مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:04:04

سجن الوهم

بسم الله الرحمن الرحيم

سِجْنُ الوهم

4 / 3 / 1444هـ

إن الحمد لله...

        الحمد الله الذي ملك القلوب، وجعل الهداية بين يديه، سبحانه هو علام الغيوب، أشهد أن لا إله إلا الله، خالقُ السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسُّه من لُغُوب، ربُّ الشروق يوم تُشرِق كلُّ شمس، وربُّ الغروب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، صلاة ليس بها من شؤوب، أما بعد:

مرضٌ ينقل المرء إلى عوالم أخرى.

لم يَفْتَأ عدوُ الله إبليس أن يُسربِل المؤمنَ بسربال الأسى والأحزان، فهي من غاياته العظيمة التي يريد أن يصل بها إلى قلب كلِّ مؤمن فيفتِكَه،  (إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) المجادلة: ١٠، بل إنه يُرسل أولياءَه وجندَه لِيبثُّوا أبواب الأوهام والأساطير والرعب في أفئدة القلوب الضعيفة كما قال تعالى: (إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) آل عمران: ١٧٥

إن من الأمراض النفسية التي يتعايش معها المرء من حيث لا يشعر بذاته ولا بسلوكه، مرضًا خطيرًا، إنما عيشُه في الدماغ، لكنًّ خطرَه ذو شعاع عجيب وشُعَب، إنه مرض الوهم، فترى الإنسان المصاب تسيطر عليه أوهامٌ وخيالاتٌ تجعله يعيش في نطاقٍ غيرِ نطاقه، وأجواءَ غيرِ أجوائه، وعالمٍ غيرِ عالمِه، ولطالما مزّق الوهم حياة المرء، وجعله يصارع آلامًا وحسرات، بل إنَّ الوهم يجعل الإنسان مسجونًا مُكبَّلاً مُقيدًا، بل قد يصل الوهم بالإنسان أن يرى أشياء، ويسمع أصواتٍ ونداءات، ليس لها في الحقيقة وجود.

سرعان تصديقِ النفوس للوهم.

إن الوهم إذا دخل عقل الإنسان سيطر على حركاتِه وانفعالاتِه، والنفس بطبعها مطيعة للأوهام، سريعًا ما تشرب الوهم بأقرب طريق، انظر إلى الواحد لو كان في بيتٍ وعنده مَيِّت، كيف أنَّ قلبه يضطرب، وجسدَه يرتعش إذْ يُخيَّل إليه أنَ هذا الميت سيتحرك في أي لحظة، مع جزمه وقطعه بمفارقة الروح للجسد([1])، والوهمُ له صورٌ وأشكالٌ متنوعةٌ عجيبةٌ غريبةٌ:

من صور الوهم.

فمن صور الوهم، الشرك: تعظيمُ الأموات، وطلبُ الحوائج منهم دون الله، والخوف منهم، ومن عقابهم، وكلُّ ذلك شركٌ دبَّ في هذه الأمة، جعل القلوب الغافلة وجلة خائفة مسلوبة اليقين والإيمان، فعاقبها الله بالرعب (سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) آل عمران: ١٤٩ - ١٥١  

 ومن صور الوهم وهم العَظَمَة: حيث يخيل للمرء أن نفسَه جديرةٌ بالتقدير والاحترام الزائدين، ولا يخطر في باله تواضعٌ أو رحمة، بل يرى في نفسه أنها في مكانة أكبرَ من قدر الآخرين، فلا ينظر للناس إلا شَزَرًا، ولا يحادثهم إلا أَنِفَـًا، متناسيًا قول الخالق: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)

ومن صور الوهم وَهْمُ الاضطهاد: بحيث لا يفتأ الإنسان يشعر بأنَّ مُساءلةً قانونيةً تلاحقه، وأنَّ غريمًا كالظل سيُوقِع به، فيعيش المرء وَهْمَ الخوفِ من الغرماء، ظانًا أن الناس ترصد أخطاءه، وتعظم من زلاته، وهو ما يُورِّث الإنسان القلقَ الدائم، والخشيةَ المستديمة التي تؤرق عليه حياته، وتُكدِّر عليه صفوَ عيشِه.

ومن صور الوهم وهم الغيرة والشك: فهو دائمًا في دائرة الشكوك، تتخبطه الظنون السيئة في أهله وأولاده، فلا هو عاش في راحة، ولا هو جعل غيرَه في نعيم واستقرار، تجده يُخوِّن أهلَه، ويُسلِّط عليهم عينَ الرقابة ليلاً ونهارًا، ولذا نهى النبي أن "يطرق الرجل أهله ليلًا يتخوَّنُهم، ويطلب عثراتِهم"([2])، بل تجده من كثرة أوهامه على أهله أنَّ الناس غدوا يشكون في أهله بسبب تصرفاته وأفعاله، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: "لا تكثر الغَيْرة على أهلك فتُرمى بالسوء من أجلك"([3])، ولذا فإن الأوهام الزائفة المتعلقة بالأهل هي مفاتيح الطلاق الأولى.

ومن صور الوهم وهم العُشَّاق: فيتوهم المرء أن غيرَه مُحبٌّ له، مهتم به، فيبدأ في دوامةٍ مِن التعب والحسرة، وأكثر ما يصاب بذلك النساء، فيُبلى المرء بالخيالات والأفكار، مما يشغله ذلك عن مصالح الدنيا والآخرة، بل قد تكون عاقبة ذلك: العذابَ النفسي، والألمَ القلبي، لأنّ القلب تعلق بغير الله، ومن تعلق بشيء غيرِ الله فقد تعلق بأشبه ببيت العنكبوت وَهْنًا وضعفًا، قال ابن تيمية: "عشق الأجنبية فيه من الفساد ما لا يحصيه إلا ربُّ العباد، وهو من الأمراض التي تفسد دين صاحبِها، ثم قد تُفسد عقلًه ثم جسمًه"([4]).

وهذا كلام صحيح تراه في واقع الذين يعيشون أوهام الحب، يظنون أنهم ملؤوا قلب من يحبون، فإذا بانت الحقيقة، وعافته الحبيبة، عادتْ ردَّةُ الفعل عنيفة قوية، قد تصل إلى قتل العاشق لمعشوقه، ومن ثم لا يرى له قيمة في الحياة فيقتل نفسه، وكنَّا نظن أن مثل ذلك بعيد أن يقع ممن امتلأ قلبُه بوهم العشق، حتى سمعنا من ذلك قصصًا ضجت الدنيا بها، يندى لها الجبين، من أناس قتلوا من يحبون في سبيل الحب، ثم قتلوا أنفسهم في سبيل الوهم، أعاذنا الله وإياكم من مسالك الشيطان الرجيم.

        تولَّعَ بالعشق حتى عَشِق

                                       فلما استقلَّ به لم يُطِق

       رأى لُجةً ظنَّهـــــــــــــا موجةً

                                         فلمَّا تمكَّن منها غرِق

 

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والغم والحزن والعجز والكسل، ونعوذ بك من الشك والنفاق ومساوئ الأخلاق.

الخطبة الثانية الحمد لله...

لا أوهم من الوهم.

        إن الوهم سرابٌ زائل، وشبحُ خرافة، لا يمكن أن يتدفق إلى القلوب العامرة بطمأنينة الذكر، وعظيمِ الرجاء، وكاملِ التوكل، وفائقِ اليقين، ولذا حرص الشارع الحكيم على أن يثبَّت الطمأنينة في قلوب الصغار قبل الكبار، حتى يكبر الصغير وقد تصاغرت الأوهام في قلبه، وتغلب عليها منذ نعومةِ أظفاره، ألم تر إلى النبي يُربّي ابنَ عباس (وهو صغير لم يبلغ) بحديثٍ ملأ قلب ابنَ عباس شجاعةً وقوةً وإقدامًا، وهو كذلك في قلب كل عاقل، قال "يا غلام، إنِّي أعلِّمُك كلمات: احفظ اللهَ يحفظك، احفظ اللهَ تجده تجاهك...، واعلم أنَّ الأمَّة لو اجتمعَت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتَبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء، لم يَضروك إلَّا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعَت الأقلام، وجفَّت الصُّحف"، قارن هذه التربية بما يزرعه البعض في قلب الصغير من تخويفه بقصص الأساطير، وخزعبلات الحكايات، قاصدًا بذلك منعه أو حثه، ولا شك أن كلَّ ذلك ينعكس على مهارات الفكر العقلية، ويجعل عقلَه سجين الأوهام، ويبدأ في سِنِّه المبكر صراعًا وهميًا زرعه خيالٌ يعاني قصورًا في النظر والتربية.

فاللهم املأ قلوبنا توحيدًا لك، وتوكلاً عليك، وإيمانًا بوعدك الطيب، واجعل ألسنتنا مبتهلة بذكرك، وأفئدتنا متعلقة بعظيم رجائنا إليك

 اللهم اهدنا واهد بنا يا رب العالمين

 

             عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم  ( 2/47 ).

([2]رواه البخاري ومسلم.

([3]إحياء علوم الدين (2/46).

([4]مجموع الفتاوى (10/132).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة