بسم الله الرحمن الرحيم
لا تنس قبل رمضان!
27 / 8 / 1442هـ
الحمد لله...أما بعد:
فإن تحليقَ القلوب فرحًا، وزُهُوَّ النفوسِ سرورًا ومرحًا، لا يكون كمِثْل انتظار موسم التجارة، وترقُّبِ وقتِ الأرباح واطِّراح الخسارة، "فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ"، والمؤمنون في طلائع حياتهم (يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ)، ومن أعظم تلك الأسواق الزمانية، والأندية الندية: شهرُ رمضان، فقد بدأت القلوب تَرِفُّ لمَقدمِه.
فبذلك فليفرحوا...
وإن من السنن التي يُقابل بها هذا الشهر، الفرحَ والأُنسَ والبِشْرَ، فزفوا البشرى، واملؤوا القلوب بالتهاني، فقد كان ﷺ يبشر أصحابه ويقول: "قد جاءَكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مباركٌ فرضَ اللهُ عَليكم صيامَهُ، تُفتَّحُ فيه أبوابُ الجنةِ، وتُغلَّقُ فيه أبوابُ النارِ، فيه ليلةٌ خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ" رواه أحمد .
كلٌّ يستقبل رمضان حسب فهمه.
في رمضان أعِدْ ترتيب نفسِك، لملم بقاياك المبعثرة، اقترب من نفسك الصادقة، واكتشف مواطن الخير في دواخلك، واهزم نفسَك الأمارة بالسوء.
فكلٌّ يستقبل رمضان حسب فهمه ومصالحه: فأناس يرون رمضان موائدَ عامرة، وأناس يرون رمضان لياليَ ساهرة، وآخرون يقضون رمضان في زيارات وحفلات دائرة، وفئةٌ-أَكرِمْ بها من فئة- ترى رمضان مواسمَ الطاعة والنفحات العابرة، فانظر نفسك مع أي فئة تكون؟
التبصر في الحكمة من فرضية صيام رمضان.
وينبغي لمن أزف الدخولَ في الشهر أن يَتَعقَّل من الله الحكمةَ من فَرَضيّة الصيام، فاستقبال رمضان لا يكون بطغيان الشهوات، ولا بتكدس الأسواق، ولا بكثرة الأطعمة والأطباق، ولا بتعليق الأعين بسفور المسلسلات، والتي تفسد ذائقة الإيمان، فإن من تخيل أن غاية رمضان هو أكلٌ وشربٌ ونسيان، فلا صلى ولا صام (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ١٨٣، لم يشرع الله الصيام لنقاسيَ آلام الجوع، ونعانيَ تصحر العطش، فالله غني عن هذا الصيام الأجوف، قال ﷺ: "من لم يَدَع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري.
الصيام جُنَّة.
ولنتذكر قوله ﷺ: "الصيام جُنَّة" متفق عليه، يعني الصيام ستر ووقاية عن النار، لأن من صام فقد صام عن المعاصي والآثام، "والصيام مدرسة تربوية تُعلِّم الحِلم والصبر والصدق، وتحث على مكارم الأخلاق، فالصائم قولُه ذِكر، وصمتُه فِكر".
في رمضان تعلم فقه المناسبات.
وفي رمضان لا بدّ من العناية بفقه المناسبات، ومن ذلك: دراسةُ أحكام رمضان، والحرصُ عليها وعلى تعلمها. (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) النساء: ١٢٥، والإحسان في الدين: الإخلاصُ، ومعرفةُ أحكام الصيام على منهج نبوي أصيل صحيح.
فاللهم بلغنا رمضان، واكف عنا شر الإنس والجان
الخطبة الثانية:
نبذ العداوات، وغلق مدن الأحقاد.
وإن من حسن استقبال هذا الشهر نبذَ الخصومة، ودفنَ الشحناء، وطمسَ العداوات، فإن القلوب المشحونة بالكره أبعدُ الأفئدة عن العفو والمعافاة، قال ﷺ: "تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس فيغفر فيها لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا".
في رمضان لنغلق مدن الأحقاد، ولنزرع المساحات البيضاء في حنانينا، ولنتخلص من المساحات السوداء في دواخلنا، فإن في الصدر سخائمَ، لكنْ في الأفئدة ترَقُّبُ الفرصِ السوانح؛ لطرد ما في القلب من غوائلَ وضغائن يقول ﷺ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ» رواه أحمد.
الإقبال بالتوبة، والانسلاخ من الذنوب.
عبدالله. جدِّد الثوب القشيب، واغسل القلب التليد، وبادر بفتح صفحة نقية ملؤها التوبة والإنابة، فإنه لا ينبغي لعبد أن يدخل عليه رمضان إلا وهو معترف بذنبه، معظِّمٌ لربه، مُظهرٌ لحاجته وذُلِّه، وإذا لم تتحرك النفوس في هذا الموسم للتوبة والندم فمتى تتحرك!! قال ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ» رواه الترمذي. فما أفسدّتُه شهورُ العامِ في أرواحنا المُثقَلة، تصلحه أيامُ رمضان بإذن الله.
أحسن الظن بالله قبل الشهر.
وإن من أعظم ما يُستقبل به هذا الشهر أن تظن بالله الظن الحسن، وأن ترجوه أن يجعلك فيه من المقبولين، أن يجعلك مُكرمًا لا مُهانًا، مرحومًا لا مُعذبًا، ومُعزَّا لا مُذّلًا، املأ قلبك بالطمع برحمة الله، قال ﷺ: "قال الله تعالى: "أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي". ولا تسمع لهمسات الشياطين المُخذِّلة عن رحمة الله، والمُقنِّطة عن عفو الرحيم الرحمن، وخذ بقوله: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الزمر
الدعاء لإخوانك المستضعفين.
ختامًا...وأنت تبتهل إلى الله في رمضان، فلا تنس إخوانًا لك عصرهم الجوع، وآلامهم الحصار، وشردهم الباغي، افترشوا الأرض، والتحفوا السماء، وفقدوا الأحباب والأقارب، فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، اللهم وفق ولي أمرنا لكل ما تحبه وترضاه، اللهم واجعله ذخرًا للإسلام والمسلمين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد