مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:13:13

ماذا استفاد العالم من الحروب الظالمة

بسم الله الرحمن الرحيم

ماذا استفاد العالم من الحروب الباغية؟

22 / 5 / 1444هـ

        الحمد لله أقام العدل ووضع الميزان، تمت كلماتُه عدلاً في الأحكام وصدقًا في أخبار الزمان، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وفي أسمائه وصفاته الحسان، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه ختم الله به الأديان، واصطفاه على بني الإنسان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى أثرهم، واتبع سيرتهم وسلك طريق الفوز والجنان، أما بعد:    

ثقافة الحرب الوحشية قبل الإسلام.

كانت الحروبُ ثقافةَ الإنسان عبرَ الدهور والعصور، وكانت هذه الحروب قديمةً منذ تاريخ البشرية وقبل بزوغ عدل الإسلام.

وكانت حروب الجاهلية دمويةً وحشيةً، حتى كادت أن تكون أيامُ حروبِ العرب هي الأصل، وأيامُ السِّلم هي النادرُ الطارئ، وكانوا يُسَمُّون وقائع الحروب بـ "الأيام"([1])؛ لكثرتها وطولها وامتدادها، حتى أَفْنَتهُم عن بكرة أبيهم، فقلَّلت أعدادَهم، ونشرت الفوضى بينهم، وكان من نتائج هذه الحروب الطاحنة أن بعضهم خاف مِنْ أنْ يُهْتَك عِرضُه ويُفضَحَ سترُه فلجأ لقتل ابنته، ووأدِها في التراب، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) النحل.

 وكان باعثُ الحروبِ وقتها: العداواتُ والإحنُ، والعصبيةُ القبلية، والتمددُ والتوسعُ الذي تقوده أطماعٌ دنيويةٌ بحتة، فحياتهم من الدم إلى الدم، ومن الهدم إلى الهدم، وكان الثأثرُ كتابَهم المُقدَّس، والحربُ دوائَهم الشافي، فإذا ما قامت الحرب زُلزِلَت الأرض، حتى قال الشاعر الجاهلي:

وما الحرب إلا ما علمتُم وذقتُمُ

                               وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمِ

ولم تكن هذه الحروب الشنيعة قائمةً على العدل، بل الظلم أساسُها ومبدؤها، حتى قال الشاعر الجاهلي:

ومن لم يَذُدْ عن حوضِهِ بسلاحِهِ

                               يُهدَّم، ومن لا يَظلِم الناسَ يُظلَمِ

 بل هي حروب عشواءٌ دهماء، سيفها مسلول على الأخضر واليابس، على الظالم والمظلوم، لا تفرق بين الدم المعصوم والدم المستباح.

أثر الإسلام في تهذيب الحروب الظالمة.

        ولما جاء الإسلام نبذ العادات الجاهلية العاتية، وانتقد السلم العالمي في الحروب الغاشمة، فأزال ما في الثقافات الحربية من السَّفَه والجهل، والطغيانِ والسَرَفِ في القتل، حتى إنه لمَّا شُرعَ القتال أوَّلَ ما شُرِع لم يُشرَع ذلك بلفظة (وَجَبَ) أو (كَتَبَ) ([2])، إنما اختار صيغة (أَذِنَ)، فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) الحج، فقال تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ)   للإشعار بأن الحروب كانت موجودة بِقِدَم وجودِ التاريخ، وأنه أَذِن للمؤمنين بدخولها.

        ولِمَ يدخلون الحرب يا الله؟

قال تعالى: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)، لأنهم عانُوا الأَمَرَّيْن، وجارَ عليهم القريب والبعيد.

ومَنْ هم هؤلاء المؤمنون الذين أَذِنْتَ لهم بالقتال أول الأمر يا الله؟  قال تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، نزلت هذه الآية آذِنَةً بالقتال وهي أولُ آية نزلت بعد أذىً طال المسلمين شرُّه، وقهرٍ وصل المؤمنين شرَرُه، في أيام طويلة كان النبي يحاور ويجادل ويناقش، ويدفع بالتي هي أحسن، ويدعوهم إلى الله بالسِّلم، وكان المشركون يردون عليه بإيذائه، وبتعذيب أصحابه، والتنكيل بهم أو قتلهم، سنواتٌ عسيرةٌ في مكة،  نزلت فيها أكثرُ من سبعين آيةٍ تأمر بالصفح والعفو والكفِّ عن المشركين، حتى أنزل الله:  (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ([3])، أُذِن للمظلومين بأن يرفعوا المظلمة عنهم.

إِذًا. فالإسلام يرى الحرب مفسدة، وأنها لا تُشرع إلا عند دفع مفسدة أكبر، كقطع بعض الأعضاء لإصلاح بقية البدن، كإبعاد ظلمٍ حتميٍ واقعٍ على المسلمين، وكوجود الوثنية، واعتلاء الشرك.

 حتى إنه لما كتب الله القتال كان شاقًا على النفوس، خيارًا من أصعب الخيارات، قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ) البقرة: ٢١٦ ، وقال تعالى عن غزوة بدر: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) الأنفال: ٥، لا شك. فإنه بذل الروح والمال، وقتال القريب المقرَّب.

فاللهم اشرح صدورنا بالإسلام، وأقر أعيننا بنور القرآن، واجهله هاديًا لنا لسبل الخير والرشاد، سائقًا أرواحنا لما فيه نعيم الحاضر الباد.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

الحروب المعاصرة في ظل دعاوى الإنسانية.

إن الإسلام هو دينُ قَدَمِ العدالة والإنصاف، وهو من أرسى قواعد الحرب العادلة التي كانت مهدومة مهدورةً قرونًا من الزمان شرقًا وغربًا.

فبينما نرى العالَمَ المتحضر، ونستجلب ذاكرتَه القريبة التي سادها الظلم الجائر والإسراف البائر في قتلٍ وحشيٍ متناهي في الرعب والإجحاف، في حروبه العالمية الأولى والثانية، ومن قنابل نوويةٍ انشطاريةٍ سوَّت مَنْ على الأرض بترابها، حتى غدا النصرُ استشفافًا، والقتلُ انتقامًا، من غير تفريق بين محارِبٍ وغيرِه، جاء الإسلام قَبْل هذه الهمجية المتحضرة بخمسةَ عشرَ قرنًا ليفرق بين المدنيين وغيرهم، فيقول الحق تبارك وتعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة: ١٩٠.

بينمها يهدم العالم المتحضر بحروبه الهمجية البُنا التحتية، والمباني الحوية، نجد أن من وصايا أبي بكر الصديق ما يعاكس ذلك ويناهضه، فيقول في وصيته للقادة: " لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا طِفْلًا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا امْرَأَةً، وَلَا تَعْقِرُوا نَخْلًا وَتُحْرِقُوهُ، وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً، وَلَا تَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَقَرَةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ، وَسَوْفَ تَمُرُّونَ بِأَقْوَامٍ قَدْ فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الصَّوَامِعِ، فَدَعُوهُمْ وَمَا فَرَّغُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ"([4])، وبعد ذلك كلِّه يحاضرون عليكم بحقوق الإنسان، وهم عدو الإنسان، يحاضرون عليكم بالمدنية، وهم من أباد الإنسانية، في قتل ستين مليون إنسان في الحروب العالمية، يزعمون الحفاظ على السِّلم العالمي، وهم من أشعل الحروب في بلاد المسلمين، وهم من أسعر نار الحروب في الأرض التي أثقلوها دمارًا وتخريبًا.

        فاللهم احم بلادنا وبلاد المسلمين، وانصر وأعل كلمة الدين، وكن لعبادك الموحدين، ولا تسلط علينا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا يا رب العالمين.

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  انظر: لسان العرب (12/651).

([2])  انظر: مقالة شرعة الحرب في الإسلام، لمحمد البشير الإبراهيمي ت: 1384هـ.

([3])  انظر: روح المعاني  (9/154).

([4])  الكامل في التاريخ (2/196).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة