مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:24:55

الربا تاريخ وآثار اقتصادية ونفسية

بسم الله الرحمن الرحيم

الربا

تاريخ، وآثار اقتصادية ونفسية

شريعة شاملة، ومصالح قائمة.

        جاءت الشريعة لحفظ مصالح الدنيا والآخرة، فهي ترنو لإصلاح النفوس، وربط الأواصر، وتأسيس المدنية الصالحة: سلوكًا، واجتماعًا، وسياسةً، واقتصادًا، "فالشريعة جامعةٌ لكل ولايةٍ وعملٍ فيه صلاح الدين والدنيا"([1])، ومن ذلك أبواب المعاملات والاقتصاد:

فلن تجد أعدل حكمًا، ولا أنقى تصورًا، ولا أنجع عاقبة، ولا أبعد ظلمًا من نظام الإسلام الاقتصادي، بين الاشتراكية التي سلبت الحقوق الفردية وظلمت الأغنياء، وبين الرأسمالية التي نهبت الثروات والمقدرات، فظلمت الأغنياء والفقراء، فارتفع الإسلام عن الظلمين، وعَدَل بين الجنسين: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) المائدة: ٥٠.

وإن من أعظم الظلم الذي طمَّ في العالم، وأذاقه الويلاتِ، وتَفَاقُمَ الأزمات: قيامُه على الربا، القائمِ على القهر، والاستغلال، والعطالة والظلم والانحلال.

الربا عند اليهود والنصارى

        ولم يكن الإسلام من تفرد بتحريم الربا، بل كان ذلك في ديانة اليهود، وإن كان في نصوصهم أن الربا محرم من الإسرائيلي على الإسرائيلي، جائز من الإسرائيلي على غيره، إلا أن ذلك من تحريف اليهود، وتبديلهم الكَلِمِ عن مواضعه؛ لأن الربا ظلم، وهو محرم في كل ملة؛ والرسول قال في الحديث القدسي: قال الله تعالى: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلت بينكم محرمًا فلا تظالموا". رواه مسلم

وقفة: تُبين كره اليهود وحقدَهم على البشرية.

        يتبن من خلال تشريع اليهود المُحَرَّف مدى حقدِهم على غير بني جنسهم، إذْ حرموا الربا بالنسبة لهم، وأباحوه إذا كان ذلك على غيرهم، فهم يرون أنَّ كل من ليس من طينتهم فليس أهلاً ولا خليقًا بالعدل، وزعموا ظلمًا أنه ليس عليهم حرج في أكل أموال غيرهم، خصوصًا من العرب: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران: ٧٥

        أما القرآن فنراه يخبرنا وبوضوح أنه حرم الربا على اليهود مطلقًا فقال سبحانه: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ( النساء: ١٦٠ - ١٦١

        أما النصارى:       فالربا عندهم محرم تحريمًا قطعيًا لا مراء فيه، سواء كانت المعاملة بين النصارى أنفسِهم، أو النصارى وغيرِهم، لكنهم توسعوا في تحريم الربا توسعًا أدخلوا فيه ما ليس منه.

انتشار الربا، وتسلط اليهود.

        ومع شدة نكير رجال الدين النصارى  إلا أن الربا انتشر في أوربا، وعن طريقها انتشر في كل بقاع العالم، ولعل من أهم الأسباب التي دعت إلى انتشار الربا أمام صرخات رجال الدين النصارى التي أصبحت في واد بعيد: اليهودَ، الذين استولوا على عرش الاقتصاد العالمي، وسيطروا عليه، حتى حولوا العالم إلى عالم رِبوي يموج فيه طغيان الظلم طغيانًا شديدًا، وما خبرُ أسرة " آل روتشلد" عنا ببعيد، الذين تحكموا في الاقتصاد الأوربي في القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، وانتشر أبناء الأب في العالم كلِّه، حتى عم ظلمُهم العالم، فهم يأكلون أموال الناس من غير تَبِعَةِ انتاجٍ صناعي أو زراعي، أو استخراج لما استبطنته الأرض من المعادن، وصدق الله إذ قال فيهم: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) المائدة: ٤٢([2]).

الربا خراب الأرض ودمار اقتصادها.

        فما إنْ شاع الربا في العالم كلِّه-وهو طغيان شديد لرأس المال- حتى تولَّد من هذا الطغيان طغيانٌ آخرُ مثلُه في الظلم: وهو نظام الاشتراكية، الذين زعموا أنهم يحدّون من ظلم الربا، فأولُّ ما بدؤوا بسلب مال الأغنياء.

        ولا يزال العالم مثخن من الأزمات الاقتصادية آنًا بعد آن، حتى سقطت الاشتراكية، وأثقلتْ الرأسمالية دولَها بالديون والتضخم، فكسدت الأسواق، وضعفت القوة الشرائية، حتى جعلتْ هذه الأزماتِ كثيرًا من الاقتصاديين الغربيين يفكرون في إلغاء نظام الربا؛ لأنه اتضح قيامه على سلب المال من دون دورةٍ إنتاجيةٍ صناعية، وتنمية مستدامة للأرض، فنَقَصَ الإنتاج، وزادت البطالة، وانتشرت المعاملاتُ الوهميةُ غيرُ الحقيقية، وصدق الله إذ قال: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) البقرة: ٢٧٦.

الشتات العقلي، والاضطراب النفسي لدى المرابي.

وإن المُرابي الذي جعل أمواله عند الناس، ينتظر منهم ردَّ الفائدة: هو في نفسية مضطربة، وقلق دائم، فهو قد أودع ثرواته عند الناس، فأصبح يراقبهم، ويتتبعهم؛ لذا تجد بعض المرابين-أفرادًا أو مؤسسات- يذهبون إلى نوادي القمار، بجانب المقامرين، حتى يضعون في أيديهم سيولة مالية، فجمع المرابي -بنفسيته الجشعة المضطربة- بين: أكل الربا، والتشجيع على جريمة القمار والميسر، والتي هي أخبث خبائث هذا العصر.

وهذا يدل على نفسية المرابي القلقة، التي همُّها جمعُ أموال العالم ولو خالف بذلك قوانين الأرض والسماء، وصدق الله إذ قال: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) البقرة: ٢٧٥، وهذه حالةٌ يقوم عليها المرابي في الآخرة، أشبهت حالتَه في الدنيا من التخبط في أكل المال،  والتشتت النفسي، والاضطراب العقلي، الذي يَشُوبُه الخوف والقلق، مما يولد ضغطًا على القلب غيرَ مُحْتَمَل، فيُوَلِّد: ذبحةً صدرية، أو جلطةً دَموية، أو نزيفًا في المخ، ولذا قرر بعض الأطباء أن الربا هو سبب أكثر أمراض القلب([3]).

        

        فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك

 

 

الخطبة الثانية: الحمد لله...

تحريم الربا في الإسلام

        ومن أجل ذلك كلِّه جاء الإسلام بتحريم الربا، فقال تعالى: (ا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) آل عمران: ١٣٠.

وتأمل بيان قبح الربا في جعل المرابي يأكل أموال الناس أضعافًا مضاعفة، فالمدين المسكين عليه أن يدفع الضعف، ثم لربما يعجز عن السداد، ثم تتراكم عليه قاعدة الجاهلية: "إما أن تَقضي وإما أن تُربي"، فتكثر عليه الديون، فيبيع ممتلكاتِه مضطرًا بأبخس الأثمان، والدائن المرابي يقبض كلَّ ذلك بلا أدنى خسارة عليه، وصدق الله العظيم القائل: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة: ٢٧٥، وصَدَّق النبيُّ ذلك، فقال:" أَلَا وَإِنَّ رِبًا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ –أي مهدور- وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ" رواه مسلم.

 

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


(1) فتاوى ابن تيمية (19/308)

(1) انظر: بحوث في الربا، محمد أبو زهرة (8-9)         

(1) انظر: الإسلام والطب الحديث، لعبدالعزيز إسماعيل.  

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة