بسم الله الرحمن الرحيم
"تعظيم الصلاة في تاريخ الأنبياء والأمم"
فيه ملحق بشأن الخطبة عن (نشر الوعي في بداية العام الدراسي وأهمية التعليم عن بعد)
الحمد لله...
إنها قربانٌ لكل تقي، وملاذٌ لكل نبي، ونورٌ لكل مؤمن خَشِيّ، هي خير موضوع، وأَوْلى مُسْتَكْثَر، وأولُ مسؤول، أفضلُ ما وضعه الله في شرعه، وأجلُّ ما فرضه الله في سماواته، هي عماد الدين، ودليلُ صحة الإسلام المتين، إنها الصلاة...
فبالصلاة تُحَقَّق العبودية، ويؤدَّى حقُّ الربوبية، وجميع العبادات وسائلُ تحقيقِ سِرِّها.
الصلاة خِدمةُ الله في الأرض([1]) وَمن أحب مَلِكًا لَازم خدمته، والصلاة ميزان الإيمان، فمن وفّى فقد استوفى.
الصلاة أعظم الأسلحة على الشيطان، وَأعظمُ المصائب التي تُساق إليه، فلذا كان الشيطان أحرصَ على أن يترك العبدُ الصلاة؛ لأن من تركها فقد كفر، ومن ثابر عليها فقد ظفر، قال ﷺ:"بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة"([2]).
أول فريضة بعد الإخلاص.
والصلاة أعظم فرائض الإسلام، فرضها الله عليكم وعلى الأمم من قبلكم، فهي أول فريضة بعد الإخلاص قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) البينة: ٥.
الصلاة عصمةٌ للدم والعرض والمال.
وإن من عظيم قدر الصلاة أنها عاصمة للدم، حاقنة للعرض، فمن كان من أهل الصلاة فَمُسْلِم، قال تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) التوبة: ١١ ، أي: فإن لم يقيموا الصلاة فليسوا بإخوان لنا، وقال رسول الله ﷺ:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم" متفق عليه، استدل أبو بكر بهذا الحديث على حرب العرب المرتدين، وجعل مناط الإسلام مُعَلّقًا بهذه الفرائض العظيمة.
الصلاة في تاريخ الأمم، ووقائع الأيام([3]).
"ومما يدل على تعظيم قدر الصلاة ومباينتِها لسائر الأعمال إيجابُها على الأنبياء والرسل"([4]).
إبراهيم يترك أهله بوادي القفر ولا يذكر إلا الصلاة:
لما ذهب إبراهيم بإسماعيل فأسكنه بواد ليس به أنيس دعا ربه فقال: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ) إبراهيم: ٣٧ ولم يذكر عملاً غير الصلاة، فدل ذلك أنه لا عمل أفضل من الصلاة.
استجابة دعوة إبراهيم في أبنائه (رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ):
فخرج من ذرية إبراهيم إسماعيل، والذي أخذ الصلاة بقوة، وكان يأمر أهله بها، كما قال الله: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ) مريم: 54-55، ومن ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب من قال الله عنهم: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ) الأنبياء: ٧٣، فَسُنُّوا في أولادكم سُنّة أولئك وقولوا كما قال لقمانُ الحكيم: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ) لقمان: ١٧.
فَرْضُها على موسى في الوادي المقدس:
ومن ذلك أن الله قرّب موسى نجيًّا، وكلمه تكليمًا، فكان أولُ ما افترض عليه بعد افتراضِه عليه عبادَته: إقامَ الصلاة، ولم يَنُصَّ له فريضةً غيرَها، فقال الله مخاطبًا لموسى بكلماته ليس بينه وبينه ترجمان: (فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) طه: ١٤.
إلهام السحرة السجود، والذي هو أعظم الصلاة:
وتأمل فعل السحرة لما تابوا، وكيف أنهم لم يُلهموا طاعة يَرجِعون بها إلى الله، ويُظهِرون التوبةَ إليه إلا بالسجود وهو أعظم الصلاة. (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) الشعراء: ٤٦ - ٤
الصلاة مفزعٌ لداود وتوبتِه:
وإن الصلاة مفزعٌ للتائبين، فهذا داود لما أصاب الخطيئة وأراد التوبة لم يجد لتوبته مفزعًا إلا إلى الصلاة، فقال الله عنه: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) ص: ٢٤، فتأمل يا عبدالله حالةَ الأنبياء، وما هم عليه من البشرية التي توجب النسيان، لكنّ المتعبدين يُتْبِعون ذلك بالعبوديّة، كيف وقد قال النبي ﷺ عن داود :"إن أخي داود كان أعبد البشر"([5]).
وقد أجمع أهل العلم على مشروعية صلاة التوبة، قال ﷺ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) آل عمران: ١٣٥([6]).
الصلاة محل البشرى وقرة العين لدى زكريا:
ولما هبَّ زكريا يدعو ربه بالولد، إنما جاءته البشرى وهو ملازم للصلاة، بل قائمٌ في المحراب يُقلّب نفسه بين الركوع والسجود: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) آل عمران: ٣٩، قال ثابت: "وكان الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة"([7]).
تَكَلُّم عسي بالصلاة في المهد:
ولما أنطق الله عيسى في المهد، معجزةً خالدةً تالدةً، أنطقه تلك الكلمات اليسيرات، (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ) مريم: ٣١، فدل على أن الصلاة من أعظم وصايا الأنبياء، ومن أقرب القرب لرب السماء، وأن الوصية بها حتم حتى مع ضيق تعداد الكلمات، وقِلّة وقت المواعظ.
الصلاة في الرخاء تنجي من ظلمات الشدة كما يونس:
ولما التقم الحوت يونس قال الله عنه: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) الصافات: ١٤٣، قال ابن عباس :"فلولا أنه كان من المصلين"([8])، وقال قتادة: "كان يونس كثير الصلاة في الرخاء فنجا" ثم قال الله: (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، قال قتادة: "لصارت له قبرًا إلى يوم القيامة"([9]).
شعيب وتعظيمه لأمر الصلاة:
وكان شعيب معظمًا للصلاة، مظهرًا ذلك أمام قومه، حتى قالوا مستنكرين: (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ) هود: ٨٧، إيْ وربي. إن الصلاة لتنهى عن الشرك وعن كل خطيئة (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) العنكبوت: ٤٥.
فاللهم اجعلنا مقيمي الصلاة...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
الصلاة جنة الحياة، وسلامة القاصدين:
سُئِل المجرمون وهم في (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) المدثر: ٤٢ - ٤٣ فلم يذكروا شيئًا من الأعمال عُذِّبوا عليها قبل تركهم الصلاة.
فالله الله يا عبد الله، خذ بوصية الله (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) طه: ١٣٢ ، فإن الصلاة أنس المتعبدين، قال حذيفة: "إن أحب حال يجد اللهُ عبدَه عليها أن يجدَه مُعفّرًا وجهَه لله عز وجل"، وقال الحسن:" يا ابن آدم أي شيء يعز عليك من دينك إذا هانت عليك صلاتك"([10]).
فاللهم عظم قدر الصلاة في قلوبنا...
(يُذَكَّر الناس باختصار صيام يوم عاشوراء وهو يوم السبت بعد هذا اليوم الجمعة)
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
نشر الوعي في بداية العام الدراسي وأهمية التعليم عن بعد([11]):
فضل العلم والتعلم: ثم اعلموا يا عباد الله أن طالب العلم عزيزُ الجناب، مرفوعٌ لدى الكريم الوهاب (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، فطلاب العلم مرفوعون في ثواب الآخرة، وموفورون في كرامة الدنيا.
مناهجنا الدراسية تزخر بالعلوم والفنون: ولا شك أن طلب العلم الشرعي قد بُنيت قواعدُه في مدارس بلادنا، فدّرسوا التوحيد وأصولَه، والفقه وفروعَه، واللغةَ العربية وفنونَها، وأضافوا لذلك علومًا دنيوية، تطبيقية وتجريبية، تساهم في رفع الحضارة، وبناء القيم، وتأهيل مجتمع راق متطور مزهر بالكرامة.
توصية الآباء والأبناء بالمتابعة والإخلاص: فازرعوا في نفوس أبنائكم أنهم طلابُ علم، يرومون المجد والعلياء، قد دخلوا في قول الرسول ﷺ:"منْ سَلَكَ طَريقًا يَبْتَغِي فِيهِ علْمًا سهَّل اللَّه لَه طَريقًا إِلَى الجنةِ" رواه أبوداود والترمذي، ولنعلم أننا في مرحلة حرجة اختلف فيها التعليم، وأصبحنا كآباء ملزومين بالمتابعة والتوجيه أكثر من أي وقت مضى.
(1) عن ثابت، في الدر المنثور(2/21) وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم.
(1) رواه مسلم.
(1) انظر في ذلك: تعظيم قدر الصلاة، للمروزي (ص:96)، وما بعدها.
(2) المرجع السابق (ص:96)، بتصرف يسير.
(1) رواه البزار، وقال الهيثمي :"إسناده حسن"، وله شواهد في الصحيحين.
(2) رواه أبو داود، وصححه ابن باز.
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (4/518).
(2) أخرجه الطبري في التفسير (23/100).
(1) المرجع السابق (23/101).
(1) أخرج الاثرين البيهقي في شعب الإيمان (4/514)..
(2) ملحق للتعميم الصادر يوم الخميس8/1/1442 من فرع الوزارة بشأن الخطبة عن (نشر الوعي في بداية العام الدراسي وأهمية التعليم عن بعد)