مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:35:46

تكوين الصانع في أضعف مخلوق

بسم الله الرحمن الرحيم

تكوين الصانع في أضعف مخلوق.

6 / 2 / 1444هـ

إن الحمد لله...

        إن الله-جلَّ وعلا- إذا خلق خلقًا فرآه الناس كبيرًا أو صغيرًا، ظنه البشرُ عظيمًا أو حقيرًا، هو في حقيقة الأمر لم يُخْلَق إلا لحكمة، اللهُ يعلمها، ولم يُقَدَّر إلا لغايات وحقائق، الخالقُ يَخبُرُها، (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)

وإن بدت بعضُ هذه المخلوقات تافهةً في عيون البشر، مُهانةً في عقل الإنسان، ولكنها في كبد الحقيقة ليست كذلك، وما ذلك إلا لجهل الإنسان وغطرسته، لأن كثيرًا من تلك المخلوقات كان لوجودها من العلل والحكم ما يصل بالعقول إلى التوازن المعرفي، وما يصل بالكون والبسيطة إلى التعادل البيئي، (وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) الأعراف: ١٨٧

غاية واحدة من غايات إيجاد الحشرات الضارة.

فلذا قد يتساءل الإنسان عن الغاية من وجود الحشرات الضارة على سبيل المثال، ولو تأمل الإنسان أدنى تأمل لوجد أن دورًا من أدوارها فقط: هو في تطهير الأرض وتعقيمها! نعم. الحشرات الضارة لها دورٌ في تطهيرِ الأرض وتعقيمِها من الجثث الميتة، والحيواناتِ النافقة، مما يساهم في إيجاد توازن الطبيعة كما يريده الله ويشاؤه، بينما تجد بعض الشركات الكبرى العاملة في: المزارع، والموانئ، تجلب أجهزة بملايين الأموال للتخلص مما نفق من المواشي وتلف من الغِلال، وإلا فبالله عليكم! هذه الحيوانات المليونية على هذه الأرض الواسعة، أين تذهب روائِحُها الممتنة، وأين تزول جُثَثُها المتآكلة، وكيف تختفي آثارُها، مع كثرة النوافق عبر آلاف السنين (ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) الأنعام: ٩٦ .

الحشرات والسياق القرآني.

إن عدم التأمل في الحكم البالغة من الخلق والإيجاد هي علامة من علامات الضعف البشري، وقصورِ العقولِ عن إدراك غايات الخالق الحكيم، ويَظْهَر هذا الضعف في عقول البشر قديمًا، فلما كان النبي في العهد المكي، يحاور المشركين، ويجادلهم في قضايا الإيمان والتوحيد، كان مما أَنْزَل الله عليه: ضربُ الأمثال بالعنكبوت والذباب، فقالت العقول القاصرة آنذاك: ما هذه الأمثال؟ وضحكوا، وقالوا: "الله أَجَلُّ من ذكر هذه الأمثال"([1])، فأنزل الله منبهًا الغافلين من أهل تلك العقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) البقرة: ٢٦

انتباه السلف لمثل هذه الأمثال.

أي والله. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) البقرة: ٢٦ ، إنه مجرد التسليم والانقياد، ثم البحث عن مدلولات هذه الأمثال، لأن الله حثَّ الخلق على النظر والتأمل في أمثاله المضروبة، قال بعض السلف: "إذا سمعتُ المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي، لأن الله يقول: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) العنكبوت: ٤٣"([2])، قال عمرو بن العاص، رضي الله عنه: "عقلت عن رسول الله ألف مثل"([3]).

وسبب اهتمام سلفنا الصالح بهذه الأمثال، أن الأمثال التي يضربها الله في القرآن، إنما هي للأمور الكبار، والمطالب العالية، والمسائل الجليلة، فأهل العلم يعرفون أنها أهمُّ من غيرها، لاعتناء الله بها، وحثِّه عبادَه على تَعقُّلها وتدبرها، وأما من لم يعقلها، فإن ذلك دليلٌ على تأخره في العلم، وعدمُ معرفته للمسائل المهمة، ولهذا، أكثرُ ما يضرب الله ُالأمثال في أصول الدين([4]) من التوحيد والإيمان، ونبذ الشرك والخرافة (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) العنكبوت: ٤١.

فاللهم زدنا يقينًا بشرعك، وإيمانًا بكتابك، وفقهًا في خلقك، وتدبرًا لآياتك ،وتعقلاً لبراهينك ودلائلك في أرضك وسماواتك.

الخطبة الثانية

 الحمد لله...

إقامة التحدي على توحيد الله بذبابة.

        مَثَلٌ ذكره الله في القرآن، من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الأموات القدرة على أعظم خصائص الإلهية في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات، فقال تعالى مبطلاً على أهل الشرك شركَهم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) الحج: ٧٣، فمن عُبد من دون الله لن يستطيع خلق ذبابة، ولو اجتمع كلُّ من عليها.

ولا أدل على عجز من عُبِدَ من دون الله، أن هذا (الذباب) الأقل الأذل العاجز الضعيف لو اختطف منهم شيئًا واستلبه، فاجتمعوا على أن يستنقذوه منه لعجزوا عن ذلك، ولم يقدروا عليه، لأن العابد ضعيف والمعبود من دون الله ضعيف، (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)، فمن جعل هذه الآلهة الضعيفة-من أصنام أو أموات- كالله في قدرته وخلقه ، فما عقلوا عن الله أمثالَه، ولا فهموا عن الرحمن كلامَه، (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) الزمر: ٦٧.

تكوين صانع عظيم يتجلى في حشرة.

كما أن ضربَ المثلِ بالذباب فيه إلفات النظر، وتحفيز العقل للتأمل في هذا المخلوق، فالذباب من الحشرات الطيارة الشَّرِهَة، التي تتغذى بالقمامات، وهو مزعج للإنسان، بحيث يعجز عن مقاومته، لأن طيرانه المنزلي في غاية التعقيد، على الرغم من سرعتها الفائقة إلا أنها تهبط في منتهى الدقة، وتسلب الطعام في منتهى السرعة، وفي قوله تعالى: (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ)، احتمالية الإشارة إلى الدراسات العلمية الحديثة التي كشفت قوةَ الذباب الخارقة في هضم الطعام قبل أن يدخل إلى بطنه، وذلك أنه من حين أن يسلب الذبابُ طعامًا فإنه يذيبه بين يديه بلعابه وعصارة بطنه، فيدخله في بطنه مِن قطعةِ طعامٍ إلى مكونٍ آخر، ومن هنا فإن الإنسان حتى ولو أمسك بالذبابة اللص، إلا أنه يبقى عاجزًا عن استخلاص ما سلبته منه (ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)، وقع الذباب على أبي جعفر المنصور، فذبَّه عنه، فعاد فذبَّه حتى أضجره، فدخل جعفر بن محمد عليه، فقال له المنصور: يا أبا عبد الله لم خلق الله الذباب؟ قال: ليُذِلَّ به الجبابرة. حلية الأولياء (3/198)

             عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]تفسير القرطبي ( 1/241-242 ).

([2]تفسير ابن كثير (1/208).

([3]المرجع السابق (6/276).

([4]انظر: تفسير السعدي ( ص:631 ).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة