بسم الله الرحمن الرحيم
توأم الصدق
11/ 1 / 1444 ç
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
إنها توأم الصدق، وتركها الخطر المُحْدِق، بها يظهر الإيمان، وبوجودها ينتفي الشرك والنفاق، ولا تزال الأمة بخير ما اتخذوها مَغنمًا، وعلموا أن في تركها مَغرمًا، فيها طمأنينة النفس، وزوال الخوف، أثقلت كاهل الوجود، وضَعُف عن رفعها الرجال المهازيل، هي محور الدِّين وامتحانُ ربِّ العالمين، بها يُحْفَظ الدِّين والعرض والمال والروح والمعارف والعلوم والولاية والوصاية والشَّهادة والقضاء والكتابة...إنها الأمانة!
أَرعى الأمانةَ لا أخون أمانتي
إن الخَؤونَ على الطريقِ الناكبِ
شمولية معنى الأمانة!
يظن البعض أن الأمانة هي أداء الأموال إلى أهلها فحسب، وهذا فهم قاصر جدًا، بل الأمانة أشملُ من ذلك وأوسع، فإن الأمانة: "كلُّ ما افترض الله على العباد فهو أمانة، كصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وأداء دينٍ، وأوكدُها الودائع، وأوكد الودائع كتمُ الأسرار"([1]).
والعرب تُعلِّق الأمانةَ بجميع الديانة، فهي تقول قديمًا: "من تبرأ من الأمانة، ورضي بالخيانة تبرأ من الديانة".
من صور الأمانة بمفهومها الشامل.
فكل شيء أُودع عندك فهو أمانة، فنفسُك التي بين جنبيك، أودعها الله عندك هي أمانة عليك، أن تردها إلى الجنة كما خَرَجَت منها يوم خَرَج آدم، فمن ضيع الصلاة فقد ضيع الأمانة، ومن ترك الزكاة، فقد ترك الأمانة، ومن فرط في الصيام فقد فرط في الأمانة، وكلُّ أمرٍ من أمور الدين وواجبٍ من الواجبات يكون بتركه فقدان الجنة فهو داخل في فقدان الأمانة، فأداء أموال الناس أمانة، ووفاء العقود أمانة، والصدق أمانة، وترك الغش أمانة...حتى غُسْل الإنسان من الجنابة من الأمانات، ودليلِ الصدقِ والوفاء، سُئل أبو الدرداء-رضي الله عنه- ما الأمانة؟ قال: "الغسل من الجنابة فإن الله لم يأمن ابنَ آدمَ على شيء من دينه غيرَه"([2])، فهو أراد بذلك-رضي الله عنه- أن يبين أن الأمانة ليست هي الودائع فحسب، يل حتى في الأمور الخفية التي أمنك الله على فعلها.
"فالأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له"([3]).
أمانة الأعراض من أعظم الأمانات.
ومِن أعظم الأمَانَات، الأمانة في الأعراض: العفَّةُ عمَّا ليس للإنسان فيه حقٌّ منها، وكفُّ النَّفس واللِّسان عن نيل شيء منها بسوء، كالقذف، والغيبة، والتحريش بين الناس، وبث الفرقة بينهم "وإنّ أداء الأمانة في الأعراض أوجبُ منها في الأموال"([4])، فكم من رجل كان سببًا في نشر العداوات والإِحَن بين الناس بسبب نشر الكراهية والبغضاء بغير حق.
كتمان السر أمانه، ونشره خيانة.
ومن الأمانة كتمان السر، فإذا حدثك صاحبُك بشيء، أو أطلعك على شيء وقال: اكتم عني. أو علمتَ من القرائن والأحوال أنه لا يريد أن يخبر أحدًا فإن من الخيانة إفشاءَ سرِّه، قال ﷺ: "إذا حدَّث الرَّجلُ الحديثَ ثُمَّ التفت فهي أمانةٌ"([5]).
الأمانة فضيلة ضخمة!
لذا؛ فإن الأمانة أمر كبير، وتضييعها شر مستطير، ومن وضعها على عاتقه فقد وضع عليه عِبئًا من أعباء الثِّقَل؛ لأن الأمانةَ هي الدينُ كلُّه، ومن هنا تجنَّبتْ بعضُ المخلوقات حملَ الأمانة؛ لما فيها من المسؤولية العظيمة، "إن الأمَانَة فضيلة ضخمة، لا يستطيع حملها الرَّجال المهازيل، وقد ضرب الله المثل لضخامتها، فأبان أنَّها تُثقِل كاهلَ الوجود".
قال الله في الآية ما قبل الأخير من سورة الأحزاب: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: ٧٢.
أتظن أن هذه المخلوقات أَبَيْنَ أن يحملنها لأنها أمانة الودائع فقط! لا شك أنهم أَبَيْنَ لَمَّا فهموا أن الأمانة هي الدينُ كلُّه، فإن الله عرض طاعتَه وفرائضَه على السموات والأرض والجبال على أنها إن أحسنت أُثيبت وجُوزيت، وإن ضَيَّعت عُوقبت، فأبت حملها شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها، وحملها الإنسان، "فلما عُرِضَت على آدم قال: أيْ ربِّ وما الأمانة؟ قال: قيل: إن أديتها جُزِيْتَ، وإن ضيعتها عُوقِبْتَ، قال: أيْ ربِّ حملتها بما فيها، وهي بين عاتقي وأذني. قال: فما مكث في الجنة إلا قدر ما بين العصر إلى غروب الشمس حتى عمل بالمعصية، فأُخْرِج منها"([6]).
أقسام الناس في حمل الأمانة.
فحَمَلَ الإنسانُ هذا الحمل الثقيل، بعد أن تباعدت السموات والأرض، فانقسم الناس في حملهم للأمانة إلى ثلاثة أقسام:
-منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا.
-ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا.
-ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا.
فذكر الله تعالى هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب في آخر آية من سورة الأحزاب بعد أن ذكر أن الإنسان حمل الأمانة وأنه كان ظلومًا جهولاً: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الأحزاب: ٧٣ وتأمل كيف ختم الله هذ السورة، بعد أن ذكر من ضيع الأمانة، حيث ختمها بهذين الاسمين الكريمين، (وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) الدالين على تمام مغفرةِ الله، وسعةِ رحمته، وعمومِ جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثيرٌ منهم، لم يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه([7]).
عاقبة الأمانة بمفهومها الشامل.
وهؤلاء الذين يؤدون الأمانة -بالمفهوم الشامل للأمانة-هم أولى الناس بالقرب من الله ومن جنته، قال تعالى في ذكر أوصافهم: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) المعارج: ٣٢ ، ثم قال بُعيد ذلك: (أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ) المعارج: ٣٥، فمن أخص صفات المكرمين أنهم حافظون مجتهدون على أداء الأمانة والوفاء بها، وهذا شامل لجميع الأمانات التي بين العبد وبين ربِّه، كالتَّكاليف السِّرِّيَّة، التي لا يطَّلع عليها إلَّا الله، والأمانات التي بين العبد وبين الخلق، في الأموال والأسرار([8]).
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
التربية ألصق أمانة بالمربي.
إن من أعظم الأمانات أمانةَ الأولاد، ومِنْ فِطنة الرجل أن يدرك أنَّهم ودائعُ الله الغالية عند الرجل، فيسخرهم الأب في قربات الله، ويستخدمهم في مرضاته.
فإنِ امْتُحِنتَ أيها الأب بنقص شيء منهم فلا يستخفَّنَّك الجزع متوهمًا أنَّ ملكك المحض قد سُلب منك، فالله أولى بك منك، وأولى بما أفاء عليك وله ما أخذ وله ما أعطى.
وإنِ امتُحِنتَ ببقائهم فما ينبغي أن تفتتن بهم عن طاعة، أو تستقويَ بهم على معصية، أو أن تضيعَ تربيتهم، وتخالف بهم الفطرة، قال الله عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ثم ذكر مثلاً من هذه الأمانات وأعظمها فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) الأنفال: ٢٧ - ٢٨.
من غرائب الأخبار.
ومن غرائب الأخبار في الأمانة، واستيقاظ الضمير، ما ذكره بعض الأدباء من أخبار القرن الثالث: أنْ تصدّق رجل على أعمى فأراد الرجل أن يتصدق بدرهم، فتصدق بدينار وهو لا يشعر، والدينار أعلا قيمة من الدرهم، فانصرف الأعمى، وهو لا يشكّ أنّ معه درهمًا، فبكّر به إلى بقَّالٍ يُعَامِلُه، فقال: خذ هذا الدرهم، واحسب ما لك عليّ، وأعطني بالباقي كذا وكذا.
فقال له البقال: يا هذا، من أين لك هذا؟
قال: أعطانيه البارحة فلان.
قال: إنّه دينار، فخذه.
فأخذه الضرير، وجاء به من الغد إلى الرجل، وقال: إنّك تصدّقت عليّ بهذا، وأظنّك أردت أن تعطيني درهما، وغلطت، وما أستحلّ أخذَه مغالطةً، فخذه.
فقال له الرجل: قد وهبتُه لك، وإذا كان في رأس كلّ شهر، فتعال إليّ، أعطيك شيئًا آخر، مجازاة لأمانتك.
وكان يجيئه في رأس كل شهر، فيعطيه خمسةَ دراهم.
فهل تعجب في هذه القصة من أمانة البقّال؟ أم من أمانة الأعمى الضرير؟ ولو كانت هذه القصة في هذا الوقت، لجرى الأمر بضدّ ذلك-إلا من رحم الله-([9]).
فاللهم أعنا ولا تعن علينا....
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) الكليات، للكفوي (ص: 269).
([2]) تفسير ابن جرير (20/339).
([3]) تفسير القرطبي (14/254).
([4]) الرسائل السياسية للجاحظ (ص:568).
([5]) رواه الترمذي وأبو داود.
([6]) الكليات، للكفوي (ص: 269).
([7]) انظر: تفسير السعدي (ص:673).
([8]) انظر: تفسير السعدي (ص:887).
([9]) انظر: نشوار المحاضرة، للتنوخي (3/60).