بسم الله الرحمن الرحيم
10/12/1441
الفرحُ الحق وفسحةُ الدِّين([1])
الحمد لله...
تقلب الأيام:
للأيام أفول وانصراف، كما للشمس شروق وغروب وانكفاف، وتمضي الأيام على محور الإنسان، وتتقلب صروفُ الدهر في هذه الحياة بإذن الله، وليس للإنسان منها إلا ما رسمه الكاتبان، وخطه الملكان.
الفرح الحق:
في شريعة الإسلام: تتجدد ألطاف السعادة، وترتسم لحظاتُ انشراح الصدور، ويأمر الله بالفرح الحق، فلا فرح أسمى، ولا بسمة أبهج، ولا سعادة أعلى من فرحٍ كان سبَبَه فلاحُ الدنيا والآخرة: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) يونس: ٥٨، "فإن الإسلام الذي دعا الله إليه، والقرآن الذي أنزله على الناس، خيرٌ مما يجمع الناس من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها" ([2]).
في ديننا فسحة، وصورة من فرحه ﷺ:
بوب البخاري في صحيحه: "باب سنة العيدين في الإسلام"، وروى عن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا"، وعند مسلم أنه ﷺ قال: "دونكم يا بني أَرْفِدَة"، وعند أحمد أنه ﷺ قال: "لتعلم يهود أن في ديننا فسحة".
نعم. صدق وهو الصادق المصدوق ﷺ:" في ديننا فسحة "، فكان ﷺ يحثهم على هذا اللعب في أيام العيد الذي هم فيه، ويقول:" يا بني أَرْفِدة-وهو لقبٌ للحبشة- عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه "([3]).
وسطية الإسلام بين المتصوفة وبين أهل المجون:
وفي قول عائشة: "جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، قالت: وليستا بمغنيتين" أي: "ليستا ممن يَعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بالفحش، وهذا منها تحرز عن الغناء الذي يُحرِّك الساكن، ويبعث الكامن، مما فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة" ([4]).
ففي قول عائشة: "وليستا بمغنيتين": ردٌّ على المتصوفة الذين تعبدوا الله بالرقص كرقص النساء، ووثوب كوثوب المجانين والصبيان، وجعلوا ذلك: "من باب القُرَب وصالح الأعمال! وهذا على التحقيق من آثار الزندقة وقول أهل المَخْرَفة"([5]).
وفي قول عائشة: "وليستا بمغنيتين": ردٌّ على أهل المجون والفسق من كان يتغنى "بتمتطيط، وتكسُّر، وتهييج، وحركات مثيرة، وبغناء فيه تعريض بالفواحش أو تصريح بها، أو ذكر الهوى والمفاتن، فهذا وأمثاله من الغناء لا يُختلف في تحريمه؛ لأنه مطية الزنا وأحبولة الشيطان"([6])
فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيرًا من خلقه، فإن أساس العافية هي عافية الدين.
فافرحوا بالعيد، والبسوا من الثوب الجديد، والهجوا بشكر رب العبيد، ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) إبراهيم: ٧
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
العيد بين الأمس واليوم، واستمرار الجائحة:
عباد الله. تأملوا أحوالكم اليوم، وقارنوها كيف كانت وعيدِ الأمس:
بالأمس تقاربتم، وتصافحتم، وتعانقتم، واليوم تباعدتم، وتكممتم، وتحرّزتم.
بالأمس كثيرٌ ينفق ولا يحصي، واليوم تعدُّون، وتحسبون، وتتدخرون.
واليوم وَقَعَ على كلِّ من عليها قولُ الله العظيم: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر: ٤٧.
قدرة الخالق المطلقة، ومحدودية الخلق:
فلا إله إلا الله. أي قوة هذه التي غيرت وبدلت ثقافات الدنيا، إلا قوة الله.
ولا إله إلا الله. أي قدرة هذه التي قلبت قوانين الأرض، إلا قدرة الله.
فيا عبدالله. جدير بك أن تعرف حقيقة الدنيا، وكيف أنها في تقلب مستمر، وضعف مستقر، ومخاض زائل، وتغير دائم.
يا عبدالله. جدير بك أن تعرف قَدْرَك، وأيُّ شيء تملك، وأن الحقيقة أنك لا تملك من أمرك شيئًا، فكيف بأمر هذه الأفلاك السماوية، والتدابير الربانية، والتي لا يملك التصرف فيها إلا ( رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ) الشعراء: ٢٤ .
في العيد ابعث التسامح، وأكثر التفاؤل:
يا عبدالله. وأنت في فرحة العيد، أرسل رسائل الصّلة، واطمس ما كان من العداوة والكراهية، وكن خير رسول لسلام الأقارب والأصحاب.
واملأ حياتك بالتفاؤل، وأَبْعِدْ عنك المقت والتشاؤم، فإن الله يقول كما في الحديث القدسي:" أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله "([7]).
لا تكسل عن الأضحية وأنت ذو جِدَة:
ثم اعلموا عباد الله، أن الذبح لله من أعظم القربات الماليّة، وأنه قرينة الصلاة، وأن الدم يقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، وأن الذبح لله توحيدٌ، وتعظيمٌ، وشعيرةٌ (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: ٣٢
فعجبًا لمرء ملَّكه الله قدرة ومالاً ثم هو عنها ببعيد، مع أنه ينفق القنطار والدينار فيما هو أقل من ذلك.
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(1) في هذا اليوم وافق يومُ الجمعة يومَ العيد.
(1) جامع البيان، للطبري (15/105)، بتصرف يسير.
(1) شرح النووي على مسلم (6/186).
(2) كلام القرطبي نقلاً عن ابن حجر في الفتح (2/442)، بتصرف يسير.
(2) المرجع السابق.
(2) تعليق مصطفى البغا على البخاري.
(2) رواه أحمد، ومعناه ثابت في الصحيحين بلفظ:" أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني".