بسم الله الرحمن الرحيم
"غُلِبت الروم"
1 / 4 / 1446هـ
الحمد الله العزيز الرحيم، ناصرِ أوليائه وقامعِ الشيطان الرجيم، كتب النصر لجنده وعباده المؤمنين، وأدال بالحق صولةَ الكافرين المعتدين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الخاتمَ الأمين، خيرَ من أعلى راية الدين، ونشرَ ملةَ أرحمِ الراحمين، صلى الله عليه وعلى أصحابه أجمعين، أما بعد:
صدر الإسلام، وحضارة الفرس والروم.
في صدر الإسلام، وحول جزيرة العرب وبلاد الشام وهضبة فارس، كانت الحياة السياسية يتجاذبها قطبان عظيمان، وأمتان كبيرتان: أمةُ الفرس، وأمةُ الروم.
وتمتد دولة الفرسُ من غرب نهر السند إلى نهري دجلة والفرات، وبينما تمتلك الرومُ الشامَ وبعضًا من مصر.
قوة الفرس وضعف الروم.
وكانت الفرس أشدَّ ضراوة وبأسًا من الروم، بل كانت الفرسُ (وقت صدر الإسلام) أوسعَ وأكبرَ من بلاد الروم، فكانت الفرس قاهرةً للروم، عاديةً عليها، متوسعةً على حساب حدود الروم ومدنهم.
الملحمة الأولى التي خلدها القرآن.
ثم إنه وقعت ملحمةٌ عظيمةٌ بين الفرس والروم، حتى إن الفرس بقوتها وصلت إلى القسطنطينية (إستنبول اليوم) أكبر معاقلِ الروم، ووصولُ الفرس إلى القسطنطينية هو آخرُ فتوحِ كسرى، قال ابن كثير:" غزى مَلِك الفرس الرومَ بنفسه فقهره وكسره، حتى لم يبق مع ملك الروم سوى مدينة قسطنطينية، فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه"([1])، ولما وصل كسرى (مَلِك الفرس) إلى قسطنطينية بنى فيها بيتَ النار.
فَرَحُ المشركين لانتصار الفرس، وحُزْن المسلمين.
أُخْبِرَ رسولُ الله H عن انتصارات الفرس فساءه ذلك ([2])، وكذلك المسلمون معه H ساءَهم انتصاراتُ الفرس، واكتساحُهم للبلدان والعمران.
ولسائل أن يقول: ما سبب حزن المسلمين على هزيمة الروم مع أنهم أعداء أيضًا؟
لذلك أسباب، منها:
1- أن المسلمين يحبون أن تظهر الروم وتنتصر على الفرس؛ لأن الرومَ أهلُ كتاب، وأهلُ الكتاب أقرب للمسلمين من عبّاد الأوثان الذين لا دين سماويَّ لهم.
2- أما المشركون فيحبون أن يظهر الفرس وينتصروا على الروم؛ لأن المشركين: (من أهل مكةِ وبقيةِ العربِ) هم من أهل الأوثان، وكذلك الفرس عبَّاد النار، قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى) المائدة: ٨٢
3-ومن أسباب تَكَدُّرِ خاطرِ المسلمين من انتصارات الفرس على الروم: كونُ الفرس أمةً قويةً وقتها، والنفوس تحب بجِبِلَّتِها أن يَغْلِب العدوُّ الأصغرُ (وهم الروم)؛ على العدو الأكبر (وهم الفرس)، لأنه إذا زال العدوُّ الأكبر وبقي الأصغر فإن قتال الأصغر أيسرُ مؤنة، وأقلُّ كلفة، ومتى غلب الأكبر (وهم الفرس) كثر الخوف منه، وحَضَرَت المشقة إلا بالتوكل على الله([3]).
بارقة أمل في قلبه ﷺ.
وهنا وقفة تأمل، متمثلةً في اقتتال هاتين الأمتين العظيمين: الفرسِ والروم، فقط تفكَّر! كيف كان النبي H يرجو اللهَ انتشار الإسلام، وغلبةَ الحق، مع كونه H بين فجاج مكة، يعاني من المشركين الأَمَرَّين! ومع ذلك كان H يقول:" لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ"، إنه الإيمان المطلق بما أنزل الله في كتابه مِنْ نَصر دينه وإعلاءِ كلمته، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) الصف.
المشركون يهددون ويستقوون لمَّا انتصر الفرس.
في هذا الجو المحموم، من اضطهاد المشركين للمسلمين في مكة، وفَرَحِ المشركين من انتصار قرنائهم الفرس على الرومِ أهلِ الكتاب، وما علا ذلك الجوَّ الكئيبَ من همٍّ وغمٍّ لدى المسلمين، انتشرت الأنباء في مكة أن الفرس انتصرت على الروم، فلقي المشركون أصحابَ النبي H وقالوا وهم يهددون ويتوعدون: كما نصر الله إخواننا الفرس على الروم، فلننتصرنَّ عليكم وعلى كتابكم، كما انتصرت الفرس على الروم وعلى كتابهم.
البشارة من رب السماوات والأرض.
عندها تأتي البشارة من الله -جل في علاه- لأوليائه وجنده، في مفتتح سورةٍ عظيمةٍ، سورةٌ سطرت تاريخًا غيرَ مُزيَّف، ومعاركَ لا يمحوها التقادم، لأنها كُتِبت في أصدق كتاب، وحُبِّرت في خير وثيقة لدى المسلمين، هو كتاب الله جل وعلا، حيث جاءت البشارة في هذه السورة بأمر غيبي عظيم، وحَدَثٍ مجلجل سيغير مسار التاريخ، ويعيد صياغة الحدود الجغرافية، حتى سمَّى المسلمون هذه السورة التي حملت تلك البشارة بسورة الروم، وأنزل الله في أولها تِلْكُم البشارة. فأيُّ بشارة هذه! استمع وتأمل.
بسم الله الرحمن الرحيم (الٓمٓ (1) غُلِبَتِ ٱلرُّومُ (2) فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ (3) فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (4) بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ) الروم: ١ – ٥.
قال ابن كثير: "نزلت هذه الآيات حين غلب مَلِكُ الفرس على بلاد الروم، حتى ألجأهم إلى القسطنطينية"([4]).
وتأمل كيف بدأت السورة بـ ﭽ ﮫ ﭼ وهي حروفٌ مغزاها التحدي، وفي مضامينها إعجاز المشركين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي يخبر بالغيوب فتقع، ويُحدِّث عن المستقبل فيكون، ولهذا جاء في هذه السورة بثُّ البشرى بانتصار الروم بعد أن هزموا بالفعل، وأن هذا الانتصار للروم سيكون بعد بضع سنين.
قال تعالى: (غُلِبَتِ ٱلرُّومُ) ذكر الله أن الرومَ انهزمت ليُببن ضعفهم، فهي مقدمةٌ تُبيَّن أن الأقوى هم الفرس.
ثم قال تعالى: (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) دليلٌ آخر على ضعف الروم، وأن الفرس حاصروا الروم وألجؤوهم حتى بلغوا بهم أدنى الأرض، أي: الحد الذي يكون فيه نهايةُ ملك الروم، فلو سقط لسقط ملكهم للأبد، وهذا فيه بيانٌ لشدة ضعف الروم أن أصبح جيشُهم طريدًا حتى بلغ آخر مَعقَل من مَعاقِلهم([5]).
ثم قال الله زافًا البشرى: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) أي: من بعد هزيمتهم من الفرس سيتنصر الروم عليهم، ولذا قال الله بعدها: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ) فميزان الانتصار عند الله ليس بعُدَّةٍ ولا عتاد، وإنما هو إرادته المحضة قبل كل شيء.
ثم قال تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ)، هذا الوعد الذي سيكون بعد بضع سنين (والبضع ما بين الثلاث والتسع سنوات) ، وهذا من الإخبار بالغيب الذي أخبر به القرآن فوقع، فإذا مرت هذه البضعُ السنين سينتصر الروم على الفرس، وعندها يفرح المؤمنون.
انتصار الروم ووقعة بدر في يوم واحد.
متى انتصر الروم؟ إن من عجائب لطيف الأقدار من الله سبحانه، أن انتصار الروم على الفرس كان بعد نزول هذه الآيات بسنيات قليلة، فكان انتصار الروم في اليوم الذي انتصر فيه المسلمون على قريش في معركة بدر، قال ابن كثير: "وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء"([6]) فاجتمعت الفرحتان، فَسُرَّ المسلمون بظهورهم على قريش، وسُرُّوا بظهور الروم على فارس.
فسبحان من يُعز ويُذل، ويَخفِض ويَرفع، ويُغني ويُفقر، وكلُّ يوم هو في شأن، ينصر المؤمنين، ويديل الكافرين، ويمتحن من يشاء من عبادة بسطوة الظالمين.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية الحمد لله...
في خمسة عشرة سنة تُفتح الأمصار.
ما هي إلا سُنيَّات قليلة حتى أفرح الله المؤمنين يوم انتصر الروم، في اليوم الذي فرحوا فيه ببدرهم الكبرى على المشركين، ثم ما هي إلا سنيات قليلة حتى يُحققَ الله وعده الأعظم، ويفتحَ الله على الخليفتين أبي بكر وعمر بلاد فارس والروم، ويسلمُ من عليها ممن سكنها، قال الزبير الكلابي قال: "رأيت غلبة فارس على الروم، ثم رأيت غلبة الروم على فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين على فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة"([7])؛ لذا قال الله في تمام ما أنزل في أول سورة الروم: (وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) لا يعلمون! يستبطئون النصر، ويجهلون مفاتيح الانتصار، وينسون تاريخهم.
فاللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين، اللهم كما فتحت على الأولين فأتم نصرك وفتحك على الآخِرِين، واحمِ واحفَظ حوزة الدين
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) تفسير ابن كثير، بتصرف يسير( 6/302 ).
([2]) انظر: تفسير القرطبي ( 13/6 ).
([3]) انظر: تفسير ابن عطية ( 4/328 ).
([4]) تفسير ابن كثير، بتصرف يسير( 6/297 ).
([5]) انظر: تفسير الرازي (25/80).
([6]) تفسير ابن كثير ( 6/303 ).
([7]) تفسير ابن كثير ( 6/304 ).