مكتبـــــة الخطب

2025-12-31 12:53:12

الدخان

بسم الله الرحمن الرحيم

الدخان

6/ 11/ 1444هـ

        الحمد لله، أعظَمَ للمتقين أجورَهم، وشرح بالهدى صدورَهم، أشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنّ نبيَّنا محمّدًا عبدُ الله ورسولُه صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابِه، وعلى التابعين وسلّم تسليمًا مزيدا، أما بعد:

        كثيرًا ما حُدثنا به، وكثيرًا ما أكثرت الشريعة من ذكره، فهو مذكور في أول الخلق، ومقصوصو قي وسط الأحداث، ومتنبأ به في آخر الزمان، وله حكايات وأخبار، إنه الدخان... .

        والدخان: جزئيات كثيفة تتكون في الهواء، ناتجة عن الاحتراق، ومن أنواعه البخار الصاعدُ من الماء.

أول ذكر للدخان.

        وأول ذكر للدخان جاء مع بداية الخلق، قبل أن يخلق الله البشرية، وذلك عندما خلق الله السموات والأرض، فقال تعالى بعد أن أشار إلى التفصيل في خلق الأرض: (ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ) فصلت: ١١، والدخان هنا: بُخَارُ الماء المتصاعد حين خلق الأرض، فالله لما خلق الأرض وقدّر فيها الماء تصاعد بخار الماء إلى الأعلى، والبخار نوع من الدخان، فخلق الله من هذا الدخان سبع سموات، وهذا الوصف ثابت عن الصحابة والتابعين وحتى أهل الكتاب([1]).

خطأ الملاحدة وكفرهم في النظرية.

        ومن الخطأ الفادح ما يقوله الملاحدة من أن السموات والأرض إنما كانتا بعد وقوع الانفجار العظيم، وأن السماء والأرض جاءتا صدفة بعد انفجار شديد للذرة، وقولهم هذا هو كفر بالله، وعدم إيمان بوجود الخالق، وأن كل شيء في الأرض والسماء: من أنهار وجبال وبحار وسحب ورعود وبروق، إنما هو محظ الصدفة-عندهم- بعد هذا الانفجار المزعوم، وأنى لهم العلم والله تعالى يقول: ( مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الكهف: ٥١  وهذا الانفجار العظيم المكذوب مخالف للتفصيل الذي ذكره في الله في بداية خلق السموات والأرض فقال: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) فصلت: ٩

        ومن زعم أن الانفجار العظيم موجود في القرآن فهو كاذب خاطئ، لأن القرآن لا يفسر بمجرد النظريات، لأن النظريات ليست حقائق، بل هي فرضيات تحتمل الخطأ، فكيف إذا كانت هذه النظرية إنما هي مقولة الملاحدة، داعية إلى الإلحاد وإنكار وجود خالق إلا الصدفة.

الدخان على أهل مكة.   

        ومن الدخان الذي رآه الناس في الأرض هو الدخان الذي رآه أهل مكة، حيث إن رسول الله  دعا على أهل مكة دعاءً صريحًا بأن يُصيبهم الله بأزمة اقتصادية تتضمن الجدب والقحط! فقال «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ». ولقد استجاب الله عز وجل لرسوله  ، وأعانه على قومه بقحط وشدَّة لم تمر به مكة قطٌّ قبل ذلك! «فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَأَحْصَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الجُلُودَ وَالمَيْتَةَ». وفي وصف آخر: «وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنَ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ». وفي وصف ثالث: «فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَهْلَكَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَصَابَهُمْ جُوعٌ شَدِيدٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَأَكَلُوا الْقَضْبَ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا». وفي رواية: «فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ».

        ولقد جعل كفار قريش يهرعون إلى النبي يطلبون منه أن يدعو الله فيرفع ما بهم، فجاءه أبو سفيان فقال: "يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ جِئْتَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ، وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ"، فرحم النبي قومه، فهو الرحمة المهداة، ووعد المشركون النبي فقالوا: (إنا مؤمنون إن كُشف العذاب)، فدعا النبي:"فَسُقُوا الغَيْثَ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ سَبْعًا، وَشَكَا النَّاسُ كَثْرَةَ المَطَرِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا». فَانْحَدَرَتِ السَّحَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ، فَسُقُوا النَّاسُ حَوْلَهُمْ"

        قال ابن مسعود: "فَلَمَّا أَصَابَتْهُمُ الرَّفَاهِيَةُ، عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ)  الدخان: ١٦ قَالَ: يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ".

        فاللهم اجعل نبينا محمد لنا أسوة، واجعلنا من بعده خيرَ ناشر لسننه، ومقتف لأثره، حكماء في دعوته، رحماء في نشر سننه، مبتغين الحق والخير للناس.

الخطبة الثانية

الحمد لله على جزيل النعماء، والشكر له على ترادف الآلاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد:

الدخان من علامات الساعة.

كما أن هنالك دخان يرتقبه الناس ويخافونه، حتى قال الله عنه: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ) الدخان: ١٠، وكان أصحاب النبي يتوجسون منه خيفة، قال ابن عباس ما نمتُ الليلة حتى أصبحت، فقيل له: لم ؟ قال: قالوا : طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدُّخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت"، وهذا الدخان من أشراط الساعة، قال النبي : " إن ربكم أنذركم ثلاثًا : الدُّخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مسمع منه"([2]). ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ ۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ (الدخان: ١٠ - ١٤  ، وفي صحيح مسلم قال النبي:"بادروا بالأعمال ستًا : الدَّجَّال، والدُّخان".

الدخان في النار.

ومن الأدخنة التي ذكرها الله في كتابه دخان أهل النار، قال تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (الواقعة: ٤١ – ٤٣، هل تعلم ما هو ظل أهل النار، إنه ظل من يحموم، واليحموم: الدخان الأسود، فأهل النار إذا لهبتهم النار، يستجيرون بالظل، فإذا ظلهم دخان كثيف غليظ أسود، ولذا وصفه الله بقوله: (لا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) الواقعة: ٤٤، بينما وصف الله أهل الجنة بأن ظلهم دائم، ممدود، (أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا (الرعد: ٣٥ ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود، وهي قوله: (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ ) الواقعة: ٣٠ ، وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة، وهو قوله: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ) المرسلات: ٤١ .وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ)  يس: ٥٦، واعلم أنه لا يلزم من جود الظل في الجنة وجود الشمس، فظلهم مخلوق بلا شمس، بل إنه لا شمس في الجنة قال تعالى: (مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ) الإنسان: ١٣، ليس فيها شمس ولا حر، إنما هي نور، قال ابن مسعود: "الجنة سجسج" أي:

كما النور بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، تأمل كيف وصف الله ذلك المناخ فقال تعالى: (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا)  النساء: ٥٧، فوصْفُ الظل بأنه ظليل، دليل على تمكنه واستطالته وعمومه وانتشاره، وما يحصل مع من لذة البرودة، وعذب المؤانسة، كل ذلك داخل في وصف الظل بأنه (ظليل).

 

 


([1]) انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (5/ 564)

([2]) رواه ابن جرير، وقال ابن كثير: إسناد جيد.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة