مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:27:29

العقل عرين المؤمن

بسم الله الرحمن الرحيم

العقل عرين المؤمن

11 / 8 / 1444هـ

        الحمد لله الذي وهب العقول، وحرم السَّفه والغُلُول، أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، رفع السماء، ومهَّد الأرضَ بالسُّهول، هو خير مأمول، وأشرف مسؤول، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله، خيرُ رسول، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

نور العقل وماهيته.

        إن العقل نور في القلب، وبصيرة في الفؤاد، يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين الهدى والضلال، وبين الحَسَنِ والأحسن، والفاضلِ والأفضل، "وكلُّ شيء إذا كَثُر رَخُص، غيرُ العقل فإنه إذا كَثُر غلا"([1])، ولو صُوِّر العقلُ لأظلمت معه الشمس، ولو صُوِّر الحمقُ لأضاء معه الليل.

        إذا ما هو العقل؟ العقل: هو ما حَجَزَك عن الخطأ، وصدّك عن الحماقة والجهالة. فالعاقل من يحسن التصرُّف.

الذكاء ليس هو العقل.

ويظن البعضُ أن الذكاء هو العقل، وكلما زاد الذكاءُ زاد العقل، وهذا فهم مغلوط، وتصور خاطئ، فإن الذكاء شيءٌ والعقلَ شيءٌ آخر، فالناس متقاربون في عقولهم، ولكنهم مختلفون في ذكائهم، فقد يكون المرء ذكيًا، ولكنه ليس بعاقل؛ لأن الذكاء سرعة البديهة، والعقل ما يَحْجِز الإنسانَ عن فعلِ ما لا ينبغي، فكم هم الأذكياءُ في العالم، ولكنهم استخدموا ذكاءهم في غش الناس، وأعملوا بديهتهم في ظلم البشر، ولو كانوا يعقلون لمنعتهم عقولُهم عن الظلم والطغيان، ومن لا عقل له في الدنيا ضيَّع الأُخرى، ولقي الله بالندم، قال الله تعالى عن حال النادمين: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك: ١٠، فمن لم يؤسس عقله على التقوى والهدى فلا عقل له.

أنقص الناس عقولًا.

        ولذا كان أنقصُ الناس عقولاً هم الذين كفروا بالذي منح لهم عقولاً، هم من أنكروا وجود الله، وأشركوا في عبادته، والله جعل من الدلائل على وجوده ما يدل عليها العقلُ السليم، والفطرةُ المركوزة، لهم عقول لكنها خاويةٌ بالية، كما قال الله في حالهم: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف: ١٧٩ .

وقد كان للعرب ذكاءٌ، وكان لهم عزمٌ ودهاء، وفيهم الشعراء، ومنهم برزَ الحكماء، ولكنّ من كفر منهم لم يكن له عقل سَوِيّ، ولا فهمٌ سَنِيّ، بل هم شرُّ من وطئ الثرى، قال تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ )  الأنفال: ٢٢.

وكم هم أصحابُ المخترعات، وكم هم أربابُ الاختراعات والمكتشفات، غاصوا في العلوم، وأبحروا في الفنون، لكنهم أُوتُوا ذكاءً ولم يُأتَوا عقولاً ولا زكاءً، بل الأممُ الغابرةُ مِن قَبْلِنا كان لهم من العلوم ما عجز علماءُ عصرنا عن معرفة كُنْهه، وسَبْرِ غوره، كما قال الله عن عاد (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ) الفجر: ٨ ، فلما لم يؤمنوا كانت عقولُهم وبالاً عليهم، وذكاؤهم طريقًا للاستكبار وعدم الادِّكار، قاسوا عقولَهم على كِبَرِ أجسادِهم فاسترجحوها، وظنوا أن ضخامة الجسم يلزم منه رجاحة العقل، ولكن هيهات هيهات ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)  الأحقاف: ٢٦ .

فقد يكون الرجل حاصلاً على الشهادات العليا، والمراتبِ الفُضلى، لكنه حَنِقٌ غضوب، حَمِقٌ عجولٌ، بذيء الأقوال، دنيء الأفعال، علمُه في كِفَّه، ولكن عقلَه في كفة أخرى بعيدة، لا تَمُتُّ لسلوكه بصلة.

فاللهم آتنا عقولاً زاكية، وأحلامًا رابية، وجنبنا السفه والجهالة، وباعد بيننا وبين العجلة والغواية.

 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...   

صفات العقلاء.

        إن العاقل يعيش بعقله حيث كان، كما يعيش الأسد بقوته حيث كان، ولابد أن يكون لهؤلاء العقلاء صفاتٌ يُعرَفون بها، وخصائصُ يمتازون عن غيرهم بنوالها، فإن من أعظم صفات العقلاء:

        -أنهم أَولَى الناس بالانتفاع بمواعظ القرآن، لا يقومون عنه إلا يزدادون بصيرة وعلمًا، قال الله عن أهل الانتفاع بالقرآن (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا) يس: ٧٠، قال الضحاك: "من كان عاقلًا"([2])، فالحي هو حي العقل، والميت هو ميت العقل، والعاقل من ملك عَنَان شهوتِه.

        - ومن صفات العقلاء: أن ذنوبَهم لا تستمر معهم، فما من آدمي إلا وله ذنوب وخطايا يقترفها، فمن كانت سجيتُه العقل وغريزتُه اليقين لم تضرَّه ذنوبُه؛ لأن العاقل كلما أذنب ردَّه عقلُه إلى التوبة إلى التواب والرحيم، والأوبةِ إلى الغفور الكريم.

- ومن صفاتهم: أنهم يهتمون بشؤونهم، ويتركون شؤون الآخرين، قال عامر بن عبد القيس: "إذا عقَلَكَ عقْلُك عن ما لا يعنيك فأنت عاقل"([3])، وخير منه ما قاله نبينا محمد: "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ"([4]).

-ومن صفاتهم أنهم يتغافلون عن أخطاء الغير، ويُكبِّرون عقولَهم، ولا يستقصون في تتبع الزلات، ولا يُرَكِّزون في تتبع العثرات، حالُهم كما كان نبيهم إذ مدحه الله بأنه يُعْرِض عن كثير من الزلات والهفوات، فقال الله فيه/ (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ) التحريم: ٣، قال معاوية -رضي الله عنه-:" العقل مكيال: ثلثه فطنة وثلثاه تغافل"([5]).  

أخيرًا إن العاقل الذي يُحْسِن المداراة مع أهل زمانه، الذي يعلم أن العقل حسامٌ قاطع، ونور ساطع، يستر الخلل بحِلمِه، ويقاتل هواه بعقله، ويستشير غيرَه، ويعلم أنه لا رأي لمن تفرَّد برأيه، لا يقول شيئًا بغير تفكير، ولا يعمل بغير تدبر وتقدير، ومدار صيانة العقل الحكمة: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) البقرة: ٢٦٩

 

فنعوذ بالله أن نكون ممن عقلُه صديقٌ مقطوع، وهواه عدوٌ متبوع، اللهم زدنا ولا تُنقِصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا، وأعطنا ولا تَحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارضَ عنا يا رب العالمين... .

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  الشكوى والعتاب، للثعالبي ( ص:193 ).

([2])  تفسير الطبري سورة يس، آية (70).

([3])  الشكوى والعتاب، للثعالبي ( ص:192 ).

([4])  رواه الترمذي، وحسنه.

([5])  العقد الفريد (2/105).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة