بسم الله الرحمن الرحيم
مصباح بين الظلام
26 / 7 / 1444هـ
الحمد لله الذي حفظ دينه، ونصر سنته، وأتم نوره، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نصر الله به الملة، وقمع به أهل الزيغ والعناد والذلة، فأبدل به الشركَ توحيدًا، والأمنَ خوفًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
شعارات وهمية.
الحرية، والديمقراطية، كلماتٌ بُليتْ بها كثير من بلادِ الشرق والغرب، وما هي إلا شعارات جوفاء لا حقيقة لها، فأهل الأموال هم من يُسيِّرون الحريات، ومن اعتلى السلطة هو من يحرر أفكاره ومفاهيمه على الناس والشعوب، والناس أسرى لما يُملى عليهم!.
وكان حريٌّ بكل دولة ونظام أن تركن حيث ركن رسولُ الإسلام ﷺ (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) المائدة: ٥٠، إنه أعظم دستور، وأحكم قانون، به يبقى الأمان، وعليه يسعد الإنسان، تشريع سماوي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت: ٤٢.
الدولة والدعوة.
وقبل ثلاثة قرون، وبين ظلام دامسٍ كان يلف المجتمعات، واستعمارٍ جارفٍ يقهر البلدان والبَرِيَّات، أشرق نورٌ عمَّ الناسَ بضيائه، ومصباحٌ أعاد بارقة الأمل للنفوس المؤمنة، ذلكم النور هو الذي جاء بقيام دولة قامت على نبذ الخُرافة، ولمِّ الشتات والضياع، ونشر الأمن والطمأنينة، بقي ذلكم النور براقًا لعشرات السنين المتطاولة، إنها الدولة المباركة التي لم تكتب دستورها بعقولها، ولم تنحن إلى الأفكار المستوردة المزعومة، إنها الدولة الدعوة التي بزغ فجرُها على يد الإمامين محمدِ بنِ سعود، ومحمدِ بنِ عبدالوهاب، ارتضوا بالقرآن والسنة شرعاً، وقانونًا، ومنهجًا.
مصباح بين الظلام.
كانت جزيرة العرب مكانًا للصراعات، ومحلاً للجهالة وقلة العلم، وانتشارًا للبدع والخرافات، بين ذُلٍّ وانحطاط، حتى عُبدت الأحجار والأشجار والنيران، وانغمسوا في أحوال الوثنية، يقول الشيخ عثمان بن بشر- رحمه الله - في وصف حالة نجد قبل دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب: "وكان الشرك إذ ذاك قد فشا في نجد وغيرِها، وكثر الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها، والاستعاذة بالجن والذبح لهم ووضع الطعام، وجعلِه لهم في زوايا البيوت لشفاء مرضاهم...وغيرِ ذلك من الشرك الأكبر والأصغر"([1]).
أخبار مظاهر الشرك، وانعدام الأمن.
- وكان النساء والرجال يأتون النخل المعروف بـ (الفحَّال) يتبركون به ويعتقدون فيه، فكانت تأتيه المرأة إذا تأخرت عن الزواج فتضمه بيديها ترجو أن يفرج كربَها وتقول: يا فحل الفحول هَبْ لي زوجًا قبل الحول.
- وكان هنالك غارٌ يُدعى بغار بنت الأمير الذي يزعمون أن الله فلقه لها لتعتصم به من أحد الفسقة الذي أراد هتك عرضها، فكان الناس يرسلون إلى ذلك الغار اللحم والخبز ويبعثون بصنوف الهدايا([2]).
- وكان هنالك ولي عند العامة اسمه "تاج"، وكان رجلاً أعمى، فزعموا أنه يأتي من الخرج إلى الدرعية بدون قائد، فافتتن به الناس وسلكوا فيه سبيل الطواغيت فصرفوا إليه النذور، وتوجهوا إليه بالدعاء وكانوا يأتونه لقضاء شؤونهم أفواجًا ([3]).
-أما الأمن فقد انتابت الجزيرةَ العربيةَ حالاتٌ من الفوضى والفزع، وانعدامِ الأمن والأمان، حتى إنه تعارف بينهم أن من ذهب إلى الحج فهو مفقود، ومن عاد منه فهو مولود، حتى إن حجاج جهة العراق كانوا يفضلون السفر بحرًا، لانعدام الأمن في الجزيرة العربية([4]).
فلما تمت البيعة المباركة بين الإمامين محمدِ بنِ سعود، ومحمدِ بنِ عبدِالوهاب، تغيرت ملامح الجزيرة العربية، فقد أحسن حاكمُ الدرعية الإمامُ محمدُ بنُ سعود استقبالَ الإمامِ المجدد، ووعده بأن يمنعه مما يمنع منه نساءَه وأولادَه، وقال له: "أبشر ببلاد خير من بلادك وبالعزة والمنعة، فرد عليه الشيخ قائلا: وأنا أبشرك بالعز والتمكين والنصر المبين" ([5]).
فعم الرخاء، ووُجِدَ الأمان، وتوحدت البلاد، ونُشِر التوحيد: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: ٥٥
فاللهم لك الحمد على نعمك، ونسألك شكر آلائك، والاعتراف بنعمائك، وأن تسبغ علينا الخير صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشنا كدًّا كدًّا.
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية: الحمد لله...
خيرات وبركات.
منذ أن قامت الدولة السعودية وهي ترفل بنعمة الإيمان، وسلامة الأوطان:
-فأبناؤكم في المدارس والجامعات يدرسون الدين نقيًا خالصًا من شوائب الشرك والوثنية، والخرافة والقبورية، على منهج السلف الصالح المعتدل.
-يسافر المواطن والمقيم بين أرجائها شمالاً وجنوبًا وغربًا وشرقًا لا يخاف إلا الله، في مأمن على نفسه وماله وعرضه.
-يَصِلُ إلى الحرمين الشريفين فيرى تشييدًا عظيمًا، وعِمارة مُبهرة، في ظل الدولة الزاخرة مُنذ أُنشئت، وهي من تطوير إلى تطوير، وتوسعة إلى توسعة.
شكر النعم، ونبذ الفرقة.
فكان الواجب المُلِحّ على كل من وَطِئ أرضها أن يحمد الله على الازدهار والرخاء، وأن يذكر نعمة الائتلاف والإخاء، وأن يلزم الجماعة، ويَحْذَرَ الفُرقة والعصيان ومخالفة الطاعة: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران: ١٠٣
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأيد بالحق إمامنا ووليّ أمرنا، وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة برحمتك يا ارحم الراحمين، اللهم كُن للمظلومين والمُضطَهدين والمنكوبين، اللهم أنجِ المُستضعَفين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) عنوان المجد في تاريخ نجد، للشيخ عثمان بن بشر (1/6) بتصرف يسيير.
([2]) دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها في العالم الإسلامي (1/33).
([3]) انظر: تاريخ نجد، للشيخ حسين بن غنام(ص:11).
([4]) انظر: مقالة عن دارة الملك عبدالعزيز بعنوان: الحج قبل العهد السعودي.
([5]) حركة التجديد والإصلاح في نجد (ص:40).