خمسة و "كل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة"([6])
فكل ما أعان على حفظ الدين وحفظ النفس وبقية الأصول فهو مصلحة شرعية مُتبعَة، وكل ما كان حائلاً دون تمام حفظ الدين والنفس وبقية الأصول فهو مفسدة.
حفظ الكليات الخمس والجائحة العالمية:
وفي ظل هذه الجائحة العالمية (كورونا) أفتى العلماء ببذل كل وسيلة شرعية يتم فيها صونُ الناس في عباداتهم وأنفسهم، كما في التباعد حال الصلاة، وأعظم من ذلك وأبلغ: تقليصُ الأعداد لحج هذا الموسم، فإن من قواعد الشريعة: دفعُ الضرر قبل وقوعه، ورفعُه بعد وقوعه أو التخفيف منه، تحقيقًا لقوله ﷺ: "لا ضرر ولا ضرار"([7]).
وحَسَب المختصين فإن من أهم وأسباب عوامل انتشار الفيروس هو أماكن التجمعات، والشريعة جاءت بدفع الضرر قدر الإمكان، كما جاءت بتحصيل المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها.
وإن قرار الإبقاء على حج هذا الموسم قرار حكيم، منطلق من قواعد شرعية مرعية، وفيه الحفاظ على وجود هذه العبادة، كما أن فيه درأ الخلل المتوقع فيها مع كثرة العدد، فحُفِظت العبادة عن عدمها، وحُفِظت مع وجودها([8]).
فليس للمؤمن بعد ذلك إلا الرد في مهمات الأمور إلى علمائها كما قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ) النساء: ٨٣.
وليترك المسلم ما وراء ذلك، ممن تكلم فيما لا يحسن، أو تحدث وغاية حديثه التشويش، وقلبُ الحقائق، وبثُّ ما انطوت عليه نفسُه من الحسد والكراهة لهذا البلد ولحكامه ولعلمائه، فإننا بحمد الله لسنا في شك من ديننا.
فاللهم احفظ حكامنا وعلماءنا ودلهم على كل خير، وجنبهم كل كائد وشر يا رب العالمين.
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(1) بمناسبة تقليص أعداد موسم الحج لعام (1441) بسبب كورونا.
(1) الموافقات، للشاطبي (1/31).
(1) تفسير ابن عطية (5/501).
(1) رواه البخاري
(2) رواه مسلم
(2) المستصفى، للغزالي (1/174)
(2) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره.
(2) انظر: الموافقات (3/18).