بسم الله الرحمن الرحيم
11 / 5 / 1447
من الآداب العامة للجمعة!
الحمد لله...
يا لها من مشاهد تتكرر كل جمعة، تختصر حال الناس مع بيوت الله بين موقِّرٍ خاشعٍ ومتهاونٍ غافل.
ترى بعضهم قد هيّأ نفسه للصلاة، كأنّه ذاهب إلى لقاء عظيم. وآخر يدخل المسجد من غير إجلال وتوقير، لا يعي ما يُقال على المنبر، ولا يشعر بعظمة الموقف.
تُقام الخطبة لتذكير القلوب، لا لتملأ الفراغ، إن للمساجد حرمةً لا تُنتهك، وللخطبة مقامًا لا يُستهان به. هي ساعة يجتمع فيها الجمال والنظافة والإنصات والخشوع في مشهدٍ واحد، تُصفّى فيه القلوب كما تُطهَّر الأبدان.
فالجمعة ليست عادة أسبوعية، بل موسمُ طهارةٍ وجمالٍ وسكون، يعلّمنا كيف نقف بأدبٍ بين يدي الله، وكيف نُعظّم شعائره ظاهرًا وباطنًا.
في زماننا هذا، صار الناس يعتنون بمظاهرهم أشدّ العناية، فيلبسون أفخر الثياب عند المناسبات، ويتأنّقون للقاء مسؤول أو حضور مناسبة اجتماعية، ويتفنّنون في اختيار العطور والماركات، حتى غدا المظهر عنوانًا للهيبة والاحترام في أعين الناس.
لكنّ العجب أن هذا الحرص يتلاشى حين يتوجّه بعضهم إلى بيت الله، فتراه يدخل المسجد بثياب نوم أو بملابس العمل الملوّثة، وكأنّه ذاهب إلى مكانٍ عادي، لا إلى مقامٍ تُرفع فيه الأكفّ وتُتلى فيه آيات الرحمن.
إنّ الذي يُحسِن لباسه في أعين الخلق، أولى أن يُحسنه في حضرة الخالق، فالله أحقّ أن يُتجمّل له، وأولى أن يُعظّم لقاؤه. قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الأعراف: ٣١.
فمن أحبّ الله، أحبّ أن يقف بين يديه في أبهى هيئة، نظيف الثوب، طيّب الرائحة، سليم القلب. وما أجمل أن يكون التجمل للمسجد عادةً يومية، لا مظهرًا عارضًا، وأن نهيّئ أجسادنا كما نُهيّئ قلوبنا، لأن تعظيم شعائر الله علامة على حياة التقوى في القلب.
فليتأمل كل واحدٍ منا: لو كانت له مقابلة مع ذي شأن، كيف كان سيتأنّق؟ فكيف بلقاء ربّ العالمين الذي لا تخفى عليه خافية؟
ومن المشاهد المؤذية التي تتكرر في المساجد- للأسف- أن يدخل بعض الناس إلى بيت الله وروائح الطبخ تفوح من ثيابهم، كأنّهم خرجوا من المطبخ مباشرة إلى الصفوف، يحملون معهم ما يُعكِّر صفاء المكان ويُؤذي المصلين.
وربما كان السبب إهمالنا في توجيه من تحت أيدينا، فهل نبهنا أبناءنا وإخواننا السائقين إلى آداب المسجد، وأن هذا الموضع ليس كسائر الأمكنة، وأنّ النظافة فيه عبادة، والتجمّل له تعظيمٌ لله.
إنّ من كمال المسؤولية أن يُربّي الإنسان من يعمل معه على أدب العبادة، فيأمره أن يغتسل إذا طبخ أو تعب، وأن يغيّر ثيابه قبل الصلاة، وألا يدخل المسجد إلا في هيئةٍ طيبةٍ تليق بمقام الوقوف بين يدي الله.
والنبي ﷺ قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا" ([1]).
فكيف بمن يحمل رائحة الزيت والبهارات والطبخ في ثيابه؟
فالمساجد ليست مطابخَ تُشمّ فيها الأبخرة، بل بساتينُ تُتنفَّس فيها الأرواح المؤمنة عبق الإيمان، فينبغي أن ندخلها كما ندخل على الملوك، بأجمل ثوبٍ وأطيب رائحةٍ وأصفى نية.
فيا من أكرمك الله بخدمٍ أو عمالٍ في بيتك، علّمهم أدب المسجد، كما تُعلّمهم النظام والنظافة في المنزل، فإنك بذلك تؤدّي حقّ الله وحقّ بيته، وتزرع في قلوبهم توقيرًا لشعائر الدين لا تمحوه الأيام.
ننتقل إلى مشهد آخر من مشاهد اللامبالاة في المساجد، وعذرا على الصراحة في الحديث فإن الطيب يجرح ليداوي، فمن مؤسفٌ حقًّا أن ترى في بيوت الله من يتصرّف تصرّفًا لا يليق بحرمتها، فيجلس يعبث بأنفه أو يقرض أظفاره ثم يرميها على أرض المسجد، وكأنّه في مكانٍ مهجور لا حرمة له!
المسجد ليس مجلس لهوٍ ولا موضع إهمال، بل هو أطهر البقاع على وجه الأرض، قال ﷺ:
«أحبّ البلاد إلى الله مساجدها» ([2]).
فكيف يُليق بالمؤمن أن يُدنّس موضع سجوده بما يستخفّ به الناس؟!
هذه الأفعال الصغيرة في ظاهرها، عظيمة في دلالتها؛ فهي تدلّ على غفلة القلب وقسوة الشعور تجاه المكان الذي يُرفع فيه ذكر الله.
عن أنس رضي الله عنه قال: قال ﷺ: "الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا"([3]).
من جلس في المسجد فليتحفّظ من كل ما يُنافي الأدب، فلا يُعبث بجسده، ولا يعبث بنظافة المكان، ولا يُؤذِ المصلين بمنظرٍ ولا فعلٍ مستقذر.
الخطبة الثانية:
عباد الله. يُعَدّ الإنصاتُ للخطبة من آداب الجمعة العظيمة، بل هو واجبٌ شرعيٌّ دلَّت عليه النصوصُ الصريحة فالإصغاء للخطيب عبادةٌ لا يقلُّ شأنها عن الصلاة التي تُتبعها، قال الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا) الأعراف: ٢٠٤
قال الإمام أحمد أجمع العلماء أن الآية تشمل حال الصلاة والخطبة ([4])، لأن الخطيب يتلو القرآن ويذكّر الناس بأمر الله. وجاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب، فقد لغوت» ([5]).
فتأمّل، حتى كلمة "أنصت" وهي دعوة إلى الخير، سُمِّيَت لغوًا إن قيلت أثناء الخطبة، فكيف بما دونها من أحاديث الدنيا؟!
ومع وضوح النصوص، نرى في واقع الناس من يُضيِّع هيبة الجمعة، فينشغل بالحديث كأنّه في مجلسٍ عابر لا في ساعةٍ تُكتب فيها المغفرة والرحمة.
عن أبي الدرداء قال: جلس النبي ﷺ على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أُبيّ بن كعب فقلت له: يا أُبيّ متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلمني ثم سألته فأبى أن يكلمني حتى نزل ﷺ فقال لي أبيٌّ: مالك من جمعتك إلا ما لغوت، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم جئته فأخبرته فقال: "صدق أُبيّ، إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ" ([6]).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة:
"لا يجوز تشميت العاطس ولا رد السلام والإمام يخطب على الصحيح من أقوال العلماء لأن كلاًّ منهما كلام وهو ممنوع والإمام يخطب لعموم الحديث" اهـ([7]) .
وجاء فيها أيضاً:
"لا يجوز لمن دخل والإمام يخطب يوم الجمعة إذا كان يسمع الخطبة أن يبدأ بالسلام من في المسجد، وليس لمن في المسجد أن يرد عليه والإمام يخطب" اهـ([8]).
وجاء فيها أيضاً:
"لا يجوز الكلام أثناء أداء الخطيب لخطبة الجمعة إلا لمن يكلم الخطيب لأمر عارض" اهـ ([9]).
وقال الشيخ ابن عثيمين:
"السلام حال خطبة الجمعة حرام فلا يجوز للإنسان إذا دخل والإمام يخطب الجمعة أن يسلم ورده حرام أيضاً" اهـ([10]).
إنّ الخطبة ليست مجرّد كلماتٍ تُلقى، بل هي نداء السماء إلى القلوب، تُذكِّر الغافل وتثبّت المؤمن وتعيد للروح صلتها بالله. فليستمع المؤمن بخضوعٍ ووقارٍ، وليُسكت لسانه وقلبه معًا، فإنّ من لغا والإمام يخطب، خرج من الجمعة بلا أجر.
فيا من تقصد بيت الله يوم الجمعة، لا تحضر بجسدك فقط، بل احضر بقلبك وسمعك وعقلك، فإنّ الكلمة التي تُقال على المنبر قد تكون سببَ هدايةٍ لك تُغيّر بها مسار حياتك.
وختامًا إن الأدب في المجامع العامة مرآةُ الإيمان، وسِمةُ النفوس الراقية التي عرَفت قدرَ نفسها قبل أن تعرف قدرَ غيرها. فحيثما اجتمع الناس، كان الأدب سياجًا يحفظ المهابة، ويُشيع الطمأنينة، ويجعل القلوب متآلفةً لا متنافرة.
وأعظمُ تلك المجامع بيوتُ الله؛ فيها يُرفع الذكر، وتخشع الأرواح، وتصفو القلوب لا تتنافر، ومن دخل المسجد مؤدبًا في كلامه، مطرقًا في سكونه، طاهرًا في بدنه، نظيفًا في رائحته، فقد قدّم لله عبادةً صامتةً تُزاحم في فضلها ركوعَه وسجودَه.
فما أجمل أن يتحوّل الأدب في المساجد إلى خُلُقٍ دائم، لا تكلّف فيه ولا تصنّع، ولا عداوة ولا شحناء، بل سجيّةٌ نابعة من القلب، تعبيرٌ عن توقيرٍ لله ومحبّةٍ لعباده.
8 11 / 5 / 1447
أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) متفق عليه.
([2]) رواه مسلم.
([3]) رواه مسلم.
([4]) انظر: فتح الباري، لابن رجب (5/499).
([5]) متفق عليه.
([6]) رواه أحمد.
([7]) (8/242)
([8]) (8/243).
([9]) (8/244).
([10]) فتاوى ابن عثيمين (16/100).