بسم الله الرحمن الرحيم
الماء المقرون بالعرش
7 / 7 / 1445
الحمد الله المبدع في خلقه، العالي في سمائه، خلق فسوى، وقدر فهدى، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له لا ند له ونظير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
كثيرةٌ هي الآيات الربانية التي تخضع لعظمتها الرقاب، وتنكسر لعجائبها قلوبُ أولي الألباب، لكنَّ عيبَ البشر أنهم على قاعدة: كثرةِ المساس تُميتُ الإحساس، أو مِنْ تكرار الاستعمال يكون الابتذال، ثم الغفلة والإهمال، فكثيرٌ عن شواهد ألوهية الله على خلقه غافلون، واستحقاقه بالتعبد لاهون.
ومن تلك المخلوقات المَنسيَّة، مخلوق مسخر بين السماء الأرض، يُقرَن مع العرش، وخزائنه عند الله به ملأى، مخلوق هو المادة الأولى التي تَصيَّر منها كلُّ شيء، وعليه قِوامُ واستناد كلِّ روح، ومنذ أن خلق الله البشرية وهم لا يتجمعون إلا حوله وحواليه، مع أنه لا طعم له، ولا رائحة، ولا لون، إنه الماء، إذْ بالماء يكون الخلق: (فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) الحج: ٥، إذ بالماء يحيى موات الأرض: ( لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) الفرقان: ٤٩، وجعل الله الماء مالحًا وعذبًا، لأجل التوازن البيئي، والانتظام الكوني، وفَصَل بينهما بقدرته وقوته ورحمته: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ) الفرقان: ٥٣.
الماء أول المخلوقات.
الماء، من أعظم المخلوقات، بل وجود الماء كان قبل وجود السموات والأرض، ومن عظمة الماء أنه قُرِن بالعرش مكانًا وزمانًا، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) هود: ٧، "فالماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم"([1])، ومن عظيم أمر الماء أنه مخلوق قبل العرش([2])، عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقَه؟ قال ﷺ: "كَانَ فِي عَمَاءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ"([3])، والعَمَاء: السحاب، فالله كان في سحاب، وفوق السحاب هواء، وتحت السحاب هواء([4])، سئل ابن عباس عن قول الله تعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)، على أي شيء كان الماء؟ قال ابن عباس: "كان الماء على متن الريح"([5])، فالله مستو على العرش، والعرش على الماء، والماء على متن الريح.
الماء أصل الحياة.
والماء سِرُّ وجودِ الحياة، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الأنبياء: ٣٠، قال قتادة: "كلّ شيء حيّ خُلق من الماء"([6])، وهو أصل مادة الإنسان (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا) الفرقان: ٥٤ بل أصل مادة الدواب، قال تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ) النور: ٤٥، وتأمل التعبير الدقيق: (كُلَّ دَابَّةٍ)، فلا يدخل في ذلك الملائكة المخلوقون من نور، ولا الجن المخلوقون من مارج من نار([7]).
الماء جند رقيق من جنود الله.
والماء مخلوق رقيق، وفي نفس الوقت قوي مطيع لله، جعله الله أحد جنوده العظمى التي لا تُقَاوم ولا تُنَازل، فأغرق الله به الأرض، وأهلك بموجه قومَ نوح، وأطبق ببحره على فرعونَ وجنِده، وأصاب الأقباطُ منه الطوفانَ حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم([8])، وإذا اقترب اليوم الموعود جعل الله مياه البحار آذنةً بالدمار (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ) الانفطار: ٣ "وتفجير البحار انطلاقُ مائها من مستواه، وفيضانُها على ما حولها من الأرضين... وبذلك التفجير يعم الماءُ على الأرض فيهلَك ما عليها ويختلَّ سطحُها"([9]).
ماء البحر.
ومن أعجب عظيم صنع الله: ماء البحر، والذي هو مملوء كلَّ وقت، متموج بأمواج الجبال كلَّ حين، خَلَقَ الله البحر أول ما خلقه متكدسًا ماءً دون أن تملأه أوديةٌ أو سيولٌ أو أمطارٌ؛ ولذا أخبر الله أنه مملوء أزلاً، فقال تعالى مقسمًا: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) الطور: ٦ ، والمسجور المملوء([10])، وقد جعل الله البحر مِلحًا أُجاجًا، مُرًّا زُعاقًا لتمام مصالح الخلق، فإن البحر دائمٌ كثير الأسماك، يموت فيه الكثير ولا يُقبَر، فلو كان البحر حلوًا لأنتن من موت الحيوانات فيه، وكان الهواء المحيط بالعالم يكتسب من عكورة البحر، ونتنِه وجيفِه، فيفسد العالم، فاقتضت حكمة الرب سبحانه وتعالى أن جعله كالملَّاحة التي لو ألقي فيه جيفُ العالم كلِّها وأمواتُه لم تغيرْه شيئًا([11])، ومع ملوحته وكثرة موت السمك فيه إلا أنه ﷺ قال عندما سئل عن البحر: "هو الطهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتتُهُ"([12]).
نزول الماء بقدر
والماء العذب الذي يشربه الناس، إنما يأتي من السماء، في خزائنَ لا يعلم عدها إلا الله (إِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ ) الحجر: ٢١، ولو شاء الله لأغلق خزائنه، فهلك الناس ضمأً وعطشًا، ولو شاء لأكب عليهم الماء طوفانًا فهلكوا غرقًا، ولذا قال الله ممتنًا على خلقه (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ) المؤمنون: ١٨، وهذا تهديد ووعيد، فلو شاء الله لأغار مياه الأرض، فعم الجدبُ والقحط (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ ) الملك: ٣٠، فلا يُنال بالحفارات الحداد، ولا السواعد الشداد، فمن له القدرة أن يأتي بماء معين، فسبحان "من أمسكه بين السماء والأرض بغير عماد ومن أغاث بقطره العباد وأحيا به البلاد وصرفه بين خلقه كما أراد"([13]). أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
هديه ﷺ في الشراب
وكان ﷺ يحرص على نقاء الماء، فدخل ﷺ بيت أنصاري فقال: "إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ"([14])، أي: هل عندك ماء بائت في قِربة فأشرب منه، والماء البائت الذي مرَّ عليه الليل وهو في قِرْبته، لأنه يكون أصفى، فإن الأجزاء الترابية والأرضية تفارقه إذا بات، ويكون أبرد، لبقائه الليلَ كلَّه في قربته، قال ابن القيم: "والماء الذي في القِرَب، ألذ من الذي يكون في آنية الفخار والأحجار وغيرهما"([15]). وكان ﷺ يُستعذب له الماء([16])، أي يُطلب له الماءُ من العيون؛ لأنها أبرد وأحلى، وأروى وأنقى، ويترك ﷺ مياه المدينة لما فيها من الملوحة وقتها، وكان ﷺ يحب أن يمزج له العسل بالماء([17])، قال ابن القيم: "فإنه كان ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد، وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإنَّ شُرْبَه ولَعْقَه على الريق يذيب البلغم، ويغسل خَمَل المعدة، ويَجلُو لزوجتها، ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها"([18])، فصلاة الله وسلامه على أكمل الخلق، وأشرفهم نفسًا، وأفضلهم في كل شيء هديًا ، لقد دل أمته على أفضل الأمور وأنفعها لهم في القلوب والأبدان، والدنيا والآخرة.
فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) فتح الباري (6/289).
([2]) قال ابن حجر في الفتح (6/289): "رواه أحمد والترمذي وصححه".
([3]) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن، وقال ابن تيمية: "حديث أبي رزين العقيلي المشهور في كتب المسانيد والسنن". الفتاوى (2/275).
([4]) انظر: التمهيد (5/149)، فالضمير في (تحته وفوقه) عائد على أقرب مذكور وهو السحاب.
([5]) رواه الحاكم في المستدرك، وقال: "على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي.
([6]) انظر: تفسير ابن جرير (18/434)
([7]) وهو جزء من حديث عن المصطفى ﷺ رواه مسلم.
([8]) انظر: تفسير القرطبي (7/268)
([9]) التحرير والتنوير (30/172)
([10]) وهو اختيار ابن جرير (22/459)
([11]) انظر: الطب النبوي (ص:299)
([12]) رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح.
([13]) التبيان، لابن القيم (ص:282).
([14]) رواه البخاري.
([15]) الطب (ص:169).
([16]) رواه أبو داود
([17])ابن حجر في الفتح (9/557) وسكت عنه، وكذا العيني في العمدة (21/ 232).
([18])زاد المعاد (1/167).