بسم الله الرحمن الرحيم
16 / 2 / 1442
"محبة الله"
من كلام ابن القيم
الحمد لله...
أعظم نعيم، وأنكد عيش.
إن اللذة التَّامَّة والفرح الكبير، وَالسُّرُور العظيم، وَطيب الْعَيْش وَالنَّعِيم إِنَّمَا هُوَ فِي معرفَة الله، وتوحيد المنعم الأجل، والأنس بِهِ، والشوق إِلَى لِقَائِه، واجتماع الْقلب عَلَيْهِ.
وَإِن أنكد الْعَيْش عَيْشُ من قلبُه مشتت، وهمُّه مفرق، فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مُسْتَقر يسْتَقرّ عِنْده، وَلَا حبيب يأوي إِلَيْهِ ويسكن إِلَيْهِ.
المحبوب الأول، ولا كل المحبوبات.
إن العيش الطّيب والحياة النافعة وقرة الْعين فِي السّكُون والطمأنينة إِلَى الحبيب الأول، وَلَو تنقل الْقلب فِي المحبوبات كلِّهَا لم يسكن وَلم يطمئن إِلَى شَيْء مِنْهَا وَلم تقر بِهِ عينه حَتَّى يطمئن إِلَى إلهه وربه ووليه، الَّذِي لَيْسَ لَهُ من دونه ولي وَلَا شَفِيع وَلَا غنى لَهُ عَنهُ.
أهل محبة الله في جنة عاجلة.
احرص أَن يكون همك وَاحِدًا وَأَن يكون هُوَ الله وَحده فَهَذَا غَايَة سَعَادَة العَبْد، وَصَاحب هَذِه الْحَال فِي جنَّة مُعجلَة قبل جنَّة الْآخِرَة، وَفِي نعيم عَاجل لا يكافئه أي نعيم من الدنيا، قال بعضهم: "إِنَّه ليمر بِالْقَلْبِ أَوْقَات أَقُول إِن كَانَ أهل الْجنَّة فِي مثل هَذَا إِنَّهُم لفي عَيْش طيب".
وَقَالَ آخر: "مَسَاكِين أهل الدُّنْيَا خَرجُوا مِنْهَا وَمَا ذاقوا أطيب، مَا فِيهَا قيل لَهُ وَمَا أطيب مَا فِيهَا قَالَ معرفَة الله ومحبته والأنس بِقُرْبِهِ والشوق إِلَى لِقَائِه"
قرة العين درجة أعلى من المحبة.
وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا نعيم يشبه نعيم أهل الْجنَّة إِلَّا هَذَا وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ :"حبب إِلَيّ من دنياكم النِّسَاء وَالطّيب وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة" رواه النسائي.
فَأخْبر أَنه حبب إِلَيْهِ من الدُّنْيَا شَيْئَانِ: النِّسَاء وَالطّيب ثمَّ قَالَ: "وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة"
وقرة الْعين فَوق الْمحبَّة، فَإِنَّهُ لَيْسَ كل مَحْبُوب تقر بِهِ الْعين وَإِنَّمَا تقر الْعين بِأَعْلَى المحبوبات.
مُرَتَّبات الحب لله أن تحب ما يحب.
والَّذِي يحب الله محبة حقيقة، فإنه يحب أي شيء يحبه الله، من الصفات، والأعمال، والشخوص، والذوات، فإنما علامة صدق محبة المُحَب أن تكون محبوباتك أيه العبد فيما يحب.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) البقرة: ١٩٥، فهل أحببت المحسنين لأن الله يحبهم، هل أحببت المتقين، لأن الله قال: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران: ٧٦، هل أحببت أهل الثغور ودعوت لهم فإن الله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ) الصف: ٤، هل أحببت المصلين المتطهرين التائبين، ثم دعاك ذلك بأن تكون منهم حتى تشملك محبة الله معهم: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) البقرة: ٢٢٢، هل دعتك نفسك مع كثرة هموم الدنيا، وتنوع مصائبها على نفسك مهما دقت أو جلت أن يكون صبرك عليها بوابة لمحبة الله لك: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) آل عمران: ١٤٦، فجعلت من المحن منحًا عائدة على قلبك، هل كلما رأيت عادلاً مقسطًا في بيع وشراء، أو هبة وعطاء، أحببته، فقط لأن الله قال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) المائدة: ٤٢.
ومثل ذلك أن تبغض ما يبغضه الله، فيكون باعث البغض: لا دنيا مؤثرة، معاملات جائرة، إنما محرك البغض والترك هو ما كان لله وفي الله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة: ١٩٠ (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة: ٢٠٥ (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) البقرة: ٢٧٦ (فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) آل عمران: ٣٢ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) النساء: ٣٦ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) النساء: ١٠٧ (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأنعام: ١٤١ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) الأنفال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) القصص: ٧٦
إن مدار الدّين على هَذِه الْقَوَاعِد، وَهِي الْحبّ والبغض، وَيَتَرَتَّب عَلَيْهِمَا: الْفِعْل وَالتّرْك، وَالعطَاء وَالْمَنْع فَمن كانت محابه ومباغضه كلها لله فقد اسْتكْمل الْإِيمَان، وَمتى ما دخل الدخن في محبوباتك، واضطرب الميزان في مباغضك، وأصبح للدنيا معيار في المحبة فإن هذا عائد إلى نقصان إيمان العبد.
أعظم معيار يقاس فيه حب البعد لله.
يا عبدالله. إن الحب الله، ليست دعاوى قوليه يتزعمها الإنسان، فإنه ليس أسهل من تحريك عظلة اللسان، ولكن ليس أصعب من نطق القلب، فإنه القلب متى ما صدق نطقه، صدقت دعاويه وجوارحه، لأنه الملك.
وإذا أرت أن تعرف منزلة محبة الله لك، فانظر منزلة أعظم ما يحب، ومن ذلك الصلاة، فَالصَّلَاة قُرَّة عُيُون المحبين فِي هَذِه الدُّنْيَا لما فِيهَا من مُنَاجَاة، من لَا تقر الْعُيُون، وَلَا تطمئِن الْقُلُوب، وَلَا تسكن النُّفُوس، إِلَّا إِلَيْهِ والتنعم بِذكرِهِ، والقرب مِنْهُ، وَلَا سِيمَا فِي حَال السُّجُود وَتلك الْحَال أقرب مَا يكون العَبْد من ربه فِيهَا، وَمن هَذَا قَول النَّبِي ﷺ :"يَا بِلَال أَرحْنَا بِالصَّلَاةِ".
فرَاحَته ﷺ فِي الصَّلَاة كَمَا أخبر أَن قُرَّة عينه فِيهَا، فَأَيْنَ هَذَا من قَول الْقَائِل: "نصلي ونستريح من الصَّلَاة"
والغافل المعرض لَيْسَ لَهُ نصيب من ذَلِك، بل الصَّلَاة كَبِيرَة شاقة عَلَيْهِ إِذا قَامَ فِيهَا كَأَنَّهُ على الْجَمْر حَتَّى يتَخَلَّص مِنْهَا، وهذا الغافل َأحب الصَّلَاة إِلَيْهِ أعجلُها وأسرُعها، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ قُرَّة عين فِيهَا، وَلَا لِقَلْبِهِ رَاحَة بهَا.
حاصل القول يا عبدالله. أن الْعَبْد إِذا قرت عينه بِشَيْء واستراح قلبه بِهِ فأشق مَا عَلَيْهِ مُفَارقَته.
والمتكلف الفارغ الْقلب من الله وَالدَّار الْآخِرَة الْمُبْتَلى بمحبة الدُّنْيَا أشق مَا عَلَيْهِ الصَّلَاة وأكره مَا إِلَيْهِ طولهَا مَعَ أنه لا أفرغ منه، و لا أنشط من صحته، لكنه نقصان المحبة لله، أو الغفلة عن هذا الباب.
وإنما الصلاة معيار، من ألف معيار تقاس به محبة الله لك، ومحبتك لله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
التوكل وفعل السبب، والجائحة العالمية.
عباد الله. سلو الله العافية، وألحوا عليه بالمعافاة الدائمة، فأنتم في ظلال جائحة تحاسرت عنكم أو كادت، مع أن معالمَ اشتدادها قد أظلت غيركم وأطارت، نعمتم بحزم في القرارات، فحمدتم العاقبة خير حمد، بينما عمت فوضى التقلبات، واختلاط البشر والمظاهرات، مع التمرد على الأنظمة، والاعتداء على الممتلكات، ما يعكس قلة الدين، وزوال الوعي، واضطراب العقول.
فالله الله ياعبدالله بالتمسك بالتوكل على الله، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) آل عمران: ١٥٩، ثم الركون إلى الأسباب الوقائية المقررة، فخذوها بحزم وعزم، وإياكم أن تهدموا ما بنيم في مجتمع كامل النسيج، عالي التظامن، واعلموا أن فعل الأسباب دلالة على الفقه في الدين، والعلم المتين، فإن يعقوب مع عظيم توكله أخذ بالأسباب: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف: ٦٧ – ٦٨، فلا تدخلوا من باب واحد، وتباعدوا قدر الإمكان، تجدوا مغبة الحسنى بإذن الرحمن.
وتَذَكَّر يا عبدالله أن تحمد الله أنْ سلمك، وسل الله العافية لغيرك، وإياك والشماتة قال ﷺ: "من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء".
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد