بسم الله الرحمن الرحيم
دَوْر العالم الغربي في هدم الأسر
ودور الإسلام في بنائها
24 / 3 / 1446هـ
إن الحمد لله...
إنه أهم كيان تقوم عليه المجتمعات، وأثقلُ ميزان يحفظ الأمة عن الانهيار، كيانٌ في انهدامه انحلالٌ للقيم، وضياعٌ للمكارم والشيم، وتفككٌ للأوصال، وتبعثرٌ لجميل الخلال: إنه كيان الأسرة، فالأسرة صمامُ أمان يحفظ قوالب الناس من الانحدار، وجدارُ صدٍّ يتكئ عليه الأمن الديني، والقوام المجتمعي، فالأسرة هي الحاجز المنيع، والحارس الوديع، وهي خطُّ الدفاع الأول.
ولا يمكن أن ينفك أحدٌ منا عن هذا المحيط الدافئ، فإما أن تكون والدًا راعيًا، أو تكون ولدًا مرعيًا، وجاء الخطاب النبوي بتعميم المسؤولية لكل واحد منا، فقالﷺ: "كلكم راع، وكلكم مسؤول" متفق عليه.
أول خطيئة أُسْرية عرفها البشر.
إن تفكك الأسرة من الداخل له من العواقب ما لا يدور بخلد المرء، فكلما كانت الأسرة في حيز الوئام، كلما انعكس ذلك على سلوكِ كلِّ فرد من أفرادها، فإذا انقطع حبل الوصال الأسْري بين الوالدين، ودبَّ الانشطار بين صفوف الأبناء، وانقدح شرر الحسد والبغضاء بين الإخوة فلا تسأل بعد ذلك عن الضياع في متاهات الاضطراب، والدخول في دهاليز الانفراط السلوكي المنحرف، وإن من أول الخطايا التي عرفها البشر في المنظومة الأسْرية هي خطيئة القتل، وكان منشؤها الحسد بين الأخوين (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ) المائدة: ٢٧ فكانت العاقبة بعد ذلك وخيمة (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) المائدة: ٣٠، إنها قصةُ بدايةِ الشر وتولُّدِ الأشر، قالﷺ:"لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا، إلَّا كانَ علَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لأنَّهُ كانَ أوَّلَ مَن سَنَّ القَتْلَ" متفق عليه.
عجيبة عن حياء موسى الأُسْري!
إن الزوجة هي الحصن الأول لبناء جيل تربوي واع، وإن الزوج هو من يرعى هذا البناء ويوجهه، بغيرة منضبطة، وحماية معتدلة، وقد انطلق موسى مِن مدين مع زوجه، وكان صاحبَ غيرةٍ على أهله، فكان يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار؛ لئلا يروا امرأته؛ فلذا اخطأ الرِّفقة وضل الطريق، فعن ابن عباس: "كان موسى رجلًا غيورًا لا يصحب الرفقة لئلا تُرى امرأتُه، فأخطأ الطريق في ليلة مظلمة"([1])، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) القصص: ٢٩
تفخيم الإسلام لحدود الأسرة.
إن التكوين الأسْري ناموس كوني، ارتضاه الله في قيام العالم وسكونه (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) الرعد: ٣٨ ومنذ سطع نور الإسلام، وازدانت بضيائه القلوب، وهو قائم على غرس القيم الأسْرية، والقواعد الاجتماعية التي كانت حائلاً للمسلمين بينهم وبين الرذائل والخنا، فعظَّم الإسلام من شأن الأب وجعل عليه النفقة وله القوامة، وفخَّم من دور الأم وجعل الجنة عند رجليها([2])، وحرم العقوق وقرنه في سياق تحريم الشرك، ونبذ قطع الأرحام، وحث على الزواج، ويسَّر المهور، وأشبع الغرائز بالحلال والتعدد، وحفِظ العرض وصان الأعراض، وكرَّم المرأة عن أن تكون مسرحًا للفاجر، ومنظرًا للفاسق، وخلوةً للطامع، ووزع الحقوق: فللأب حق وعليه حق، وللزوجة حق وعليها حق، وللأبناء حق وعليهم حق، وجعل للأسرة سياجًا، وللأنفس حرمة، وأمر الزوج أن يتغاضى عن الأخطاء ويذكر المحاسن قال ﷺ :" لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنةً إن سخِطَ منْها خُلقًا رضِيَ منْها آخرَ" رواه مسلم. وأدَّب الذئاب الشهوانية عن قربان اللؤلؤ المكنون، وحارب الفاحشة بكل طرقها وأشكالها، فضبط الألسنة بحدود القذف، وصان حياء المرأة بجمال الحجاب، في توازن وانسجام لم تعرفه كثير من أخلاطِ عقولِ هذا الزمن (تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت: ٤٢، ومن خلال كل ذلك كانت قوة الأسرة هي الأقوى تأثيرًا على الفرد سلبًا وإيجابًا.
دور العالم الغربي في هدم الأسر.
وإن الناظر اليوم بعين التأمل ليرى كثيرًا من أجزاء العالم بقوانينه ومنظماته يركض إلى الانحلال ركضًا -إلا من رحم الله- ويسعى في تشريع وتطبيق ما من شأنه الانجراف بالأسرة إلى قاع سحيق، وهدمِ كيانها، ومكانتِها، فإن الحياة الأسْرية في الغرب قد تدهورت تدهورًا يُشكل تهديدًا خطيرًا على صيانة الإنسان وكرامته، حتى أثر هذا التدهور على بعض الأقليات المسلمة في بلاد الغرب، وأصبح النموذجُ الغربي للأسرة يزحف زحفًا شديدًا على أسر العالم كلِّه، من خلال نشر الثقافة الغربية عبر القوى الناعمة: الأفلامِ وما شابهها، أو القوة الضاربة: وهي القوانين، وتجريم من يعاديها، ولا يهمهم أن اهتزاز الأسر هو انحلال القيم، وأن ضياع الأسر هو انفلات الذئاب المسعورة على كل شر.
فاللهم اعصمنا من الفتن، واحفظ علينا الدين
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
القوانين الغربية وأثرها في هدم النظام الأسْري.
دأبت الأنظمة الغربية على محاربة الإنسان، من خلال منحه حريات همجية، وانفلات غير مقيد بالعقل والرشد، فالمرأة الغربية -في أحايين كثيرة- ترفض أن تكون زوجة، وتأبى أن تكون أمًّا، حتى رضيت أن تكون ألعوبة في يد المتوحشين، إن من الأنظمة الغربية ما ساهم في تدمير كيان الأسرة، وهم ساعون في جعلها أنظمةً عالميةً مُلزمًة-كفى الله الإنسانية شرهم- ومن ذلك: أنهم يحددون سنًا قانونيًا للطفولة، ويجعلونه متأخرًا عن البلوغ الشرعي، وبالتالي: يحددون سنًا قانونيًا للزواج متأخرًا، ويجرمون الزواج قبل الثامنةَ عشرة، وقد تزوج نبيكم ﷺ عائشة وهي بنتُ ستِ سنين، وأُدخلت عليه وهي بنتُ تسع، ففي الإسلام يجوز الزواج بالصغيرة إذا كانت بحيثُ تطيقُ ذلك، وهذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والبيئات.
ومن ذلك: أن القوانين الوضعية العالمية اليوم تحث المرأة على الطلاق، كيف؟! ذلك أن الرجل والمرأة عند الغرب متساويان في كل شيء، ومن ذلك تَحمّلُ الزوجين مسئوليةِ رعايةِ الأولادِ وخدماتِ البيت، فأصبح همُّ الزوجين أن يُنمِّي كلُّ واحد منهم مدخولَه الشهري، فتَكَوَّن هنالك شعور بالفردية، وعدمِ الرغبة أن يسيطر أحد على الآخر، حتى ضَعُف مفهوم التضحية لأجل الأولاد، وتولدت الرغبة في الطلاق.
ومما ساهم في انتشار الطلاق بسبب الأنظمة الغربية أن المرأة تقاسم الممتلكات المكتسبة من زوجها لو طلقها! فكثر الطلاق الكيدي، وعُزِف عن الزواج التقليدي.
ومما زاد الأمر بلاء: عدمُ تجريم الممارسات الجنسية خارج نطاق الزواج، فأبيحت بيوت الدعارة، وشُرْعن الشذوذ الجنسي، وجُرِّم التعدد، وحمي الزنا، وبالتالي: اُحْتُضِر مفهومُ الأسرة في العالم الذي يُدْعَى مُتحضِّرًا.
ومن جناية القوانين الدولية على الأسرة: منعُ أيِّ شكل من أشكال التأديب للطفل، كما أن المواثيق الدولية منعت الوالدين من التدخل في حياته الخاصة، وأعطته الحق في اللجوء للقانون لمنع أي تدخل أو مساس بخصوصياته! كما أن هذه المواثيق منحت الدولة حقَّ انتزاع الطفل من أسرته وتوفير أسرة بديلة له! أيْ: أن الطفل إذا لم تعجبه أسرته فله كل الحق في أن يبادر ويطلب نقله إلى أسرة بديلة ([3])، وهذا معناه تشريعُ إهانة الوالدين، وتربيةُ النشء على سلب حقوقهما.
أما بعد: فقد حذر كثير من الخبراء عن الانهيار الأسْري الواقع في البلاد الغربية، وقرعوا جرس الإنذار عن المصائب التي قررتها الأنظمة الجائرة، حتى جعلت الإنسانَ مسلوب الكرامة، فاقدَ الهوية، شبيهَ الأنعام، وقد نشأت تيارات في الغرب تقاوم الانحطاط الأسْري المتدهور، وتدعو إلى إصلاح أنظمته، لكن كان ذلك بعد انفلات المسبحة، وطغيان التفكك، في تصور هَدْمِي للإنسان المُكرَّم، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) طه: ١٢٤، (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: ٥٠
فالله الله يا عباد الله، عظِّموا الشرع، واعْلَمُوا حكمة المُشرِّع، والتفوا حول أسركم، وقوموا بالقوامة الشرعية، والتربية المرعية، (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) التحريم: ٦
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(2) ذكره القرطبي (١١/١٧١)، وذكر نحوه البغوي (٥/٢٦٥).
(2) رواه أحمد، وغيره، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، مرفوعًا بلفظ: "فالزمها؛ فإن الجنة تحت رجليها".
(1) انظر: المواثيق الدولية وأثرها في هدم الأسرة. د. كاميليا محمد