مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:36:35

حكاية قميص

            بسم الله الرحمن الرحيم

حكاية قميص

                3 / 5 / 1445 ç

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:

        من شيم الأنبياء، وعادات الملوك، ومن المورثات العربية القديمة، التي تشعر بالتواضع، والحياء، والستر، خفيف المحمل، سهل الاستعمال، دليل العراقة والأصالة، إنه: القميص.

عادة العرب قديمًا في لباسهم.

والقميص غير الرداء والإزار، وكلاهما تلبسهما العرب، وكان الشائع من لباس العرب هو لبس الرداء والإزار ([1])، والمقصود بالرداء قطعة قماش تلف على نصف البدن الأعلى، والإزار قطعة قماش أخرى تلف على نصف البدن الأسفل، وهذه الهيئة في اللباس التي عليها أكثر العرب قديمًا (الرداء والإزار) هي شبيهة بلباس المحرم. والإزار (وهي القطعة التي تغطي أسفل البدن) هو لباس كثير من الناس اليوم، وهو شبيه بما يلبسه بعضُ من سكن جنوب الجزيرة العربية اليوم: كتهامة، واليمن، وشرق آسيا: كالهند وإندونيسيا، وهو ما يعرف اليوم (بالوزرة).

لبس الصحابة الإزارَ وحدَه وعلامة الفقر.

وقد كان بعضُ أصحاب النبيمن شدة فقرهم لا يجدون إلا إزارًا يغطي نصف البدن الأسفل، ولا يجدون رداء يغطي الجزء الأعلى، وكانوا يعقدون الإزار على رقابهم محاولة منهم أن يغطي معظم البدن، وكان الناس يصلون مع النبي ، وهم عاقدوا أزرهم من قصرها على رقابهم، فقيل للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسًا» ([2])، فمن شدة قِصَر أُزُرِهم أنهم كانوا إذا سجدوا قد يتكشف شيء من عوراتهم، وقد كان النساء يصلين وقت النبيفي آخر المسجد، وليس بيهم وبين الرجال حاجز، فأُمروا ألّا يُسرِعنَ في النهوض حتى لا تنكشف عليهم عورات بعض الرجال بالخطأ.

أحب الثياب إلى النبيالقُمُص.

إذن؛ كان أكثر لباس العرب: الرداء والإزار، فماذا عن هذا الثوب الذي نلبسه اليوم؟ وهل كانت العرب تلبسه سابقًا؟ وما كان اسمه؟ أما هذا الثوب الذي نلبسه اليوم فكان يُعرف: بالقميص. والقميص: ما كان له أكمام لليدين، يلبس وينتزع من الرأس، وهو ما يلبسه كثير من المسلمين اليوم، وهو الذي نسميه الثوب، وإن اختلف في شكله وهيئته، فما يلبسه أهل المملكة قميص، وما يلبسه أهل الإمارات قميص، وما يلبسه أهل السودان قميص، ومن عاجل بشراكم أن أحب الثياب إلى النبي هذا القميص، فعن أمِّ سلمةَ قالت: "كان أحبَّ الثيابِ إلى رسولِ اللهِ القميصُ"([3]).

وكان يحبه "لِأَنَّهُ (أَي الْقَمِيص) اسْتُرْ للْأَعْضَاء، وَلِأَنَّهُ أقل مُؤنَة وكُلْفة، وأخف على الْبدن، وَلَا بسه أَكثر تواضعًا"([4])، ولبسه ملوك العرب المصلحين الأجلاء: فمنهم من يلبس القميص مرارًا، ويغسل له غسلاتٍ: كمعاوية، وعبد الملك،  وعمر بن عبد العزيز([5])، والقميص كذلك أسهل في الباس من الإزار والرداء الذي يحتاج إلى حل وعقد وتعاهد كل حين.

قميص النبي يوم مات رأس المنافقين.

        وكان لقميص النبي قصةٌ مع رأس المنافقين عبدِالله بن أبي، والذي عُرف بإيذائه الشديد للنبي، وبتدبيره للمؤامرات ضد الإسلام وأهله، فلما توفي ابنُ أبي جاء ابنُه (وكان ابنه من المخلصين وفضلاء الصحابة) فسأل النبي قميصه حتى يُكَفِّن به أباه، فناوله النبي قميصَه، وفي هذا ما كان عليه النبي من الشفقة؛ إذ فعل ذلك تطيبًا للخواطر، وما كان عليه النبي من الصفح والعفو عمن يظهر الإسلام ولو كان ظاهره خلاف ذلك، استئلافًا للقلوب، وكانت هذه القصة قبل النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمُر فيه بمجاهرتهم.

قميص يوسف. 

وعندما تتصفح القرآن تجد لفظة القميص وردت في قصةٍ واحدةٍ في ثلاثةٍ من أغرب المشاهد المختلفة، وذلك في قصة يوسف، حيث كان القميص في كل المواطن الثلاثة عبارةً عن بيّنةٍ ودليلٍ وبرهانٍ.

أما الموطن الأول: فكان بينةَ زورٍ وباطلٍ، قال الله تعالى: (قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) يوسف: ١٧ - ١٨ ، وما رأينا أحلم من هذا الذئب أكل يوسف ولم يمزق قميصه!.

أما الموطن الثاني: فكان بينةً على براءة يوسف، قال سبحانه وتعالى: (فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) يوسف: ٢٨

أما الموطن الثالث: فكان بينةً على بقاء يوسف حيًا، ومعجزة طبية إلاهية في رد البصر، قال الله تعالى: (فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا) يوسف: ٩٦.

فهذا القميص كان أول الأمر بداية الأحزان على يوسف (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)، وفي نهاية الأمر كان نهاية الأحزان (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا) يوسف: ٩٣.

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية: الحمد لله...

قميص عمر ابن الخطاب.

        ومن الصحابة النبلاء، والراشدين الخلفاء: عمر بن الخطاب، والذي له مع القميص حكايات وأخبار، ومن ذلك:

أن النبي رأى عمر ابن الخطاب في المنام، وقد لبس عمر قميص يجره من الطول، فقيل للنبي: فما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: "الدِّين"([6]).

ولما أصبح عمرُ أميرَ المؤمنين رآه أنس-رضي الله عنه- فقال: "نظرت في قميص عمر -رضوان الله عليه- فإذا بين كتفيه أربع رقاع، لا يشبه بعضُها بعضًا" ([7]). يعني رقاع ملونه.

بل إنه مرة أبطأ على الناس في الدخول لخطبة الجمعة فخرج. فلما أن صعد المنبر اعتذر إلى الناس فقال: "إنما حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميص غيره". قاله وهو خليفة المسلمين.

ولما طُعن أميرُ المؤمنين، وكان في مرض موته، وأصبح الناس يزورونه يودعونه، جاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، مِنْ صحبة رسول الله ، وقَدَمٍ في الإسلام ما قد علمت، ثم وُليتَ فعدلتَ، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا علي الغلام، قال: "يا ابن أخي ارفع ثوبك، فإنه أبقى لثوبك، وأتقى لربك"([8]).

فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم واجعله ذخراً للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 

 


([1]) انظر: عمدة القاري (21/301)

([2]) رواه البخاري.

([3]) رواه أبو داود.

([4]) شرح سنن ابن ماجه (ص/256).

([5]) التاج في أخلاق الملوك، للجاحظ (ص/154).

([6]) رواه البخاري.

([7]) الطبقات الكبرى (3/251).

([8]) رواه البخاري.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة