بسم الله الرحمن الرحيم
"القراءة...زاد العقول"
10 / 10 / 1445هـ
الحمد لله...أما بعد:
بالقراءة تضيف ألف حياة إلى حياتك.
بدلًا مِن أن يضيع الإنسان وقتَه في التجارب والمحاولات، لم لا يكون ناجحًا من أول وهلة؟ ويختصر الأشهر والسنين! إن النجاح لأول وهلة يضيف عُمُرًا إلى عُمُره، ويكاثر خِبْرات إلى خِبْرته، فبدلًا من أن يعيش ستين أو سبعين سنة، فكأنه عاش ألف أو ألفي سنة!
من أراد أن يعرف الوصفة العجيبة التي توسع العقل، وتعدّد المدارك، وتجعل الفهم متطورًا سريعَ الالتقاط، دقيقَ الأهداف، عميقَ النتائج، فإن دواءه قد أخبر الله عنه من ألفٍ وأربعِمئة سنة فقال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ( العلق: ١ - ٥ .
بالقراءة تعيش في مستقبل الحاضرين.
إن القراءة هي غذاء الروح، ومؤانسة الوَحدة، ومُسْليَة النفوس، ورصيد الأفكار، وإثراء المفردات، وحلية المنطق، فكلما زاد الإنسان في القراءة كلما كان نورًا بين الناس، بحُسن تفكيره، وانتقاء عباراته، وعلو نفْسِه، فهو سابق للحاضرين، يعيش في مستقبلهم وإن كان بينهم، فإن العلم لو صُوَّر صورة لكان أجمل من الشمس والقمر.
أفضل ما يُقرأ هو العلم بالله وبصفاته.
ولا يُعلم أسمى ولا أرقى ولا أنجح من علم يقرؤه الإنسان يوصله إلى جنة الرحمن، فأعز العلوم وأشرفُها هو علمٌ يرضي اللهَ طالبُه، ويُقرِّب العبدَ لخالقه، ومن أعظم الأدعية أن يطلب العبد الزيادة في معرفة الله وأسمائِه وصفاتِه ( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) طه: ١١٤ ، وكفى بالعلوم الشرعية شرفًا وجاهًا أن يأمر الله نبيهﷺ بأن يزداد منه.
بل كانت سبب رحلة موسى عليه السلامالتزوَّدَ من العلم، قالﷺ: "إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ. فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ"([1])، فحمل موسى عليه السلام زاده، وأمر غلامه وانطلق في طلب العلم في قصة مجمع البحرين، ولم يمنع موسى عليه السلامبلوغُه السيادة في العلم أن يطلبه بركوب البحر، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : "لو كان أحدكم يكتفي من العلم لاكتفى منه موسى - على نبينا وعليه السلام - لما قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) الكهف: ٦٦"([2]).
زمن الضعف والفراغ العقلي.
ونحن اليوم في زمن قلَّ فيه حبُّ القراءة، وندر فيه شغف الاطلاع والمطالعة، وانشغل فيه الناس بسفاسف الأمور، وحضيض المداولات والمسامرات، مما أثَّر كثيرًا على مُخرجاتنا الفكرية، ونتاجنا العقلي، ومحاوراتنا الجدلية، وترى ذلك جليًا عندما تجتمع عقول البشر، في منتدياتنا العامة ولقاءاتنا المَجالسية، فماذا نقول؟ وبماذا نتحدث؟ وما الذي يشغل طرحَ الناس في حديثهم؟
إنَّ تخلف أُمّة (اقْرَأ) العلق: ١ عن القراءة هو ما جعلها في ركب الأمم المتأخرة، فبينما كان أجدادنا عاشوا حياةً كالَّة، وظروفًا قاسية، في بيئة يصعب فيها تلقي العلوم، ويتعثر فيها التفرغُ لقراءة الكتاب، بل انشغلوا بمكافحة إيجاد لقمة العيش، لتحصيل أدنى مقومات الحياة الكريمة، في بيئة غير معنية بنشر العلوم والمدارسة، ومن أراد العلم فعليه ضَرْبُ أكباد الإبل، وهجرةُ الأوطان، وتغرُّبٌ عن الأهل والأولاد!
ما هو عذرنا بعدهم اليوم؟ وقد انفتحت لنا الدنيا، وعشنا في رغد من العيش، ويُسِّرت لنا مزاولة أنواع العلوم، ففتحت آلاف المدارس، وعشرات الجامعات، وتسهلت سبل المعرفة، وكثرت وسائل العلم والتقنية، والوصول إلى كنوز المفاهيم والمدارك بطرق رخيصة، وجهد مقل.
نظرة في علو همة المتقدمين.
إن الناظر في سير المتقدمين في جلدهم على القراءة والاطلاع والتأليف والكتابة ليجد عجبًا، ويظن أن هذا غير ممكن في هذا العصر إلا في الأحلام النائمة أو الأفكار النائية، فهذا ابن عقيل الحنبلي ألف كتاب الفنون في 800 مجلد، وهو من مفقودات الكتب، إلا ورقات يسيرة في فرنسا.
وكان بعض العلماء شديدي الاطلاع، موفوري المعرفة، بنهلون من العلوم بشوق عظيم، وكانوا في غمٍّ إذا سئلوا عن مسألة ليس لهم فيها علم؛ لمعرفتهم أنهم قصروا في الطلب، قال يحيى القطان: "ما رأيت أحفظ من سفيان الثوري. كنت إذا سألته عن مسألة أو عن حديث ليس عنده اشتد عليه"([3])، وقال ابن حزم: "قال يحيى الفزاري: كنت آخذ من كل علم طرفًا، فإن سماع الإنسان قومًا يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غُمَّة عظيمة" ([4]).
ولا شك أن هؤلاء ما بلغوا إلى ما بلغوا إليه إلا بطول العكوف، وساعات السهر، وإسبال الأعين في الاطلاع؛ ولذا لا ينبغي لأحد أن يقول اكتفيت من العلم، فمن ظن أنه اكتفى فقد زهد في الطلب، ومن زهد في الطلب والعلم ترك الاطلاع والنظر، ومن ترك الاطلاع ورث الجهل، واستبد برأيه، وظن أنه على شيء وهو ليس بشيء، قال ابن الجوزي: " أفضل الأشياء التزيد من العلم، فإنه من اقتصر على ما يعلمه، فظنه كافيًا؛ استبد برأيه، وصار تعظيمه لنفسه مانعًا له من الاستفادة"([5]).
وذكر المؤرخ الجبرتي عن أبيه حسن الجبرتي أنه اعتكف عشر سنوات يتعلم فيها العلوم التجريبية: من الهندسة، والكيمياء... حتى النجارة، والخراطة، والنقش والتجليد، حتى غدا في بيته آلةٌ من كل صناعة([6]).
يقولﷺ: "مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: مَنْهُومٌ فِي عِلْمٍ لَا يَشْبَعُ، وَمَنْهُومٌ فِي دُنْيَا لَا يَشْبَعُ"([7]).
فطالب العلم لا يشبع، ولا يقول: فات القطار، وانتهت الشهادات، ونفص العمر، فإن طلب العلم نور بين المحبرة ولا يطفئه إلا المقبرة، وكان ابن مالك صاحب الألفية الشهيرة في النحو، شديد الانشغال في العلم حتى أنه حفظ في يومه الذي مات فيه خمسةَ شواهد شعرية([8]).
وكان الطبري (شيخ المفسرين) وهو من ألف أعظم تفسير عرفته الأمة، كان قبل موته بساعة وقد ذُكِر عنده دعاء، فاستدعى محبرة وصحيفة فكتبه. فقيل له: أفي هذه الحال؟ فقال: "ينبغي للإنسان أن لا يدع اقتباس العلم حتى يموت"([9]).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية متبحرًا في العلوم، لا تشبع نفسُه من العلم، قال تلميذه ابن القيم عنه: "وحدثني شيخنا قال ابتدأني مرض فقال لي الطبيب إن مطالعتك وكلامك في العلم يزيد المرض. فقلت له: لا أصبر على ذلك. وأنا أحاكمك إلى علمك. أليست النفس إذا فرحت وسرت قويت الطبيعة فدفعت المرض؟ فقال: بلى. فقلت له فإن نفسي تسر بالعلم فتقوى به الطبيعة فأجد راحة فقال هذا خارج عن علاجنا"([10]).
الخطبة الثانية. الحمد لله.
جيل من الأطفال لم يعتد القراءة!.
عباد الله، إن ضعف القراءة من الصغر، والعزوف عنها لدى طلاب المدارس مبكرًا، لهو نذير شؤم بأجيال تكثر فيها البلادة، وتُستَخفُّ فيها العقول، وتُسْتَتبَع فيها التوافه، وتُدمَّر فيها الحرف والمهن، فمن عاش كارهًا للقراءة صغيرًا فأحرِ بها أن يكون كذلك كبيرًا، فيكون للمجتمعات الطبيبُ المجازف، والمهندس ركيك الصنعة، والصيدلاني المُقلِّد، والمُدرس قليل التعليم...هكذا يصعد جيل يحطم بعضَه بالجهل والغرور.
وإنما يبدأ الطفل بحب القراءة من البيت، إذا رأى مكتبة صغيرة، ورأى الوالدين يبتدرانها بالقراءة، كتب تناسب تفكيره وسِنَّه، حاول أن تقرأ مع طفلك، تقرأ له، ويقرأ لك، تحاورا في المقروء، لِنُعِدْ لبيوتنا مُناخًا قِرائيًا، وجوًا ثقافيًا، وصفاءً معرفيًا، لا تكدره هجمة الألعاب الالكترونية، ولا تنوع تطبيقات التواصل الاجتماعية، والتي زادت عن حدها، وسرقت مواهب أطفالنا، انشروا الكتب الورقية والالكترونية في أجهزتهم، وسياراتكم، حفزوهم، وشجعوهم، ولا تتركونهم لفارغي المحتوى، وعاطلي العقول.
إن الإنسان القارئ تصعب هزيمته، يقرأ كثيرًا وكثيرًا؛ لأن الذي لا يقرأ حياته واحدة، والذي يقرأ توهب له ألف كثيرة.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه البخاري.
([2]) أدب الدنيا والدين، للماوردي (ص:74).
([3]) تذكرة الحفاظ، للذهبي (1/152)
([4]) رسائل ابن حزم (4/72).
([5]) صيد الخاطر (ص:127).
([6]) المشوق للقراءة، للعمران (ص:24) عزاه لتاريخ الجبرتي (ص:397).
([7]) أخرجه الحاكم وصححه، وافقه الذهبي.
([8]) انظر: الفلاكة والمفلوكون، للدلجي (ص:64).
([9]) الجليس الصالح، للجريري (ص:527).
([10]) روضة المحبين، للجريري (ص:70).