بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
26/ 12 / 1444هـ
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:
الضياع أمر شائن.
إن من أصعب شيء على النفوس، وأثقلِ ما يكون على الأرواح، وأحبطِ شيء في مضمار الحياة: مجابهةَ الضياع.
فالضياع هو فقدانُ البوصلة، وخسارةُ ما قدّم المرء واجتهد، فضياع العُمُر شقاء، وضياع النفس موت، وضياع الدين حسرة، وضياع الدين هو الآفة والطامة (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) مريم: ٥٩.
فكلمة الضياع تَنُمُّ عن حالةٍ شاقة، وأمرٍ مرير، فأنْ يكدحَ الإنسانُ ويتعب، ثم يضيعَ جهدُه سدى، وعملُه ردى، ولا يجد لفعله ثمرة، ولا لمثابرته مسَّرة، لهو الأمر الشائن، والقرار البائن.
وعلى العكس من ذلك: من جانب الضياع، وابتعد عنه، وحفظ النفس المال والعيال والوقت والدين، وعاش في عاقبة أمره الحميدة، ورأى ثمرات جهده السعيدة، كيف يكون حالُه؟ أم كيف يصير مآلُه؟ وما ذاك إلا لأنه أحسن العمل، وأتقن الفعل، فكانت عاقبة أمره يُسرى، والله تعالى يقول: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) نعم! إنها لآية عظيمة، وسلوى كريمة، من مِلك الملوك، ومن أصدق منه حديثًا، ومن أصدق من قيلاً: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، فلنبق مع أصداء هذه الآية الكريمة، ولنتأمل ما فيها من المساحات الواسعة، والمعاني العميقة.
اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة
(إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) كم من عامل نسي إحسان العمل، فكان نصْبَ عينيه كثرةُ العمل، لكنه لو فتش في عمله لوجده مُهَلْهَلاً غيرَ متقن، ركيكًا ليس بقوي، وهذا ليس ميزانَ صدق، ولا مقصِدَ مُشَرِّع؛ لأن الشريعة إنما جاءت بإحسان العمل وإتقانه، قبل تكثيره وتكريره، وجرى على ذلك ابتلاءُ الناس، كما قال تعالى: ( لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) هود: ٧ ، وإن من أعلى مقومات إحسان العمل: كونَ العمل خالصًا لله، مُتَّبَعًا فيه سنةَ رسول الله ﷺ، فالإخلاص والاتباع هما شرطا قبولِ العمل، فمن أشرك في عمله فقد ضيعه، ومن دعا وثنًا وقبرًا فقد هدم التوحيد وضيعه، ومن خالف هدي النبي ﷺ في عبادته فقد ثَلَم هدي نبيه ﷺ وضيعه، ومن أخلص وتابع فإن الله يقول له مُبشرًا (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) البقرة: ١٤٣ أي: ما كان الله ليضيع ثواب أعمالكم، لكن الخاسر من اجتهد في بدعة، وخالف في سنة، فعن عبد الله بن مسعود أنه قال: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"([1]).
إحسان العمل لا يلزم منه تكثيره بغير تجويد.
ومن هنا نفهم أن إحسان العمل لا يعني مُجرَّد تكثيره، بدون تجويده، بل إحسان العمل هو إتقانه وإن قل، وكان عملُ النبي الكريم ﷺ في دوامٍ واقتصاد، قليلٍ مع ديمومة واستمرار، قالت عائشة-رضي الله عنها-: "كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِيمَةً"([2])، ومعنى ديمة: المطر القليل لكنه المستمر، فليس سيلاً عرمرم يهدم البيوت، ويجرف التُرّب، ولكنه ساكن الهَطْل، دائم الرَّي، تتشرَّبُه الأرض رويدًا رويدًا، وكذا هو عمل الإنسان القليلُ المتقن، فإنه أنفع ما يكون لقلبه، ولصلاح فؤاده، وكان من وصايا النبي ﷺ لأبي هريرة:" أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ورَكْعَتَيِ الضُّحَى، وأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أنْ أنَامَ"([3])، سبحان الله! ما أقلها من أعمال، ومن أعظمها من وصايا، مع أن الموصي هو النبي الأكرم ﷺ، والمتلقي هو صاحبُه وراوي سنته الأحفظ، ولو كان غيرَهما لتكلف الموصي ولضيع المُوصَى إليه، "فقليلٌ تدوم عليه أرجى من كثير مملول منه".
قال بعض السلف: "لا يكن همُّ أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همُّه في إحكامه وتحسينه، فإن أحدكم قد يُصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه"([4])، أي يصلي على غير هدى، ويصوم على غير سنة، وكم من شخص عنده عباداتٌ كثيرةٌ لكنها مردودة عليه؛ لأجل مفارقته للسنة، ومخالفته للطريق الصحيح، فعن سعيد بن المُسيَّب: أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال الرجل المُكثر: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: "لا. ولكن يعذبك على خلاف السنة"([5]).
ومن أحسن العمل وأتقنه فإن الله وعده بالوعد الحق فقال: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)، فقط تأمل ما يعمل إحسان العمل لمن أتقن الوضوء، فقد قال ﷺ:"من توضأ فأحسَن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من أظفاره" ([6])، أما من أساء فقد ضيع أجرَه، ولو توضأ مئة مرة، فبركة العمر حسن العمل، توضأ النبي ﷺ لأعرابي حتى يُعلِّمه فَغَسَل ﷺ كلَّ عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال ﷺ: "هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم"([7]).
حتى في قراءة القرآن وتعلمه تجد منهاج السلف الإتقان وإن قل العمل، فعن أبي عبدالرحمن السُّلمي أنه قال: "حدثنا الذين كانوا يُقْرِئُوننا القرآن كعثمان بن عفان وابن مسعود وغيرهما - أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي ﷺ عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل".
وقد ثبت عن ابن عمر -رضي الله عنهما أنه مكث أربع سنين في تعلُّم سورة البقرة([8])، وكل ذلك يدل على الحرص في تعلم القرآن كما قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) ص: ٢٩.
فاللهم احفظ أعمالنا عن الضياع، وأقوالنا عن الخداع، وأموالَنا عن الهدر والاقتلاع، وارزقنا تقفي سنة نبينا ﷺ والاتباع.
الخطبة الثانية: الحمد لله... .
ثواب إحسان العمل.
كم وقعت (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) وقعًا جميلاً في سير المصلحين، وكم أثَّرت (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) تأثيرًا بالغًا في عواقب المتقين، فهذا يعقوب أضاع ابنه، وفقد بصره، فردهما الله إليه بعد صبر على البلاء. وهذا يوسف جَابَهَ حسد إخوته، وعانى في جُبِّه وخلوته، وصبر على امرأة العزيز وفتنتها، ثم صبر على كيد سجنها، فكان عاقبة ذلك أن حفظ الله عمله من الضياع، فقال الله عنه: (وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) يوسف: ٥٦.
فيا أخي...إنْ أنت أحسنت عملك اليوم، لم يضيع الله لك نفسك وأهلك ومالك وعيالك في الغد، قال ابن المنكدر: "إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولدَه، وولدَ ولدِه، والدويرات التي حوله"، وكان سعيد بن المُسيَّب يقول لابنه: "لأزيدن في صلاتي من أجلك؛ رجاء أن أُحفظ فيك".
ولا يأت ذلك يا عبدالله إلا مع اليقين المصاحب لقوله تعالى: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) ، فكم من رجل اتق الله في تجارته، طرد عنه السراق، أو ردَّ إليه مالَه المسروق، وكم من رجل أدى أمانته في عمله، فبورك له في ماله، وعُجِّلَت له ترقياتُه من حيث لا يطالب ولا يعارك ولا يحاسد، وكم من رجل تمالأ عليه القاصي والداني على أن يضروه، فراقب الله فيهم، واعتصم بالله من شرهم، فنجاه وأهلكهم، ووفقه، وخذلهم.
فكن شديد اليقين بوعد الله الجميل: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) الأعراف: ١٧٠ ، وبعاقبته الحسنة: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) التوبة: ١٢٠ ، فاعمل-عبدّالله- ولا تنتظرِ الشكر من أحد، ولا ترتقب أن يُنظَر إلى عملك واجتهادك، أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد، وأنه القائل: (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) أخرجه الدارمي، واللالكائي وغيرهما، وهو أثر صحيح.
([2]) رواه مسلم
([3]) رواه البخاري.
([4]) صفوة الصفوة، لابن الجوزي (1/422)
([5]) أخرجه الخطيب في الفقه والمتفقه "١/١٤٧".
([6]) رواه مسلم.
([7]) رواه أحمد وأبو داود وصححه.
([8]) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (4/164)