بسم الله الرحمن الرحيم
"المرآة الصادقة"
10 / 4 / 1444هـ
الحمد لله الذي كمَّل نقصَ الإنسان بالصاحب، وتَنَزَّه هو سبحانه عن الصاحب والولد والوالد، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا كُفء له ولا نظير، ولا شبيه له ولا مثيل، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اتخذه الله خليلاً، كما اتخذ إبراهيمَ خليلاً، ولو كان مُتَّخِذًا من أمته خليلاً لاتخذ أبا بكرٍ خليلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
الصداقة مرآة صافية نقية، وحلاوة عاجلة.
إن من القِيمَ العظيمة، والمبادئ الكريمة، التي تجعل الإنسان يعيش جنةَ حاضِرِه، وينسى ما تكدَّر من بؤسِ ماضيه، قيمةٌ تُكْمِل الإنسان، وتُعَلِّمُه قواعدَ الوفاء، وحسنَ البذل والعطاء، وجميلَ التضحيةِ والإيثارِ والندى، إنها قيمة الصداقة، فبالصداقة يكتمل الرأي، ويَجْمُل القرار، ويزداد الإنسان معرفةً إلى معارفه، وتتراكم خُبْرَاتُ الحياة إلى خُبْرَاتِه، ويجد طعمًا للحياة، بل يجد طعم الإيمان الحقيقي إذا كانت هذه الصداقة لله وفي الله، كما قال ﷺ: " من أحب أن يجد طعم الإيمان فليحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله "([1])، فكما أنَّ لِلَذائذ الدنيا حلاوة، فكذلك المحبةُ التي جامعُها ومبتغاها الإسلام، فإن لها لذائذَ قلبية، وحلاوةً إيمانية، لا يُدَانيهَا أيُّ شيء مِنْ مُتَعِ الدنيا.
أوثق عرى الإيمان.
وقبل أن يختار الإنسانُ صديقَه، لابد وأن يكون منشأُ اختياره الدين، وغايةُ اصطفائه: حبٌّ في الله ولله، فالباعث على الحب هو أن الله أحبَّ ذلكمُ الصديق الذي أحببتَه، فأنت تحبُّه لمحبة الله له.
وكيف تعرف محبة الله له؟
إذا رأيت الصديق مقبلاً على الله، مطيعًا لخالقه ومولاه، فهو الرجل الذي تُشترى صداقته، وتُلازم أُخوَّتُه، قال ﷺ: "أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحبُّ في الله والبغضُ في الله عز وجل"([2]).
فلا يكن منطلقُ الحب بينكما دنيا مُؤْثَرَة، ولا يكن الحاملُ على الحب: لغةً، أو لونًا، أو بلدًا، أو حزبًا وجماعةً، أو مالًا، أو حُسْنَ صورة، فمن كان هذا ميزانُه فإن صداقتَه تسقط عند أدنى هبوبُ ريح، ولا تثبت عن الشدائد، وليس فيها إعذارٌ ولا تغافل، لإنها إنما قامت على الحظوظ الدُّنيويةِ المَحْضَة، ولم تكن لأجل محبةٍ صافية، وإخاءٍ نابعٍ عن إيمانٍ بقوله تعالى: ﭽ ﯜ ﯝ ﯞ ﭼ ، وتَرَقُبٍ لوعد المصطفى ﷺ القائل:" قال الله عز وجلَّ: المتحابون في جلالي، لهم منابرُ من نور، يَغْبِطُهم النبيّون والشهداء"([3]).
ديمومة الصداقة.
ولذا كانت هذه الصداقة بين المؤمنين من أعظم الصداقات التي تَكْفَل البقاءَ والديمومة، حتى بعد الموت، فكلما كانت الصداقة بين الأخوين مصدرُها صدقُ المحبة، وعظيمُ المودة، يجمعهم على ذلك دينُهم، وحبُّهم لربهم، كلما كتب الله لهذه الصداقةِ الخلودَ، وعدمَ الفناء، بحيث وإن تفارقت أجسادُهم بالموت، إلا أن هذه الصداقة تنتظرهم في البرزخ وما بعده، قال تبارك و تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف: ٦٧، "فلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، أَحَدُهُمَا بِالْمُشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ، لَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" ([4]).
تعاهد الصداقة بالتنقية وتجديد العهد.
وكلما صَفَتْ الصداقة كلما أصبحت كالمرآة الصافية النقية، التي يراها الإنسان فيرى فيها صدقَ المَرْئي، وإخلاصَ الكلمة، وكلما تكدَّرت الصداقة، كلما ازدادت عكورةُ هذه المرآة، وزاد قُبحُها، فإن لم يتداركْها صاحبها بالتصفية والتنظيف، وإلا استمرت على حال وسخها حتى يهجرها أهلها؛ ولذا لا ينبغي للأخوين أن يظنا أن الصديق لا تَبْدُرُ منه زلة، ولا تَخْرُج منه هفوة، فإن البشر عادتُهم النقص، وعدمُ الكمال، وإذا اخترت صديقًا فاقْبَلْهُ بنقصِه، كما أنه قَبِلَك بنقصِك.
إذا كُنتَ في كُلِّ الأمور مُعاتِبًا
صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
إذا أَنتَ لَم تَشرَب مِراراً عَلى القَذى
ظَمِئتَ وَأَيُّ الناسِ تَصفو مَشارِبُه
لا صداقة تدوم بدون صبر على الجفاء.
وعلى هذه فإن الصداقة الحقيقية هي الصداقة التي يحتمل فيها الصاحبان زلاتِ بعضِهِما، فإن الحياة لا تدوم على حال، وفيها من المنعطفات والمحطات ما تؤدي إلى ضعف التركيز، وصرف الصاحبِ عن صاحبِه، مما يجعل الصديقَ الحَصِيفَ الواعي يُمَرِّر لصاحبه خطأه، ويتغافلُ أحيانًا مع تقصيره وعدمِ قيامه بحق الصحبة، فإن عدمَ احتمالِ الصاحبِ لصاحبِه، قد يورث انقطاعًا عظيمًا، وجفاءً كبيرًا، فإذا لم يُحِط الواحدُ منهما صحبتَه بالصبر والاحتمال، وإلا انقلبت الصحبةُ وهمًا على وهم ولؤمًا على لؤم، وتصبح الصداقةُ على حدِّ وصف الشافعي:
ولا خيرَ في خلٍّ يخونُ خليلَهُ
ويلقاهُ من بعدِ المودَّةِ بالجفا
وَيُنْكِرُ عَيْشًا قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
وَيُظْهِرُ سِرًّا كان بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا
الصداقة العدوانية.
فإن كانت الصداقة مجتمعةً على أمر من الأمور المنكرة، مُلْتَفَّةً على غاية من الغاية المَشِينَة، فجامع المحبة بينهما الأعمال العدوانية، والذي بارك لهذه الصداقة وألَّف بينها هو الشيطانُ الرجيم، فإنها في الحقيقةِ صداقةُ الوهم، وصداقةُ الخُذلان، لا تَحْمِلُ هذه الصداقةُ التي قامت على الشر إلا الخيانةَ والغدر، وعاقبتُها في الآخرة وخيمة، كما قال الله عن إبراهيم لمَّا رأى المودة الشيطانية بين المشركين وآلهتهم: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ) العنكبوت: ٢٥، وهذه نتيجةٌ حتميةٌ، فإن عداوة الأشرار يوم القيامة كائنةٌ بسبب تخاصمهم، فكلٌّ يُلقي الملامة على الآخر، وكلٌّ يوجه عَتَبَه وشَتْمَه بسبب الآخر، فقد كانوا في الحياة الدنيا يباشرون الشر، ويتلازمونه، واليوم يذوقون وبال أمرِه.
اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار، وأنزل علينا موجبات رضاك عنا، واجعلنا من أهل التذكرة والادكار
الخطبة الثانية: الحمد لله...
فرز الأصحاب.
قد يتفاجأ المرء بأن صديقًا له قد جفاه، وابتعد عن ملاقاته ومُحَيَّاه، فإن استطاع أن يعرف منه سبب ذلك، فالحمد لله، وإلا فلا يُتْعِب حالَه معه، ولا يُعاتب، ولينقلْه من زمرة الأصدقاء المقربين إلى جملة المعارف العامة، وليجعله كعموم الناس في التعامل.
إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفًا فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا
فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ وفي القلبِ صبرٌ للحبيب ولو جفا فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهْوَاكَ قلبهُ و َلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفا
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) صحيح الجامع.
([2]) رواه أحمد، وحسنه محققو المسند.
([3]) رواه الترمذي.
([4]) تفسير ابن كثير ( 7/237 ).