بسم الله الرحمن الرحيم
الشجاعة
8 / 10 / 1442هـ
إن الحمد لله...
وسط بين الجبن والتَّهوُّر، هو إقدامٌ وحكمةٌ وصبرٌ، هو خلقٌ نفسيٌّ، يقوم على القوة في النزال، والعزيمة عند البأس، خلق يدفع إلى الإقدام لتحصيل خيرٍ أو دفع شرٍ، إنها الشجاعة، والإقدام والمناعة.
وضده الجبن، ولو لم يكن من الجبن إلا أنه سبب الهلاك لكفى به مقتًا، وقد قالت العرب قديمًا: "الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة"([1]) .
والجبان: هو الذي تتغلب مخاوفه على نفسه، أما الشجاع: فهو الذي يتغلب على المخاوف مع حكمة بعيدة عن التهور، وصبر ممتد إلى تحقيق الأماني. فالفرق بين الشَّجاعة والجبن: أن الشجاعة إقدامٌ والجبن إحجامٌ، ومثله الكرم والبخل: فالكرم إقدامٌ والبخل إحجامٌ، وهكذا غالب الأخلاق الحسنة فإنها تدور على التقدم، وغالب الأخلاق السيئة فإنها تقوم على التأخر.
إن الشجاعة ثبات في المواقف، وعدم هروب وانتكاسة، ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا ) الأنفال: ٤٥، فالثبات رجحان العقل، وقوة القلب، فإذا سُرْبِل الثبات بالإيمان انتقل إلى بذل الغالي، ورمي النفيس، لأن غاية الشجاع المؤمن أن يحط رحله في جنة الفردوس، حيث ينبغي للمؤمن أن يحط الرحال.
الشجاعة من أسباب الإصلاح والعزة.
ولأجل هذا المطلب، وتلكم الغاية حطم المؤمن حاجز الخوف، فأصبح لا يعرف في قلبه إلا قولَه تبارك وتعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران: ١٣٩ ، فقوة قلب المؤمن لا ترمي به في أتون الذلة، ولا تجعل في قلبه خوفًا من أهل الكفر الشرك، ولا تجعل في فؤاده توانيًا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإخوانه المقصرين من المسلمين، بل لا تهزه أقلام المنافقين، ولا سطور المندسين، فهو لا يرى منهم شوكة على نفسه، لأنه مؤمن أن الله قال في كتابه: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) المنافقون: ٨
الإيمان بالله من أعظم مسببات الشجاعة.
وإن الناظر في نصوص الإسلام ليجدها حاثة على هذا الخلق، دالة عليه بأكثر من أسلوب، وأجمل من نظم، تأمل قول الله تعالى: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: ٢٤٩.
والوقوف مع براعة نظم الآية يدلك على أن الإيمان بالله هو أعظم ما يثير النفس على الشجاعة، ويغريها على الإقدام، ويرخصها في سبيل الله، وأنه متى ما غاب هذا الإيمان صار القتال على حزبية مقيتة، أو على دنيا مؤثرة، ومن كان هذا حاله فليَبشِر بالجبن والخور، والانقلاب والإحجام، والخوف والهلع.
ومفتاح الشجاعة الصبر، ومركاز النفس الثبات، ومن كان كذلك فهو محبوب إلى الله، ولذا ختمت الآية ببيان معية الله للصابرين (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)، ومن كان الله معه فممن يخاف، ومن خاف من غير الله فقد خوفه كلُّ شيء.
فالله جعل الشجَاعَة خلقًا عصوفًا، خصَّ به من شاء من عباده، وجعل الشجاعة من أسباب محبة الله لعباده، كيف لا؟ والشجاعة حلية أهلِ الإيمان، والمقت والبغض لكل محجم جبان.
أصل الشجاعة الإيمان بالقضاء والقدر.
إن الثبات أصل من أصول الشجعان، ومن أعظم الثبات في الشجاعة: الثبات أمام القضاء والقدر، وما يكون على الإنسان من المحن والإحن، فإن أعظم ما يُقِر الشجاعة في القلب الرسوخُ في قضية ما قضاه الله وقدره، ولا يعني هذا عدم الحزن والبكاء، فإن ذلك من جبلة البشر، بل إنه ﷺ كان أشجع الناس ومع ذلك قال: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن"([2]).
الشجاعة حسن ظن بالله.
ومن أراد أن يعلم ما تفوقت به الشجاعة على سائر الأخلاق فليعلم أن الشجاع هو من أحس الناس ظنًا بالله، فظنه الحسن بالله سبب قوته، وسر شكيمته وبسالته، ألم تسمع للنبي ﷺ حين حاوطه المشركون، وألجؤوه إلى الغار (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) التوبة: ٤٠، فماذا كانت العاقبة، وعلى أي شيء خلا الموقف، قال تعالى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ) التوبة: ٤٠، إن السكينة هي شجاعة القلب، وهي مكمن طاقته، وخزان قوته، فإذا غابت السكينة حلَّ مكانها الخوف والقلق، ثم نتج عنه الهلع والجبن والخور وعدم الثبات.
فأهل الجبن هم أسوأ الناس ظنًا بالله، قلوبهم منكرة، ونفوسهم متشائمة، ولذا ورثها الله الذل والمهانة، بسبب سوء ظنهم بالله، فإذا ما جاءت محاضن العطاء، ضنوا بأموالهم خشية الفقر، وظنوا بنفوسهم خشية الموت، وقد قال الله للجبناء (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ) الأحزاب: ١٦.
اليهود أجبن خلق الله نفسًا ومالاً.
ولذا كان من صميم صفات اليهود، ومَنْ صَدَّقهم من المشركين: بخلُهم الشديد بأموالهم وأرواحهم وقد أثبت الله ذلك فقال: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ) البقرة: ٩٦، وما ذلك إلا بسبب سوء ظنهم بالله، فأعقبهم الله بقلق القلب، ورعاش الخوف، يسري في نفوسهم حتى كرهوا الموت كراهة من أراد الدوام في الدنيا لعدم إيمانه بالآخرة.
فاللهم ألبسنا لباس الإيمان، واكسنا حلة الشجعان، واجعلنا ممن آمن بك ربًا، وأحسن الظن بتقديرك وقضائك، فعظُم من ذلك صبرُه واحتسابه
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
من أسس التربية الصالحة أن يُنَشَّأ الفتيان على الإقدام والشجاعة، على وفق ما يناسب عقولَهم، وقدراتِهم، ومن أسعف ما يكون في بناء ذلك فيهم ذكر مآثر الشجعان، وقصص وأخبار الأبطال، وأعظمهم نبينا محمد ﷺ، بوب البخاري: باب الشجاعة في الحرب والجبن وقال: عن أنس: «كان ﷺ أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي ﷺ سبقهم على فرس»، وقال: «وجدناه بحرًا» ، فقد سمع أهل المدينة صوتًا أفزعهم، فخرج شجعان الناس يرون ما هذا الصوت، فوجدوا النبي ﷺ قد أقبل من جهة الصوت، أي أنه: سبق الناس إلى الصوت ثم رجع، ولا زال الناس يتأهبون للخروج، فقال: "لم تراعوا لم تراعوا"، قال أنس: "وهو ﷺ على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ، ليس عليه سَرْج وفي عنقه السيف".
احكوا لفتيانكم شجاعته ﷺ يوم جابه العالم كله بدعوة الرسالة، يوم كانت الجزيرة تعظم أصنامها، وتراها مقام الربِّ الذي لا يطعن في قدسيتها وعظمتها، وكيف كان ﷺ وحيدًا لم يخف إلا من ربه، حتى أعزه الله بالفتوح.
ذكروا صبيانكم يوم قال من لقبه النبي ﷺ بسيف الله المسلول خالد بن الوليد:" حضرت كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف وها أنا ذا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء".
وكانوا يفتخرون بالموت على غير فراش ولما بلغ عبدَ الله بنَ الزبير قتلُ أخيه مصعب قال: "إن يُقتل فقد قُتل أخوه وأبوه وعمه إنا والله لا نموت حتف أَنْفِنا ولكن حتفُنا بالرماح وتحت ظلال السيوف"
ذكروا فتيانكم برباطة جنودنا البواسل في الذود عن دينهم، ووطنهم، وحربهم الضروس على أذناب الشرك والطغيان، وكيف أنهم لبوا نداء الجهاد الحقيقي الذي لا شائبة فيه ولا نكول.
ليس الشديد بالسرعة.
قال ﷺ :"ليْسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ؛ إِنَّمَا الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ" متفق عليه.
إن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، وكلما غلب الإنسان نفسه كلما كملت شجاعته، وإن من أعظم علامات ضبط النفس والحلم طردها عن مواطن الغضب الممقوت
فاللهم أعز جنودك، وانصر من نصر دينك، وارزقنا الشهادة في سبيلك، وأعذنا من الجبن والبخل، ومن منكرات الأهواء والأدواء والأقوال والأفعال.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) الفروسية، لابن القيم (ص:491)
([2]) رواه البخاري