بسم الله الرحمن الرحيم
تاريخ اليهود
5 / 4 / 1445هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
إبراهيم الخليل
إن الخليل إبراهيم هو أب للعرب، واليهود، والروم النصارى، وقد رزق الله إبراهيم بإسماعيل ثم بإسحاق، وإسماعيل هو أبُ العرب، وإسحاق هو أب اليهود والنصارى، قال الله عن إبراهيم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) إبراهيم: ٣٩، أما إسماعيل فلم يكن من سلالته نبيٌّ إلا محمد ﷺ، وأما إسحاق فكلُّ الأنبياء الباقين من بعده من سلالته، قال الله تعالى عن زوج إبراهيم: (فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) هود: ٧١، وقد عاش يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم في فلسطين، ورزقه الله بالأسباط، والأسباط هم أولاد يعقوب الاثنا عشر.
نزوح اليهود إلى مصر.
ومن هؤلاء الأسباط يوسف-عليه السلام-، والذي انتقل من فلسطين إلى مصر بسبب عملية الخطف، وعاش يوسف فيها من كونه عبدًا يباع ويشترى إلى أن كان وزيرًا لخزائن الأرض، فدعا يوسف آباءه وإخوانه الأسباط أن يعيشوا في مصر، فنزحوا من فلسطين إليها، حتى مات يعقوب، وأكمل الأسباط عيشهم مع يوسف حتى توفى الله يوسف في مصر.
تنكيل الفراعنة بالإسرائيليين، وإرسال موسى.
وبقي نسل الأسباط في مصر-وعرف الأسباط بالإسرائيليين- نسبة إلى إسرائيل وهو نبي الله يعقوب- وكان الأسباط الإسرائيليين لا يختلطون مع أنساب المصريين، وكان الأسباط الإسرائيليين يرون أنهم من ذرية الأنبياء، فعزلوا أنفسهم تعاليًا واعتزازًا بنسبهم، ولم يكونوا يتزوجون إلا من أنفسهم، وبقي الأسباطُ الإسرائيليون في مصر ثلاثة قرون، حتى جاءهم فرعون، ورأى تعاليهم فأذلهم، واستعبدهم، وقهرهم، قال الله: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ) القصص: ٤، فأرسل الله إلى فرعون نبيًا ورسولاً، وكان هذا النبي من الإسرائيليين، وهو نبي الله موسى-عليه السلام-، ويحكي لنا القرآن كيف نجى الله موسى ومن معه، وأهلك فرعون وآلَه، وكان جديرًا بالإسرائيليين أن يحمدوا الله أن نجاهم من الاستعباد والعبودية إلى العزة والنجاة، ولكنهم تنكبوا الطريق، وآذوا موسى، حتى إن موسى دعاهم إلى أن يعودوا إلى فلسطين، وذلك بجهاد العمالقة لكنهم قالوا بكل خسة ودناءة: (يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) المائدة: ٢٤.
عتو الإسرائيليين، وتكذيبهم لعيسى.
وقد أرسل الله على الإسرائيليين آيات عظيمات: كالخسف، ورفع الطور على رؤوسهم، والمن والسلوى، لكن تجبروا وعتوا وطغوا، وحرفوا، فعاقبهم الله بالتيه في سيناء، فتاهوا أربعين سنة، حتى مات موسى في سنوات التيه، فتتابعت عليهم الأنبياء بعد موسى، وأرسل الله إلى الإسرائيليين الرسول بعد الرسول، حتى قال الله عنهم: (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) المائدة: ٧٠ ، ثم لما اشتد انحرافهم أرسل الله إليهم عيسى يدعوهم إلى التوبة والإنابة وترك الشرك، فكذبوه، وأرادوا قتله، فنجاه الله منهم، قال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ) النساء: ١٥٧ ، ولم يكتف اليهود بذلك بل دونوا افتراءات كثيرة على عيسى وأمه حيث رموها بما هي براءة منه، وقد انتصر الله لها فقال: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) التحريم: ١٢.
سعي الإسرائيليين بالفساد، وكراهة الشعوب لهم.
ونمى في اليهود الحقد والكراهة، فسعوا في تحريف الإنجيل، واشتدت فيهم العنصرية والتعالي، وأصبحوا كلما دخلوا أرضًا نشروا فيها الانحراف: من الربا، والرذيلة والبغاء، واحتكار التجارة، حتى قال الله تعالى عنهم: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا) المائدة: ٦٤ فكرههم الناس، وحقدت عليهم الأممُ والشعوب، فشُرِّد اليهود وطردوا أكثر من مرة، ثم أخذوا يتقاطرون إلى المدينة، اتباعًا لنبوءة التوراة وأن نبيًا يخرج في آخر الزمان، وتكون يثرب هي مهاجرة، وسكنة، ولما سكنوا المدينة، آذوا أهلها من الأوس والخزرج.
تكذيبهم للنبي ﷺ.
وكان اليهود يهددونهم بنبي هذا إبَّان زمانه، وأنه سيخرج وينصر اليهود على العرب: (وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) البقرة: ٨٩ ، (يَسْتَفْتِحُونَ أي: يستنصرون بهذا النبي) فلما جاءهم النبي ﷺ عربيًا من سلالة إسماعيل، حسدوه، وكذبوه، آذوه، وسقوه السم، وهموا بقتله أكثر من مرة؛ لأنه لم يكن من سلالة إسحاق والذي كان منه كل الأنبياء من بعده، لكنْ أسلم منهم من كان منصفًا عادلاً، ومنهم الحبر البحر عبدالله بن سلام-رضي الله عنه- فإنه قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، انجفل الناس عليه، وكنت فيمن انجفل، فلما رأيته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فأسلم وقال: أشهد أنك رسول الله، يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي بهتوني، فأرسل إليهم، فسلهم عني، فأرسل إليهم. فقال ﷺ: "أي رجل ابنِ سلام فيكم؟" قالوا: حبرنا، وابن حبرنا وعالمنا وابن عالمنا، قال ﷺ: "أرأيتم إن أسلم، تسلمون؟" قالوا: أعاذه الله من ذلك،: فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا؛ وجاهلنا وابن جاهلنا. فقال: يا رسول الله، ألم أخبرك أنهم قوم بهت؟" أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
تعامل النبي ﷺ مع اليهود في المدينة.
لكن النبي ﷺ لم يقاتل اليهود أولاً، بل إنه لم يقتل يهوديًا، إلا من خان وغدر، وأقرهم على ديانتهم، ولم يكرهْهم على الإسلام، ولم يصادر أموالهم، وأبقاهم على تجاراتهم في المدينة، بل باع منهم واشترى، بل عاهدهم وأمَّنهم، بل وحكم لهم في بعض الأحكام القضائية على حساب المسلمين، فلما قتل أهلُ خيبر عبدَ الله بن سهل لم يقض النبي ﷺ عليهم بالدية، ولم يعاقبهم على جريمتهم، لعدم وجود البينة الظاهرة ضدهم، وكان ﷺ يعود مريضهم، ويعفو ﷺ عن مسيئهم، حتى عفى عن المرأة التي سقته السم "فجيء بها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسألَهَا عن ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ، قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا ؟ قَالَ: لَا"، ولما قدم النبي ﷺ المدينة كان يحب موافقة اليهود في أعمالهم وعاداتهم ليتألف قلوبهم على الإسلام، ولكنه لما رأى عنادهم وجحودهم أمر بمخالفتهم، ونهى عن التشبه بهم، وكان ﷺ يدعو لهم بالهداية "فكَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ" رواه الترمذي وصححه.
نفيهم من المدينة.
وفي المقابل: لم يكن ﷺ يرضى أن ينتهك اليهود حرمات المسلمين، فلما اعتدى بعض يهود بني قينقاع على امرأة مسلمة في السوق، وتوعدوا النبي ﷺ بالقتال، وقالوا: "يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس"([1]) فقام النبي ﷺ إليهم وأجلاهم من المدينة، ثم أجلاهم عمر ابن الخطاب من جزيرة العرب، ثم فتح عمر بيت المقدس، وتوسعت الرقعة الإسلامية، وطرد الروم شر طردة من الشام.
تجمع اليهود في فلسطين.
ومع ضعف المسلمين في دينهم، وتفرقهم إلى أحزاب وجماعات، تسلطت الدول الكافرة عليهم، وجاء وعد بلفور ليأسس الظلم، ويزرع كيانًا نشازًا لليهود في فلسطين، وهي جريمة نكراء لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، وبدأ تاريخٌ للاضطهاد والتشريد والقمع...
وليس لليهود حق في الأرض، وإن كانوا فيها في أيام يعقوب عليه السلام، وزمنًا بعد موسى، بل المسلمون هم أولى بيعقوب، وبأرض يعقوب-عليه السلام-، ذلك أن اليهود كفروا وحرفوا وغيروا دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ثم إن الأرض ليست لم يعمرها أولاً، ولكن الأرض لمن يقيم فيها حكم الله، ويتبع شرعه، والله تعالى يقول على لسان موسى: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) الأعراف: ١٢٨، فليست القضية قضية شعوب وأعراق وإنما قضية توحيد وإسلام، ثم إن اليهود ليس أول من سكن فلسطين، بل كان قبلهم من الأمم الكثير، كالكنعانيين وغيرهم، إذن فاليهود ليس لهم حق في فلسطين: شرعًا ولا دينًا ولا أقديمةً في السكنى.
موقف المسلم من أحداث غزة.
إن الأحداث العالمية الكائنة اليوم ضد المسلمين لتجعل المسلم في حيرة وقلق؟ ماذا أفعل؟ وماذا أقدم؟ والجواب: سهل، ولكنه عظيم، ولن يجد المرء في نصرة إخوانه كالدعاء لهم، فإن الدعاء هو العبادة، وهو أنفع شيء لإخوانك، وأيسره عليك، ولما كان من أصحاب النبي ﷺ في مكة تحت الظلم، والقهر، والتعذيب، كان يقول ﷺ في قنوته: "اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين" متفق عليه.
وليس للمرء بعد ذلك إلا الصبر، وضبط العواطف، فإن ما يحصل اليوم هو من الأمور الكبار، والتي لا يحسبها عوام الناس، بل هي متعلقة بأولي الفهم من الحكام والعلماء، فالحاكم ينظر إلى الأمور من دائرة أوسع، ومصلحة كبرى، وبعض مَن دونه ينظرون نظرة عاطفية وغير مكتملة، والعلماء ينظرون بنور الله، متبعين شرع الله، وهدي نبيه ﷺ، فالكلام دون هذين الركنين دونه خرط القتاد، وهو كلام لا قيمة له، ولا جدوى من ورائه، ولنحذر الشائعات في زمان الفتنة، ولا ننزلق مع الذين يصطادون في الماء العكر، ويجعلون من مآسي المسلمين تجارة سياسية، يحرضون بسببها الفتن، ويحركون الشعوب على نقض ما عندهم من الأمن.
اللهم نج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) انظر: فتح الباري ( 7 / 332 )، وحسَّنه ابن حجر.