بسم الله الرحمن الرحيم
(قَالَ هِيَ عَصَايَ)
20/ 6 / 1444هـ
الحمد لله علم آدم كلَّ الأسماء تعليمًا، وأغرق الأرض لنوحٍ ففجّر الأرض تفجيرًا، وأرسل إلى عادٍ وهودٍ وقوم لوط، فكذبوا فدمرهم تدميرًا، وجاء فرعونُ ومن بعده بالإفك والجبروت فأخذهم أخذًا وبيلاً، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل الآيات تلو الآيات تبشيرًا وتنذيرًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، شُقَّ له الصدر، وفُلِقَ له القمر، وأُنزل عليه القرآنُ نورًا وترتيلاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
سلاحٌ على الأعداء، وعونٌ للضعفاء.
خَلْقٌ من خلق الله، جعل الله له قصصًا وحكايات، مخلوق من ألطف المخلوقات، جعله الله لبعض أنبيائه آيةً وبرهانًا، ولبعض أنبيائه من أدوات سُننه، ولبعض أنبيائه علامةَ موته، مخلوقٌ سخرَّه الله لسائر الناس مُنْتَفَعًا وقضاءً للحوائج، يؤدبون به ويستخدمونه على كِبَرٍ.
إنها العصا، نعم. العصا، التي ذُكرت في القرآن، وجاءت في أخبار الأنبياء، قال الحسن البصري عنها: "سنة الأنبياء، وزينة الصُّلَحاء، وسلاحٌ على الأعداء، وعونٌ للضعفاء"([1]).
عصا موسى-عليه السلام-.
أما عن عصى موسى فلها أحاديث وأعاجيب، حتى قال عنها ابن القيم:" فانقلاب العصا ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يمرُّ به، ثم يعود عصا كما كانت من أدلِّ دليل على وجود الله سبحانه، وحياته، وقدرته، ومشيئته، وإرادته، وعلمه بالكليات والجزئيات، وعلى رسالة الرسول، وعلى المبدأ والمعاد، فكل قواعد الدين في هذه العصا "([2]).
قال هي عصاي.
ففي أول لقاء لقيَ فيه الكليمُ ربَّه، قال له ربُّه: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) طه: ١٧ -واللهُ قد علم في الأزل ما في يمينه- فقال موسى: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ)، فكان جواب موسى بليغًا وجيزًا، ذكرَ أعظم حاجاته بها، وأوجز الباقي، إلّا أنه قال: (هِيَ عَصَايَ)، ولم يقل: (هي عصا) فنسب العصا لنفسه في ذلك الموطن العظيم والذي مَثُل فيه أمام الله، فقال الله: (أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ)، أَلْقِها؛ لترى منها العجب فتعلم أنه لا مُلكَ إلا ملكُ الله، ولا قدرة أعظم من قدرة الله([3]).
أتوكأ عليها، وقصة سليمان.
قال موسى: (هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا)، موسى بشر من البشر، يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، وكما أن موسى كان يتوكأ عصاه فكذلك سليمان-عليه السلام-.
فقد سخر الله لسليمان الجن لا يخرجون عن أمره، ومن خرج عن أمره عُذِّب، كما قال تعالى: (وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ)، وكان بعض الجن -زمن سليمان- يزعم أنه يعلم الغيب، فأراد الله أن يُكذِّبهم، وذاتَ يومٍ وبينما سليمان واقفًا متكئًا على عصاه، شاء الله أن يقبض روحه، فقُبِض، وظل جسدُ سليمان واقفًا متكئًا على عصاه وهو مِيّت ما شاء الله أن يقف من الليالي والأيام، بينما الجن يكدحون، ويعملون، ويقاسون، خوفًا من سليمان، لم يعلموا خبر وفاته، فما دلَّهم على موته إلا سقوطُ جسده، بعد أن أكلت الأَرضَة عصاه.
عندها ظهر للناس وتبين لهم أن الجن لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمونه ما لبثوا حينًا من الدهر في هذه الأعمال الشاقة، قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) سبأ: ١٤ والمَنْسَأَة: هي العصا بلغة الحبشة.
وأهشُّ بها على غنمي.
كان موسى نبيًا من أنبياء الله، حاملاً عصاه في سفره وحضره، وقد قال النبي ﷺ:" ما بَعَث الله نبيًا إلا رعى الغنم"، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: "نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة"([4])، وما أحوج الرعاة إلى العصا؛ ولذا قال موسى: (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي)، ومعنى (أهش) أي: أزجر غنمي بها، وأَخْبِط الشجر حتى تُلقيَ أوراقها للغنم.
من عوائد العرب عند الأمطار حمل العصا.
وقد كان من عادة العرب قديمًا أنهم يحملون عصيانهم إذا ارتوت الأرض، وسالت الأودية، حتى يسيروا بها بين الشعاب، قال مالك رحمه الله: "وقد كان الناس إذا جاءهم المطر خرجوا بالعصي يتوكؤون عليها، حتى لقد كان الشباب يحبسون عصيهم"([5]).
ولي فيها مآرب أخرى.
ثم إن العلماء غاصوا واستبحروا في قول موسى: (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ)، أيَّ مآربَ عَنَاها موسى؟ وأيَّ مآرب احتاج إليها البشر؟ قال ابن عباس مُبينًا بعض تلك المآرب: "وإذا أصابني حرُّ الشمس غرزتها في الأرض وألقيت عليها ما يُظلني، وإذا خفت شيئًا من هوام الأرض قتلتُه بها، وأقاتل بها السباع عن الغنم".
وقال أعرابي وقد سئل: ما في يدك، فقال:" عصاي أركزها لصلاتي، وأعدها لعِداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفري، وأثب بها النهر، وتؤمنني من العَثَر، وتُدْني إليَّ ما بَعُد مني، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأتقي بها عَقُور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران"([6]).
ولعصى موسى أعاجيبُ وغرائبُ حكاها القرآن، فبالعصى أُرْعِبَ فرعون، وبالعصى بَطُل السحر، وبالعصا أسلم السحرة، وبالعصى انفلق البحر، وبالعصى انفجرت الحجارة لبني إسرائيل، كل ذلك في آيات متعددة في كتاب الله، ينبغي على الحصيف الأريب أن يتمعن في تفسيرها، ويتأمل في غرائبها، ثم يُسلِمَ وجهَه للذي قال: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) النحل: ٤٠.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
-العصا ومواضع من الشريعة.
وكان للعصا مواطنُ في شريعة الإسلام، واستخدمها النبي ﷺ في مواضع غدت بعضُها سننًا مأثورة:
1-فمن سنن النبي الكريم ﷺ أنه كان إذا صلّى صلّى إلى شيء يستره من الناس، وكان يقول:" إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إِلَى سُتْرَةٍ وَلْيَدْنُ مِنْهَا"([7]). وكان ﷺ لا يترك السترة في الحضر ولا في السفر، فمرةً صلى النبي ﷺ وهو مستتر بعَنَزَة، يعني: العصا التي يتوكأ عليها الماشي. وصلى مرة إلى الحَرْبة، وقال مرة ﷺ: "استتروا في صلاتكم ولو بسهم" ([8])." "واتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَسْتَتِرَ الْمُصَلِّي بِكُل مَا انْتَصَبَ مِنَ الأشْيَاءِ كَالْجِدَارِ وَالشَّجَرِ وَالأسْطُوَانَةِ وَالْعَمُودِ، أَوْ بِمَا غُرِزَ كَالْعَصَا وَالرُّمْحِ وَالسَّهْمِ وَمَا شَاكَلَهَا" ([9]).
2-وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من السنة أن يتكئ الخطيب بعصا أو قوس ونحوه، فعن الحكم بن حزن أن النبي ﷺ قام يوم الجمعة "متوكئًا على عصا أو قوس فحمد الله وأثنى عليه"([10]). قال ابنُ باز-رحمه الله-: "الحديث يدلُّ على شرعية الاتِّكاء على عصا أو قوس في الخطبة؛ لأنَّ هذا من شأنه ﷺ، ولعلَّ السرَّ في هذا- والله أعلم- أنه أجمَعُ لليدين، وأجمعُ للقلب من الحركة، وأقربُ إلى الإقبال على الخطبة"([11]).
3-وكان النبي ﷺ يستلم الحجر الأسود ويقبله، وأحيانًا كان بيده مِحْجّن، فيستلم الحجر الأسود بالمحجن، ويقبل المِحْجَن([12])، والمِحْجَن عصا منحنية الرأس يحملها الراكب؛ ليوجِّه بها راحلته، ويتناول بها الراكب ما سقط من متاعه، ويلتقط ما يريد.
وخير ما خُتِم به الحديث، وأحسن ما تُسْدَلُ به جمعة اليوم هذه الموعظة العظيمة، التي وعظها النبي ﷺ أصحابه وكان بيده مِخْصَرة (وهي العصا يُتوكأ عليها)، فعن علي قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ، فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مِخْصرة، فنكَّس، وجعل ينكت بمِخْصرته، ثم قال: "ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعدُه من النار، ومقعدُه من الجنة"، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: "اعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له" متفق عليه.
فاللهم يسرنا لليسرى وجنبنا العسرى، واهدنا سواء الصراط، واجعلنا مع النبي المختار ﷺ
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) تفسير القرطبي (11/188).
([2]) الصواعق المرسلة، لابن القيم (3/1197) بتصرف يسير.
([3]) انظر: تفسير القرطبي فقد نقل معناها عن ابن الجوهري (11/186).
([4]) رواه البخاري.
([5]) تفسير القرطبي (11/189).
([6]) تفسير القرطبي (11/189).
([7]) رواه أبوداود، وأصل أحاديث السترة في المتفق عليه.
([8]) رواه ابن خزيمة (810) وصححه الألباني في "الصحيحة" (2783) .
([9]) الموسوعة الفقهية (24 / 178).
([10]) رواه أبو داود (1096) ، قال النووي في " المجموع " (4/526) : حديث حسن
([11]) دروس سماحته على بلوغ المرام، شرح الحديث رقم (449).
([12]) رواه مسلم.