مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:33:14

امرأة قصيرة اتخذت رجلين من خشب

بسم الله الرحمن الرحيم

13 / 3 / 1442

13 / 5 /1446

"امرأة قصيرة

 اتخذت رجلين من خشب"

الحمد لله...

جاء الإسلام بعقل الهدى، وبهدى العقول، وفي تعاليمه موافقة الفطر، ودفع الشرور وآفات الخطر، فلا يُنَاكِف شريعته إلا مفلس، ولا يعادي أحكامه إلا ناقص؛ لأن الكمال كلَّه-الثقافي والاجتماعي والسلوكي- في وحييه وسننه، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) المائدة: ٣، ومن ذلك أنْ حذَّر من الفتن، وبيَّنها، ووصفها، وجعل لها مخارج، وحال دونها بالموانع، فلم يترك باب فتنة إلا جعل دونه حوائل وعوائق، من تمسك بها قادته إلا شطَّ الأمان (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: ٥٠، ومن أعظم الفتن التي درأها الإسلام عن هذه الأمة فتنة النساء!.

الفتنة بالنساء تُرْدِي بِدِين الرجل.

ذلك أن الفتنة بالنساء تردي بدين الرجل، وتضعف من عقله، ولربما نقلته من دين إلى دين، قال ابن عباس: "لم يكفر من كفر ممن مضى إلا من قبل النساء".

وقد خاف السلف على أنفسهم من هذه الفتنة، مع ضعف الداعي، وقوة التحرز، وكان سعيد بن المسيب وقد شاخ سِنُّه، ورقَّ عظمُه، وأتت عليه ثمانون سنة- منها خمسون يصلي فيها الصبح بوضوء العشاء- كان يقول وهو قائم على قدميه يصلي: "ما شيء أخوف عندي عليَّ من النساء"([1]).

وإنك لتعجب بعد ذلك من تزكية نفوسنا، وزعمِها أنها كالحديد صلابة وقوة، مع قوة الداعي، وضعف الديانة، وما ذلك إلا أن القضية لم تُتَصور، وأن النفس لم تَعقل عن الله: (فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ) النجم: ٣٢، ولم تعقل عن رسول الله:" ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ"([2]).

أول فتنة بني إسرائيل.

        عباد الله. إن أشبه الأمم بأممنا أمةُ بني إسرائيل، أعاد الشرع في ذكر أخبارهم، وسَرْدِ أحوالِهم، وضَرْبِ الأمثال بهم، ومن ذلك أنّ انبعاج الفتن كان سببه أولاً نساءَهم:

  قال: "واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" ([3]).

ومعنى ذلك أن فتنتهن سببٌ لكل فتنة، فإنها لما كانت أول فتنة بني إسرائيل كان معناه أن الفتنة تداعت وتكاثرت وتشققت وتولدت على الإسرائيليين بعد فتنة نسائهم.

امرأة إسرائيلية قصيرة اتخذت رجلين من خشب

ومكامن خطر الفتنة بالنساء أن بعضهن يتعرضن للرجال، بحركات الشيطان، وإغواء الأبالِسَة، بسوء لباسها، أو نفوذيَّة عطرها، وقد يصل الحال ببعضهن من المكر والدهاء ما يعجز عنه الوصف، واستمع إلى ما أخبر به النبي عن هذه المرأة القصيرة، وماذا صنعت من الحيلة، فقد روى مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي قال: "كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة، تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتمًا من ذهب مغلق مطبق، ثم حشته مِسْكًا، وهو أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين، فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا"

وفي رواية عند أحمد:" ثم ذكر نسوة ثلاثة من بني إسرائيل: امرأتين طويلتين تُعرفان، وامرأةً قصيرةً لا تُعرف، فاتخذت رجلين من خشب، وصاغت خاتمًا، فحشته من أطيب الطيب المسك، وجعلت له غَلْقَا، فإذا مرت بالملإ أو بالمجلس، قالت به: ففتحته، ففاح ريح".

امرأة قصيرة، صنعت لنفسها رجلين مزورتين من خشب، لدرجة أن الناس لم يعرفوها بعد ذلك، وكانت قد اتخذت خاتمًا تفوح منه رائحة قوية للمسك حتى تفتن الناس، وتجذب الأنظار إليها.

وفي هذا الحديث الإشارة البينة إلا أن من عادة النساء الفاسقات لفت أنظار الرجال بما يسبب لهم الفتنة، وأن منشأ ذلك اليهود، فياليت أنّ المسلمات لا يقعن في شراك ويلات أسباب الهلاك، فلا يَفْتِنَّ ولا يُفْتِنَّ.

فكم يا عباد الله من امرأة خشبية في زماننا، خشبية القلب، شيطانية الروح، مزورة الفتنة، تمر بمجاميع الرجال تنظر من قرن الشيطان ( لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ) النحل: ٢٥ ، وأين هذا الصنف من النساء من قول الرسول:" إذا استعْطَرَتْ المرأةُ، فمرَّتْ علَى القومِ لِيَجِدُوا رِيحَها، فهي كذا وكذا"([4]) وقال قولًا شديدًا.

 الإسرائيليات يتخذون شعر الزور.

ومن أخبار هلاك الإسرائيليين بسبب نسائهم: ما رواه البخاري أن معاوية حج، فقال وهو على المنبر- وتناول قُصَّة من شعر كانت بيد حَرَسِي -: أين علماؤكم؟! سمعت رسول الله   ينهى عن مثل هذه ويقول :"إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".

فتأمل كيف كانت بداية الهلاك، وكيف نشأ الفساد بين الإسرائيليين، وأن مبدأه من النساء أيضًا! وهذا الشعر تتخذه النساء زورًا وبهتانًا؛ ولذا صان النبي هذا الباب لما كان من موارد الهلاك فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة"([5]).

وإنَّ ما يُعرَف بالباروكةِ إن لم يكُن هو عينَ ما ذكَرَه النبي عن بني إسرائيل، فليس دُونَه، بل هو أشَدُّ منه في الفِتنةِ والتَّلبيسِ والزُّورِ([6]).

وتأمل كيف أنكر معاوية على من كان لديه علم تَرْكَ إنكار ما عليه الناس من المنكر حتى انتشر في المدينة، مما يبعث في نفوسنا أنَ ننشر الحق والخير ما حيينا، وأن نردم ما انثلم من سد المجتمع حتى يغدوا متماسكًا قويًا.

الإسرائيليات يتكلفون في الكماليات !

ومما أخبر به نبينا عن الإسرائيليات من النساء أنهن كن غارقات في اقتناء الكماليات، والتزين بلباس ليس من لباسهن، فقال الرسول: "إن أول ما هلك بنو إسرائيل، أن امرأة الفقير كانت تكلفه من الثياب ما تكلف امرأة الغني"([7]).

فقد أخذ أغنياء بني إسرائيل ينفقون الأموال الكثيرة على المظاهر من اللباس والحلي والأطعمة، والبذخ في نفقات الزواج، ثم تَشَبَّه الفقراء بالأغنياء، فكانت امرأة الفقير تكلف زوجها أن يشتري لها من الثياب والحلي مثل ما يشتري الغني لزوجته!.

وإنّ تَعَوَّد المرأة أن تشتريَ ما تريد، أو أن تقتني السلع الباهظة الأثمان لمجرد المنافسة أو التقليد ما هو إلا إغراق في الكماليات، وعلامة فراغ المحتوى والأوقات، وعادةً ما تشبع النفس من الكماليات فتنحى إلى كمال الكماليات...وهكذا دواليك، مما يَنْتُج عنه شعب مستهلك لأبعد حد، مع قروض تصرف في غير الضروريات والحاجيات، كسفر غير منضبط، وماركات فر الشيطان من أثمانها، كل ذلك إشباعًا لرغبات الزَّهْو والمفاخرة، والصراخ بكلمة: "أنا الأفضل".

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

صلاح المرأة صلاح مجتمع وأمة.

هذا شيء من قصص بني إسرائيل وقعت أيام اشتغالهم بالمظاهر الكاذبة، وقد أدى ذلك إلى دمارهم وهلاكهم، بعد أن قل فيهم التقى والصلاح، وكثر فيهم الفسادُ والمجون، والاشتغال بسفاسف الأمور، فسلط الله عليهم أعداءهم فهزموهم وأذلوهم.

فاتقوا الله يا عباد الله. (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) التحريم: ٦، ولْنتأمل واقع أسرنا، ثم لنَسْتَدْعِ داعي المناصحة والوعظ، وإعادة لملمة أوراق التربية، ولا يكونوا إمَّعات، إن أحسن الناس أحسنوا وإن ظلَموا ظلموا، ولكنْ يوطينون أنفسهم إن أحسن الناس أن يُحسنوا، وإن أساؤوا أن لا يَظلموا، فإن صلاح المرأة صلاح مجتمع وأمة.

وليكن الرجال لما خلقهم الله، ولتكن النساء لما خلقهم الله، فهذه هي الفطرة التي قال الله عنها: (الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ) طه: ٥٠، فمتى ما تحلق الرجال بأخلاق النساء، والنساء بأخلاق ارجال فقد خلعوا لباس الفطرة، وحرموا الهداية لأن الله قال: (الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ).

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) انظر هذا الأثر، والأثر قبله عن ابن عباس: فيض القدير (5/436).

(2) رواه البخاري.

(1) رواه مسلم

(1) رواه أبو داود والترمذي.

(1) متفق عليه

(2) انظر: مجموع فتاوى ابن باز (10/56).

(1) رواه ابن خزيمة، وإسناده صحيح.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة