مكتبـــــة الخطب

2025-12-31 11:36:37

الدجال

بسم الله الرحمن الرحيم

شر غائب يُنتظر([1])

         يا أيها الناس! إنها لم تكن فتنة على وجه الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظمَ من فتنة الدجال، وإنه لا يضر مسلمًا، وإن الله لم يبعث نبيًا إلا حذّر أمته الأعور الدجال، وهو خارج في هذه الأمة لا محالة، وإنما يخرج لغَضْبة يغضبها، وهذه الغضبة سببها انتصار المسلمين على الروم في الملحمة الكبرى، وإن الدجال لا يَخرُجُ حتى يَذْهَلَ الناسُ عن ذِكْره، وحتى تترُكَ الأئمَّةُ ذِكْرَه على المنابر، ولذا كان من هديه  أن يستعيذ من فتنة المسيح الدجال في كل صلاة قبل أن يسلم.

خروج الدجال بعد الملحمة الكبرى، ثم فتح القسطنطينية

ولا يخرج الدجال حتى يحاربَ المسلمون الروم، وهي (الملحمة الكبرى)، والمسلمون في ضعف شديد، ومن عظيم الفتن في ذلك الزمان أنْ تكثرَ في المسلمين الردة عن الإسلام ومع ذلك لا تخلو الأرض من أهل الإيمان الصادقين، فيخرج جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فيلتحم الصفان فيموت من المسلمين الأعدادُ الكثيرة، "فلا يُقسَمُ ميراث، ولا يُفرح بغنيمة"، حتى إن الأب يكون له مئةُ ابن، فيُقتَلُون حتى لا يبقى منهم رجلٌ واحدٌ! فأيُّ ميراثٍ يُقْسَم بعد هذا؟! وأيُّ غنيمةٍ يُفْرَح بها؟! ثم ينضم إلى المسلمين بقية أهل الإسلام من أقطار الأرض، فينصرهم الله، ويصيب الرومَ مقتلةٌ عظيمة، وتكثر الجُثث، حتى إن الطائر في السماء لا يجاوز جثثَهم إلا خرَّ ميتًا من قبيح روائحهم.

 ثم يتوجه المسلمون إلى القسطنطينية، فإنها لا تقوم الساعة حتى يغزوها من المسلمين "سبعون ألفا من بني إسحاق"، وبنو إسحاق هم الروم، وهذا فيه دليل على أن كثيرًا من الروم يدخلون في الإسلام آخر الزمان، ويشاركون في فتح القسطنطينية، لأن أكثر الجيش الفاتح من بني إسحاق، لا من بني إسماعيل وهم العرب.

فإذا جاء المسلمون القسطنطينية نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم فيقولون: لا إله إلا الله والله أكبر. فيفتحونها، فتفتتح بالتكبير، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ صاح فيهم الشيطان: إن الدجال قد خلَّفكم في أهليكم([2]).

مكان خروجه، وأتباعُه.

وإنه يخرج من أرضٍ قِبَل المشرق يقال لها: خراسان، وهي من بلاد إيران اليوم، يتبعه سبعون ألفًا من يهود أصبهان، "من حارة يقال لها: اليهودية"([3])، كأن وجوهَهم المَجَانُّ المُطْرَقَة، ويظهر أمرُه للمسلمين إذا كان بين الشام والعراق، فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا.

صفاتُه، ومبدأ خروجه.

وإن النبي ﷺ وصفه لكم صفةً لم يصْفها إياه نبيٌّ قبله، "فيظهرُ  الدجالُ أولاً في صورة مَلِك من الملوك الجبابرة، ثم يدعي النبوة، ثم يدعي الربوبية"([4]) وإنه أعور العينين، أي: عيناه مَعِيبَتان: أما العين اليمنى:" فكأنها عنبة طافية"، لا تبصر، وأما اليسرى: "فناتئة بارزة خضراء من شدة اتقادها"، عليها ظَفَرة(جلدةٌ غليظة تُغشِّي البصر)، فالدجال أعور العينين([5])، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه شاب قَطَط(شديد جعودة الشعر)، قصير، أفحج(متباعدُ ما بين الفخذين)، ولونه هِجَان(أبيض أزهر)، وإنه جُفَال الشعر(كثيرُه)، والدجال عقيم لا يولد له، وإنه مكتوب بين عينيه: كافر وقد تهجاها فقال: "ك ف ر" لا يراها إلا المؤمن، كاتبٌ أو غير كاتبٌ.

جنته وناره، وماؤه ونهره.

وإن من فتنته أن معه جنةً ونارًا، ونهرًا وماءً، وجبالَ خبز ولحم، فنارُه جنة وجنتُه نار، معه نهران يجريان أحدُهما -رأْيَ العين- ماءٌ أبيض والآخر -رأْيَ العين- نار ٌتأجج، فمن أدرك ذلك منكم فأراد الماء فليشرب من الذي يراه أنه نار، وليغمض عينيه، ثم ليطأطئ رأسَه، فإنه يجدْه ماءً باردًا عذبًا طيبًا، فمن دخل نهره حُطُّ أجرُه ووجب وزرُه، ومن دخل نارَه وجب أجرُه وحُطُّ وزرُه، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنها جِوارُكم من فتنته.

من أنواع فتنتنه.

وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إن بَعَثْتُ لك أباك وأمك أتشهد أني ربُّك؟ فيقول: نعم. فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بُنيَّ. اتبعه فإنه ربُّك. وفي تمثل الشياطين دليل على عظيم الفتنة، وأن الشياطين تكون في أمر الدجال وإغوائه.

وإن من فتنته أن يَمُرَّ بالحي فيدعوهم فيكذبونه فينصرفُ عنهم فلا تبقى لهم سائمة ولا بهيمة إلا هلكت.

وإن من فتنته أن يَمُرَّ بالحي فيدعوهم فيصدقونه ويستجيبون له، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، حتى تروحَ مواشِيهم من يومهم ذلك أسمنَ ما كانت وأعظمَه، وأمدَّه خواصرَ، وأدرَّه ضروعًا.

ويمر بالخَرِبَة فيقول لها أخرجي كنوزَك، فتتبعه كنوزُها كيعاسيب النحل(ذكورها ورئيسها تتبعه إذا طار)

حال الناس عند خروجه.

وإن الدجال يخرج في زمانِ اختلافٍ من الناس، وبغضٍ لبعضهم البعض، وسوءِ ذاتِ البَيْن، وخِفَّةٍ في الدين.

وإن قَبْل خروج الدجال ثلاثَ سنوات شداد، يصيب الناسَ فيها جوعٌ شديدٌ، يأمر الله السماء فتمسك فلا تقطرُ قطرة، والأرضَ فلا تُنبت خضراء، ولا تبقى ذاتُ ظِلْفٍ إلا هلكت إلا ما شاء الله، أتدري بم يقتات الناس؟ يقتات الناس في ذلك الزمان: بالتهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطعام، فيعصم الله المؤمنين يومئذ بما عصم به الملائكة من التسبيح.

جَوَلانُه في الأرض ومكثه فيها.

وإن الدجال لا يَبْقَى شيءٌ من الأرض إلا وطئه، يأخذ البلاد بلدًا بلدًا، وحصنًا حصنًا، وإقليمًا إقليمًا، بخيله ورَجِلِه،  إلا أربعةَ مساجد: مكة والمدينة والطورَ و الأقصى.

وأكثر من يخرج مع الدجال: اليهود، والعجم، وجهال المسلمين من الأعراب والصبيان، وأما النساء فحالهن أشد من حال غيرهم، لسرعة تأثرهن، وغلبةِ الجهل عليهن، قال :" يكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل يرجع إلى حميمه وإلى أمه وابنته وأخته وعمته فيوثقها رباطا مخافة أن تخرج إليه".

ومن عظيم فتنة الدجال أنه "لا ينجو من فتنة الدجال إلا اثنا عشر ألف رجل، وسبعةُ آلاف امرأة" ([6]).

وإن أيامه أربعون يومًا: يومًا كسنة ويومًا كشهر ويومًا كجمعة، وسائرَ أيامه كأيامكم، قالوا للنبي: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا. اقدروا له قدره"، والمعنى: أن طول الأيام الثلاثة الأولى حقيقي، وأن يجب على الناس في اليوم الأول ألا يقتصروا على الصلوات الخمس، بل يُقَدِّرون أوقات الصلوات كالأيام العادية، يعني أنهم يصلون في اليوم الأول الذي كسنة ما يقارب: ألفًا وثلاثَمئة صلاة، والثاني الذي كشهر: مئةً وخمسين صلاة، والثالث الذي كأسبوع: خمسًا وثلاثين صلاة.

 

قصة الشاب المؤمن مع الدجال، وأشد القبائل عليه.

        فيتوجه قِبَل الدجال رجل من المؤمنين ممتلئ شبابا، هو يومئذ خير الناس، أو من خيرهم فَتتلقَّاه المسالح (مسالح الدجال معهم الأسلحة كالخُفَراء) فيقولون له: أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج. قال: فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء. فيقولون: اقتلوه. فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟

فينطلقون به إلى الدجال فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس أشهد أن هذا الدجال الذي حدثنا رسول الله  حديثه قال: فيأمر الدجالُ به فيُشَبَّح (يمد على بطنه) فيقول: خذوه وشَبِّحُوه. فيُوسعُ ظهرُه وبطنُه ضربًا فيقول: أو ما تؤمن بي؟ فيقول: أنت المسيح الكذاب. فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلتُ هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا. قال: فيؤمرُ به فيؤشر المئشار من مفرقه حتى يُفرق بين رجليه فيقتله، ثم يمشي الدجال بين القطعتين ثم يقول له: قم. فيستوي قائمًا، ثم يدعوه، فَيُقْبِل، ويتهلل وجهُه ويضحك ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: والله ما ازددت فيك إلا بصيرة. ثم يقول الرجل: يا أيها الناس إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيُجْعَلَ ما بين رقبته إلى تُرقوته نحاسًا فلا يستطيع إليه سبيلا، فيُأخَذُ بيديه ورجليه فيُقْذَفُ به، فيحسَب الناسُ أنما قذفه إلى النار وإنما أُلْقِي في الجنة، فقال : "هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمينوأشد الناس على الدجال هم بنو تميم، وقد نال رجل من بني تميم، فقال:"لا تقل لبني تميم إلا خيرًا فإنهم أطول الناس رماحًا على الدجال" وقوله "رماحًا"، فيه أن القتال يكون ذلك الوقت بالرماح.

قلة العرب، وخروج المهدي.

فيلقى المؤمنون شدةً، ويفرُّ الناسُ من الدجال إلى الجبال، قالت أم شريك يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل"، وسؤالها عن العرب يدل على شجاعتهم.

وإمام المؤمنين رجل صالح من آل البيت، هو المهدي، من أولاد فاطمة، يصلحه الله في ليلة، يواطئ اسمُه اسمَ النبي واسمُ أبيه اسمَ أبيه ، يملأ الأرض قِسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، يملك سبع سنين. 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

نزول عيسى ابن مريم.

فبينما إمام المسلمين قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم من السماء عيسى بنُ مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مَهْرُودَتَين(أي لابسًا ثوبين مصبوغين) واضعًا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه جمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجدُ ريحَ نَفَسِه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طَرْفُه.

فإذا رأيتم ابن مريم فاعرفوه: رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، فيقاتل الناسُ معه على الإسلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويُهْلِكُ اللهُ في زمانه المللَ كلَّها إلا الإسلام.

نهاية الدجال.

ثم يأتي الدجال جبل (إيلياء) وإيليا بيت المقدس فيحاصر بعضَ المسلمين، فيقول قائدهم: ما تنتظرون بهذا الطاغية إلا أن تقاتلوه حتى تلحقوا بالله أو يُفتح لكم. فاتقفوا أن يقاتلوه إذا أصبحوا، فبينما هم يَعُدُّون للقتال ويسوون الصفوف إذ أقيمت الصلاة فيصبحون ومعهم عيسى ابنُ مريم فيذهب عيسى بحربته نحو الدجال، فيدركُه عند باب اللد الشرقي (وباب اللد بلدةٌ معروفةٌ قريبةٌ من بيت المقدس) فإذا نظر إليه الدجالُ ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلَك، ولكنْ يقتلُه الله بيد ابن مريم، فيريه دمَه في حربته. فيأتي المؤمنون الذين ثبتوا في فتنة الدجال لملاقاة نبي الله عيسى "فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة" بشارات يسوقها ابنُ مريم لهم لثباتهم في الفتنة.

هذه فتنته يا عباد الله. "لا يغترُّ به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة، ورغبةٍ في سد الرمق، أو تَقيّةٍ وخوفٍ من أذاه، لأن فتنته عظيمةٌ جدًا تُدْهِش العقول، وتُحيِّر الألباب، مع سرعة مروره في الأمر فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله" ([7]).    

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) غالب ما ذكر هنا من أخبار جاءت عنه وهي في الصحيحين وغيرِهما، وقد ساق أكثرها الألبانيُّ في كتابه: قصة المسيح الدجال.

(1) قال أحمد شاكر: (وأما فتح الترك الذي كان قبل عصرنا هذا فإنه كان تمهيدا للفتح الأعظم، ثم هي قد خرجت بعد ذلك من أيدي المسلمين منذ أعلنت حكومتهم هناك أنها حكومة غير إسلامية وغير دينية وعاهدت الكفار أعداء الإسلام، وحكمت أمتها بأحكام القوانين الوثنية الكافرة، وسيعود الفتح الإسلامي لها إن شاء الله كما بشر به رسول الله) حاشية ابن كثير(2/256)

(2) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/174)

(1) النهاية في الفتن والملاحم، لابن كثير (1/174)

(2) ذهب إلى هذا الجمع القاضي عياض، والنووي في مسلم(18/60)

(1) وهو من قول حسان بن عطية من ثقات التابعين، حسنه ابن حجر في الفتح، وقال: "وهذا لا يقال من قبل الرأي، فيحتمل أن يكون مرفوعًا أرسله، ويحتمل أن يكون أخذه عن بعض أهل الكتاب" (13/92).

(1) شرح النووي على صحيح مسلم (18/59)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة