مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:14:59

من أحكام الصدقات

بسم الله الرحمن الرحيم

من أحكام الصدقات

4 / 9 / 1442هـ

إن الحمد لله...

موجبات البِشْر وأسباب ضيق العَطَن.

إن خُلُقًا من الأخلاق كلٌّ يتبرأ منه، وما من أحدٍ إلا يَذُمُّ فاعلَه، ولا يرضى به عاقل لنفسه، بل ولا تصفو حياةُ قلبٍ سليمٍ متلطخٍ به، إنه البخل وصاحبُه البخيل، فالبخيل سجَّانٌ على نفسه قد سَجَنها عن الإحسان، ومنع نفسه عن البر، فعاقبه الله من جنس عمله، فلا تراه إلا ضيّق الصدر، بعيدًا عن انشراح النفس، لا يفرح إلا قليلاً، وحزنُه وكآبتُه عليه كالغُمَّة والسحابة، فهو من بخله لا يوسع على نفسه، ولا يقضي حوائجه، فكيف بالغير.

أما السخيُّ العَطِيُّ، باذلُ اليد والمال، فلا نفس أشرحُ منه صدرًا، واسِعُ الخاطر، طيبُ النفس، جميلُ الخلق، ناعمُ القلب، دائمُ الفرح والبشر، فرحُهُ تعلو به حياتُه، ولو لم يكن من كرمه وصدقته إلا هذه لكان العبد حقيقًا بالاستكثار من هذا الخلق.

وكان عبد الرحمن بن عوف يطوف بالبيت وليس له دَأَبٌ إلا هذه الدعوة: "رب قني شُحَّ نفسي، رب قني شُحَّ نفسي"، فقيل له: أما تدعو بغير هذه الدعوة، فقال: "إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي فقد أفلحت، وقد قال تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) التغابن: ١٦".

ويُظْهِرُ عيبَ المرءِ في الناس بخلُه

                                  ويستره عنهم جميعًا سخاؤه

تغطَّ بأثواب السخاء فإنني

                                أرى كلَّ عيب فالسخاءُ غِطَاؤه

إذا قلَّ مالُ المرء قلُّ صديقُه

                                  وضاقت عليه أرضه وسماؤه

من صفات الله الكرم والجود.

إن الكريم الواحد في كرمه: هو الله، والكرم والجود صفتُه "فإنه يُعطي ولا يأخذ، ويُطعِم ولا يُطعَم، وهو أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، وأحب الخلق إليه من اتصف بمقتضيات صفاته، فإنه كريم يحب الكريم"([1])، إنك إن تصدقت فلن يجزيك مِلك من ملوك الدنيا، وإنما تنتظرها من القائل: (إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) يوسف: ٨٨

الصدقة تدفع البلاء الدنيوي.

باكروا بالصدقة، فإن البلاء لا يتخطى الصدقة، فالصدقة تدفع العين، وتطرد الحسد، قال ابن القيم "وإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر، وأهلُ الأرض كلُّهم مقرون به؛ لأنهم جربوه"([2])، وقال النخعي: "كانوا يرون أن الرجل المظلوم إذا تصدق بشيء دُفِعَ عنه البلاء"([3]).

فتداركوا الهموم والغموم بالصدقات يدفع الله بها ضُرَكم وينصرْكم لأجلها على عدوكم.

أم لم تسمع النبي يقول عن الصدقة أنها: "تدفع ميتة السوء" رواه الترمذي وحسنه.

الصدقة تدفع عذاب الآخرة.

        كما أن الصدقة تُعتق النفس عن نار الآخرة، وتكون كمن يبذُلها ليشتريَ نفسَه من سوء العذاب يوم القيامة، ولهذا قال لما خطب النساء يوم العيد " يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ "رواه البخاري.

        بل إن الصدقة ولو قلّت فإنها حجابك عن النار، قال :"اتقوا النار ولو بشق تمرة" رواه البخاري.

        وإن الله يغضب يوم القيامة غضبًا لم يغضب مثله قط، فإذا جاء أهل الصدقات أطفأت صدقاتُهم غضبَه وسخطَه، قال :"إن الصدقة تطفئ غضبَ الرب"  وقال :" والصدقة تطفئ الخطيئةَ كما يطفئ الماءُ النارَ" رواهما الترمذي وحسنهما.

عباد الله. إن السخي قريب من الله، قريب من الجنة قريب من الناس، وإن البخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة بعيد من الناس، ولَجَاهلٌ سخيٌّ أحب إلى الله تعالى من عابدٍ بخيل، ولْنعْلم أننا أحوج إلى ثواب الصدقة من الفقير الذي نعطيه صدقاتِنا.

قواعد نبوية في المتصدقين.

        قد امتلأت سنة النبيبذكر المتصدقين، والثناء على المنفقين، وله في ذلك جملُ بليغة، ونظمٌ عاطر، يُحَفِّز النفوس، ويطرد عنها وَحَمَ الإمساك.

        فمن ذلك قوله : "اليد العليا خير من اليد السفلى" متفق عليه، فكن دائمًا متفضلاً، وإذا تفضلت فألن قلب، وانس معروفك، وخالط الناس كأنما هم من تفضل عليك.

        ومن ذلك قوله :"سبق درهم مائة ألفِ درهم" رواه النسائي والحاكم وصححه، فلا تحقرن من الصدقة شيئًا ولو فِرسِنَ شاة، ولو كانت الصدقة عُظَيمةَ لحم، فربَّ صدقة يراها الناس حقيرة هي عند الله أعظم من جبلِ ليلٍ من الصدقات. قال "وأفضل الصدقة جُهدُ المُقِل" رواه أحمد. والمعنى: أنَّ أفضلَ الصَّدقةِ صدقة قليلِ المالِ على قَدْرِ طاقتِه ووُسْعِه مع مَشَقَّةِ ذلك عليه.

ومن ذلك قوله :"وابدأ بمن تعول" رواه أحمد، فأولى الناس بالصدقة نفسُك، ثم زوجُك وبنوك، وما ألقيتَ في أفواههم وأنت محتسبٌ الأجر على الله خيرٌ من الصدقات على الأباعد، وإن من قلة الفقه: أن يعطي الإنسان الأعطيات لمن لا تلزمه نفقتهم، فيهدي الشاء والبعير، ويساهم في حل الرقاب والمنكوبين، لكنه مع أهله في غاية الإمساك والتقتير، حتى كادت نفقته للأباعد أن تكون لابتغاء الجاه، ورعاية السمعة، فإذا طلبها الأهلُ لم يجد للسمعة عندهم مبتغاه، فأمسك عنهم (كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) البقرة: ٢٦٤     

        فاللهم ألن قولبنا، واملأها يقينا بنوال خَلَفِك

الخطبة الثانية: الحمد لله...

أعظم الصدقات.

        إن أعظم صدقة تخرجها من مالك، وأحبَّ أنواعها تُسْبِلُها على المحتاج من عطائك: هي الزكاة الواجبة، قال الله تعالى: "وَمَا تقرَّبَ إلَيَّ عبْدِي بشيءٍ أَحبَّ إليَّ مما افْتَرَضْتُ عليه" رواه البخاري، وكان السلف يعظمون الزكاة في رمضان، وكان عثمان يخطب فيه ويقول:" هذا شهر زكاتكم" رواه مالك في الموطأ.

وكان من مواقف الإسلام الفاصلة قول أبي بكر للصحابة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة" رواه البخاري، والزكاة تزكي النفوس، وتسمو بها إلى مراقي الفلاح (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) التوبة: ١٠٣.

الزكاة نماءٌ اقتصادي، وتدويرٌ لرأس المال، ومحاربةٌ ومكافحة للتسول، وشيوعٌ لأواصر التكافل والتضامن الاجتماعي، وحبس الزكاة جريمةٌ دينية مجتمعية، تُكَدِّس الفقر، وتفكك المجتمع، وتخلق التفاوت الطبقي، والصراعات الداخلية للحصول على ما يلبي الاحتياجات، فضلاً عن الجانب النفسي الذي يدفع إلى الحسد والبغض.

يا عبدالله. أخرج الزكاة طيبةً بها نفسُك، وثق بوعد الله إذ قال: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) سبأ: ٣٩، وتلمس المحتاجين المستحقين من الأصناف الثمانية، وإياك أن تمنح زكاتك من لا تعرف، وتباعد عن متسولي الإشارات، والمنازل والشوارع لما في ذلك من عرقلةٍ لجهود الجهات المختصة في مكافحة التسول.

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) الوابل الصيب (ص:34)

(2) الوابل الصيب (ص:31)، بتصرف يسير.

(3) المستطرف (ص:16)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة