مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:11:19

كيف تسيطر على ردود أفعالك تأملات في أفعاله صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

"كيف تسيطر على ردود أفعالك؟"

تأملات في أفعاله  

9/ 3 / 1446هـ

الحمد لله الذي زين قلوب أوليائه بأنوار الوفاق، يسامح بفضله ويعاقب بعدلِه، فلا اعتراض على الملك الخلاق، أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، المخصوصَ بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، وعلى آله وأصحابه، ومن اتَّبعهم بإحسان، أما بعد:

ضبط ردود الأفعال مهم في استقرار الحياة.

كم تحتاج نفوسُنا في هذه الحياة إلى المسالمة، وكم نرغبُ أن نكون مع إخواننا في موادعة، حتى نعيش صفوًا من النعيم في هدوء روحي، لا تكدِّره مُلاسنات الألسن، ولا حزازاتُ الإِحَن، من البغضاء والكراهية مع عباد الله المؤمنين، وقديمًا قيل: "منْ زرع الإِحَنَ حصد المِحَن"([1])، وإن من مسببات العداوات، عدمَ ضبط ردود الأفعال، وانفلاتِ التوازن عند أدنى استفزاز، وقد يبدأ الاستفزاز بكلمة وينتهي بقتل، وكان رجل في زمن النبي  له زوجتان، وكان يحصل بينهما ما يحصل بين الزوجات من الغيرة، وفي ذات يوم تخاصمتا "فَرَمَتْ إحْدَاهُما الأُخْرَى بحَجَرٍ، فأصَابَ بَطْنَهَا وهي حَامِلٌ، فَقَتَلَتْها وولَدَهَا الذي في بَطْنِهَا"([2]).

والإنسان عبارةٌ عن أحاسيسَ ومشاعر، ولابدَّ من كل فعلٍ أن يُقابَل بردِّة فعل، والميت هو الذي لا يملك الرَّد:

وما لِجُرحٍ بِميِّتٍ إيلامُ

لكن القضيةَ كيف تكونُ ردود أفعالِنا؟ وهل هي حكيمة وعاقلة، أم عنيفةٌ وجارحة؟ هل نُقدِّر المواقف بتقدير مُتَّزن، ونعرفُ مستوى الرد الذي يناسب المُخَاطَب؟ وفي هذه الوقفة سوف نجول مع الرحمة المهداة، والنعمة المسداة نبينا محمدٍ وننظرُ كيف كانت ردود أفعاله مع طوائفَ من الناس: العالمِ والجاهلِ، الطفلِ والشابِ.   

مخاطبة العقول لا العواطف (الموقف الأول).

إن من الأهمية بمكان أن يعرف المرء عقل مَن يخاطب، وأن يُقدِّر مستوى الذي أمامه المعرفي والإدراكي، فردود الأفعال تختلف ما إذا كان المردود عليه طفلاً أو شابًا، جاهلاً أو متعلمًا، مريدًا للحق، أم متبعًا للهوى.

أتى شابٌّ إلى النبيِّ (وكان هذا الموقف بين الناس فطلب حاجةً غريبةً) وقال: يا نبيَّ اللهِ أتأذنُ لي في الزنا؟ (فماذا كان ردُّه ؟ وماذا كان ردُّ الناس؟ أمَّا الناس) فصاحوا به وزجروه، (أما النبي ) فقال: "قَرِّبوهُ، ادْنُ"(وهذا التقريب يُشعر بالأمان، وهو كالمفتاح لما انغلق من القلوب) فدنا حتى جلس بين يديْهِ، (فخاطب النبيُّ عقلَه، قبل أن يخاطب عواطِفَه) فقال له : "أتحبُّه لأُمِّكَ" فقال: لا. جعلني اللهُ فداك. قال: "كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لِأمَّهاتِهم. أتحبُّه لابنتِك؟" قال: لا. جعلني اللهُ فداك. قال: "كذلك الناسُ لا يُحبُّونَه لبناتِهم. أتحبُّه لأختِك؟" حتى ذكر العمَّةَ والخالةَ...، فوضع رسولُ اللهِ يدَه على صدرِه وقال: "اللهمَّ طهِّرْ قلبَه واغفر ذنبَه وحصِّنْ فَرْجَه" فلم يكن شيءٌ أبغضَ إليه منه (أي: من الزنا)"([3]).

قد أدرك النبيُّ شيئًا في هذا الشاب لم يُدركه الحاضرون، فشاب ممتلئ نشوةً وقوةً، يأتي علنًا ويسأل في أمرٍ -لو شاء لعمله في السر-، دل ذلك على صفاء قلبه، ولذا كسر حاجز الحياء، وتقدم بطلبه، ولو كان قليلَ الديانة، بعيدَ الورع لما سأل، لكن النبي رأى ذلك جليًا في قلبه، فعالجه أتم العلاج.

ومما يُذكر ويُعلم أنه سأل هذا الشاب "أتحبه لأمك" لمَّا علم سليمَ فطرتِه، وعظيمَ نخوتِه، أما اليوم مع فساد كثير من الفِطَر، وانقلابِ ملحوظ في الموازين، وغلبة الهوى، والتأثر بالعقلية الغربية المُنحرفة التي قبلت الدِّياثة، وأماتت الغيرة، فإن السؤال سيكون له وجهٌ آخر، والمعاملة ستكون من بابٍ ليس هو ذلكم الباب، والله المستعان.

وتطبيق ذلك في الحياة المعاصرة: تعاملنا مع الشباب سواءٌ كانوا أبناء أم طلابًا، أم قائدي سيارات في الشوارع، فإنه لا ينبغي أن تكون ردود أفعالنا معهم كأنما هم ملائكة أبرار، أو شياطينُ مردةٌ فجار، بل نُقدِّر عنفوانهم، ونتفهم اندفاعهم، ونعرف مفاتيح نفوسِهم، فإن لحسن التعامل سحرًا يزيل الغشاوة، ويُصْهر الأغلال، ومتى ما كنا بهذا المستوى من الإدراك فإن ردود أفعالنا تجاههم ستكون رأس الحكمة، وأسَّ وأساسِ التغيير.

مدارة أهل الخلق السيء (الموقف الثاني).

ولربما ابتلي الإنسانُ بصاحب سوءٍ بذيء اللسان، سليطِ الكلام، لا يترك أحدًا إلا سخر منه، ولا مُجَالِسًا إلا تَندَّر منه، لا يَسلم قعيدُه من استنقاص، ولا أكيلُه من احتقار، فمثل هذا لا يُجارى مع كلامه، ولا يطاول في استرساله، وإنما يُدارى قدر الإمكان، ويُجَانَب حديثُه غالب الزمان، وهذا الصنف من البشر البشاشةُ معه تقيك السوء، وكلمةُ الخير تردع صخبَه وآفاتِه.

فعن عائشة-رضي الله عنها- قالت: اسْتَأْذَنَ علَى النبيِّ رَجُلٌ فَقالَ: "ائْذَنُوا له، -فبئْسَ أخُو العَشِيرَةِ"، (وليس في هذا غيبةٌ للرجل؛ لأنه كان مجاهرًا ببذائة لسانه، وسوء فعاله) فلما دخل أَلانَ له  الكلام، فلما خرج، قالت عائشة: يا رسولَ اللَّهِ، قُلْتَ ما قُلْتَ، ثُمَّ ألَنْتَ له في القَولِ؟ فقال: "أيْ عائشةُ، متى عهدتني فاحشًا؟! إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن تَرَكَهُ الناس اتِّقَاءَ فُحْشِهِ"([4])، فما فعله النبيُّ كان درءًا لسوء خلقه، ومداراةً لشرِّ طويته، ولم يكن النبي فاحشًا يقابل صاحب السوء بسوئه، ويجاري أهل البذائة في الحديث بأسلوبهم، ولم يمدحه على باطله، ولم يصانع له لأجل مصلحة دنيوية، بل أَلانَ له الخطاب لعله أن يكفَّ ويرعوي، خلافًا للمداهنة المذمومة، وهو أن يتنازل الإنسان عن دينه ليحقق مصالح دنيوية، أو يسكت عن أهل الباطل لأجل مصالحه الخاصة منهم.

وتطبيق ذلك في الحياة المعاصرة: أن الإنسان إذا أخذ موقفًا من شخص ما، فإن من حسن الخلق وجمال الخصال أن يقابله بالتبسم، ويعامله بأدبيات المجاملة، ولا يصح أن يقول: أنا صريح في التعامل، وما كان في القلب فهو على اللسان! فهذا حال قصير النظر، والله يقول لنبيه (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران: ١٥٩، ولكن احذر لا تبالغ في المجاملة حتى لا تسقط في بئر النفاق، ولا تبالغ في الصراحة حتى لا تسقط في وحل الوقاحة، وخير الأمور الوسط وفي التناهي شطط.  أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية:

تقدير المصالح والمفاسد (الموقف الثالث).

وعند ردة الفعل ينبغي أن تُقَدَّر المصالحُ والمفاسد، وأن ننظر نظرةً شمولية، فليس كل خطأ يُدفع جَملة واحدة، بل قد يُسمَح للمرء بارتكاب الخطأ اليسير درءًا لمفسدة كبرى، فعن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول اللَّه إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، (فماذا فعل الناس؟) قام الناس فزجروه (وكادوا أن يضربوه) وقالوا: مَه مَهْ. (لكن كان لنبي الأمة موقفًا آخر) فكان ردة فعله أن قال: "لا تزرموه دعوه، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين"، فتركوه حتى بال، (وإنما تركه ؛ لأنه لو قام أثناء بوله لانتشرت النجاسة، ولكان في ذلك ضرر صحي على نفس الإعرابي لقطعه البول فجأة) ثم إن رسول اللَّه دعاه فقال لـه: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر اللَّه، والصلاة، وقراءة القرآن"([5]). فقال الأعرابي (وهو في حالة من الرضى بصنيع النبي معه): اللَّهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي: "لقد حجَّرت واسعًا" يريد ضيقت رحمة اللَّه التي وسعت كل شيء. ومن هذا الحديث يُعلَم أنْ ليس كلُّ ردِّة فعلٍ تراها موافقةً للحق ابتداءً تكون هي الحق المحض، بل في بعض الأحايين تضطر أن تترك شيئًا من الحق لأجل تحقيق مصالح أكبر أو تسمح بارتكاب مفسدة صغرى لتحقيق مصلحة أكبر.

وتطبيق ذلك في الحياة المعاصرة: ردود أفعال بعض الأزواج من زوجاتهن إذا ساءت العشرة منهن، وكان له منها أولاد، فما أكثر ما يستعجل الأزواج ببت الطلاق ورميه، مع ما يترتب على ذلك من الضرر النفسي على أولاده، وقُرِّةِ عينه، وما يحصل بعد ذلك من الشتات، والذي يعقبه قلة التربية، وبُعد الملاحظة، فيضيعُ الأولاد بسبب تقديرٍ قصير النظر، في تصرفٌ عجول.   

لا تظن أنك الوحيد الذي جُني عليه. (الموقف الرابع).

إن مما يضبط ردود أفعالنا مع الناس أن نعلم أننا لسنا الوحيدين الذين يتعرضون للأذى، ولسنا الوحيدين الذين يقع عليهم من الآخرين الخطأ، وأن كلَّ مُتَجَنٍّ عليك، فإن هنالك من هو مثلُه قد تجنَّا على الملايين قبلك، وعلى الملايين مِن بعدك؛ ولذا وطن نفسك أن تقولَ لها عند كل موقف (يا نفس يحصل مثلُ ذلك)، وقد كان النبي يسمع أنه قد قيل فيه وهو يُقَسِّم الغنائم: "هذه قسمة ما أريد بها وجه الله"، فيقول: "رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قدْ أُوذِيَ بأَكْثَرَ مِن هذا فَصَبَرَ"([6])

ومِنْ أغرب الحوادث التي تمثل روعة ردود الأفعال وتوطين النفس على الصبر، ما حدَّث به أنس فقال: كنت أمشي مع رسول الله ، وعليه رداءٌ نجرانيٌّ غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجبذه بردائه جبذةً شديدة، حتى انشق البُرد، فنظرت إلى صفحة عنق رسول الله وقد أثَّرت بها حاشية الرداء، من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد. مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله فضحك، ثم أمر له بعطاء"([7]).

ومن تطبيق ذلك في الحياة المعاصرة: أن تتوقع من الناس أيَّ شيء، وأن تُهذِّب نفسَك على امتصاص غضبها، وأن تعلم أن الناس ليسوا على مستوى واحد في الإدراك والمعرفة، وأن لا تغلو في حبك للأشخاص، وتظن أنهم لن يقصروا في حقك، ولنعلم أن الفوارق بين الناس أمر معلوم، واختلافهم في عاداتهم وطبائعهم أمرٌ لا يُنكر، قال : " إنَّ اللهَ تعالى خلق آدمَ من قبضةٍ قبضها من جميعِ الأرضِ فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ فجاء منهم الأحمرُ، والأبيضُ، والأسودُ، وبينَ ذلكَ، والسَّهْلُ، وَالْحَزْنُ، والخبيثُ، والطيبُ"([8])

اللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، وأصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام، اللهم انصر دينك وكتابك وسنَّة نبيك يا قوي يا عزيز، اللهم فرِّج همَّ المهمومين ونفث كرب المكروبين، واشفِ مرضانا وعاف مبتلانا، اللهم اغفر لموتى المسلمين، اللهم ضاعف حسناتهم وتجاوز عن سيئاتهم يا أرحم الراحمين.

 

        عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) الكلم النوابغ، للزمخشري (ص:12)

([2]) وأصل القصة في البخاري، وانظر: الوفيات للصفدي (13/116).

([3]) رواه أحمد بإسناد صحيح.

([4]) رواه البخاري.

([5]) رواه البخاري.

([6]) رواه البخاري.

([7]) متفق عليه.

([8]) أخرجه الترمذي وأبو داود.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة