بسم الله الرحمن الرحيم
الحوادث والكوارث وأقسام الناس
30/ 2 / 1445 هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
انفجار السموات والأرض من طغيان الإنسان.
إن الله لما خلق السموات والأرض لم يتحرك منها ساكن إلا بإذنه، ولم يتوقف منها متحرك إلا بعلمه، ولا يوجَد حادث إلا بإيجاده، ولا يبقى موجَدٌ إلا ببقائه، الكل يسبح في نظام بديع، وسياق رفيع، ثم لو شاء سبحانه لخلخل هذا النظام، ولجعله مضطربًا قلقًا برهة من الوقت حتى يُرِيَ عباده آثار قوته وجبروته ونقمته، لينتبه الغافل، ويتفطن اليقظ، ويتوب المتغطرس الملحد (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) فاطر: ٤١ ، فإن أمسكهما فلا مزيل لهما، وإن أزالهما فلا ممسك لهما، وهذا الزوال إنما هو بسبب غرور الإنسان وغطرسته، فإن السموات تكاد تشقق، والأرض تكاد تنفجر من عمل الإنسان بالطغيان والعناد (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا) وما الحكمة من ذلك يا الله: (أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا) مريم: ٩٠ - ٩١ ، فمقتضى غطرسة الإنسان وتكبره: زوال السموات والأرض، ولكن لطف الله أسبق، ورحمتَه أوسع، ومن هنا ختم الآية بالحلم والمغفرة ولم يختمها بالقدرة والعزة والقوة فقال: ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) ، ولولا ذلك لهاجت الأرض، وماجت البحار، غضبا من فعل الإنسان المطوس المهووس (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: ٧٢.
نظرة الملحد ونظرة المؤمن.
إن نظام الأرض والسموات يجري بإذن الله، وهو الذي بدأها وهو قادر على فنائها، ولو أفناها لأعادها خلقً جديدًا وهو أسهل عليه من البدء (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الروم: ٢٧ ، وفي هذا العالم المعاصر الذي شهد كثير من الكوارث الطبيعية، والخوارق الأرضية، تتجلى فيها رسائل الله إلى الإنسان حتى يكف ويعود أدراجه، ويستيقظ من تكبره المُغرِق، وعناده المُحدْق، فمن أعاصير فتاكة، إلى حرائق مسمومة، إلى زلازل قاتلة، وفيضانات مرعبة.
فأما الكافر فيقول: غضب الطبيعة، وحنق البحار، ولا يحرك ذلك فيه رغبًا ولا رهبًا.
وأما المؤمن فيقول: سبحانه (لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الزمر: ٦٣ ، ويخشى بعد ذلك ويرغب.
الكافر يعول في الحوادث والكوارث على كل سبب مختلق أخرق: فمرة بعلل بالتكثف الحراري، ومرة يعلل بالثقوب البيضاء والسوداء، ويتناسى قول القوي سبحانه (تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ) الأحقاف: ٢٥، فإجرام البشر هو سبب النُذر، (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) النمل: ٦٩.
عدد ما شأت من الكوارث، واتذكر ما شئت من المصائب والحوادث، لن تجد أعظ دلالة من قوله تبارك تعالى: ( فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) العنكبوت: ٤٠.
النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل"([1])، وهنا ينطلق المؤمنون من هذه الآيات تائبين عائدين إلى الله، هي وإن كانت مسخًا أو رعبًا إلا إنها تؤثر على المؤمن بالإيجاب لا السلب، فيجعل منها نقطة العودة والإخبات (إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ ) سبأ: ٩، من مقتضيات العبودية الحقة إن يجعل الإنسان من التحولات الأرضية تحولات قلبية، فيرق طبعه، وتسكن شهوته، ويعود إلى مولاه راهبًا راغبًا.
فاللهم اجعلنا معتبرين في العبر، متذكرين في أيام الدِّكر، ولا تجعلنا عبرة للمعتبرين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين، وارزقنا قلبًا أوابًا، ونفسًا تواقة، تتوق لرحمتك، ولا تنسى نعمك، وتشكر آلاءك، وتعرف نعمائك.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
حوادث العصر بين النقم والنعم.
عباد الله... غدت الأرض تتعرض للكوارث أكثر من ذي قبل، ففي سنة واحدة ترجف الأرض قريبًا من مليون زلزلة شعر بها من شعر، وأصبحت تعصف الأمراض الفتاكة والمميتة الجديدة بالبشر، والتي تضاعفت خلال الـ50 سنة الماضية أربع مرات، وكل ذلك عبر تقارير رسمية مُثبتة.
ولا شك أن ذلك كلَّه آياتٌ من الله، وهذه الآية قد تكون: نقمة أو نعمة:
-فقد تكون ابتلاء من الله على من أحب من عباده، ليخلصهم ويضاعف أجورهم، كما قال النبي ﷺ: (إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ) ([2]).
-وقد تكون نقمة بسبب ذنوب العبد ومعاصيه سواء كانت كفرا أو معصية مجردة أو كبيرة من الكبائر، فيبتلي الله عز وجل بسببها صاحبها بالمصيبة على وجه المجازاة والعقوبة العاجلة، (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى: ٣٠.
فإذا كان المبتلى كافرًا: فلا يمكن أن يكون بلاؤه لرفعة درجته، فالكافر ليس له عند الله وزن يوم القيامة.
وأما إذا كان المبتلى مسلمًا عاصيًا مجاهرًا، أو فاسقًا ظاهر الفسق: فقد يغلب على الظن وجه المجازاة والعقوبة بهذا الابتلاء، لأن تكفير السيئات أسبق من رفع الدرجات، والعاصي أحوج إلى تكفير سيئاته من رفع درجاته.
وأما إذا كان المبتلى مسلمًا عابدًا طائعًا صالحًا، ليس بينه وبين الله إلا العبودية الحقة، فهذا يغلب على الظن في ابتلائه وجه المكرمة ورفع الدرجات.
عباد الله...ونحن في هذا البلد الذي ترفلون فيه بالأمن والإيمان، ومجاورة بيت الرحمن، قد أغدق الله عليكم كثيرًا من نعمه وآلائه، بينما يعيش الكثير -خارجها- ضائقة العيش، وعسورة الحياة، وكدورة المصائب، كان حقًا على كل مواطن ومقيم متنعمٍ على ترابها أن يشكر الله، ويسأله من فضله العميم، ويحمد لحكام بلادها إقامة الشرع، وتحري العدل، والقضاء على الفساد، ويدعو لهم بالصلاح والإصلاح، كما يسأل الله لإخوانه المتضررين في بلادهم أن يرفع عنهم الجائحة، ويرد عليهم السارحة، ويبعد عنهم الغائلة، ويخلفهم خير خلف، ويرفع لهم خير رفعة، ويجعل ما أصابهم تخليصًا لهم، وإرفاعًا لدرجاتهم، فاللهم ارحم ضعفهم واجبر كسرهم، واغفر لشهيدهم، واشف مرضاهم، ولا تجعل منهم ولامنا شقيًا ولا محرومًا عن فضلك ونوالك يا رب العالمين.
(1) رواه البخاري
(1) رواه أبو داود (٣٠٩٠)