بسم الله الرحمن الرحيم
نصوص الإشارة!
15 / 4 / 1446هـ
الحمد لله الذي حفظ دينه، ونصر سنته، وأتم نوره، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نصر الله به الملة، وقمع به أهل الزيغ والعناد والذلة، فأبدل به الشركَ توحيدًا، والأمنَ خوفًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
آلات النطق.
جعل الله للإنسان آلاتٍ يُبِين بها عن الكلام، ويُفصِح من خلالها عن الشَجَن، فجعل الله له الشفتين، وأطبقهما على اللسان، وبالشفتين وباللسان يُخرِج الإنسانُ ما لا ينتهي من المعاني، ويترجم ما شاء من الأفكار، وبهذا اللسان اختلفت اللغات، وتباينت اللهجات، وقد أشار الله إلى كون اللسان واحدًا من آياته الـمُبهرة، فقال: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ)
الإشارة نيابة اللسان.
ولن يجريَ الحديث عن اللسان وعجيب صنعه، بل سيدور محورُ الوصف عن آلة أخرى من آلات إيصال المعاني، والتي جاء ذكرها في مواطنَ عديدة، وقصصٍ قرآنيةٍ فريدة، هذه الآلة هي آلة الإشارة.
فبالإشارة يوصل الإنسان مغزاه في سرعة وذكاء، وبخفة دونَ عناء، وقد تكون الإشارة باليد، أو العين.
إن الإشارة تُنزَّل منزلة الكلام([1])، وقد يُكتفَى بها عن حركة اللسان واضطرابه، فإن العيون تتكلم وكلامها النظر، وكذلك اليد تتكلم وكلامها الحركة.
العينُ تُبْدي الذي في نَفْسِ صاحبها
منَ المحبَّةِ أوْ بُغضٍ إذا كانا
والعينُ تَنطقُ والأفْواهُ صامتةٌ
حتَّى ترى منْ ضميرِ القلْب تِبْيانا ([2])
إشارة مريم بنت عمران.
ومن أجلّ القصص القرآنية، والتي فيها ثبوتُ العبوديةِ لعيسى-عليه السلام- أن الله لما نفخ في درع جيب مريم فحملت به من غير مِساس بشر، أمرها الله أن تأتي بالطفل الرضيع قومَها، وأن لا تتكلم معهم إلا بالإشارة قال تعالى: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) مريم: ٢٦ ، فقولُه تعالى: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ) أي: قولي ذلك إشارة لا كلامًا، لأنها قالت: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) ([3]) ، وقد أمرها الله بالإشارة؛ لأن كلامها في هذا الموقف العظيم لا يغني شيئًا، ولذا قالوا: (يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)، وقد تولى الله الدفاع عنها بآية باقية خارقة للعادة، هي حجةٌ على كل مُبطل مُدِّع الإلهية لعيسى -عليه السلام-، فقال تعالى: (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) مريم: ٢٩ – ٣٠، فألفُ كلمة منها لا تنفع وقد تولى الله الدفاع عنها بما يبهر العقول، وفيه أن الإنسان-حتى ولو كان أبكم أصم- إن كان مؤمنًا فإن الله يدافع عنه، ويحمي عرضه، ويعلي مقامه، ويتولى من يقوم بنصرته: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) الحج: ٣٨، فليس بالضرورة أن تدافع عن نفسك في كل موطن إن كنت ممن توكل في صدقه على الله، واللجأ إليه.
إشارة الأمة المؤمنة.
وإن أعظم الإشارات الإشارةُ التي يشير بها العبد إلى العقيدة الصافية، والمنهج الزلال العذب، ومن أروع القصص في ذلك ما قصه معاوية بن الحكم السلمي فقال: "كانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فَاطَّلَعْتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، (أي: أغضب) لكني صَكَكْتُهَا صَكَّةً (أي: ضربتها كفًّا)، فأتيت رسول الله ﷺ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها» فأتيته بها، فقال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها: «فمن أنا»؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، يعني أنت رسول الله، قال: «أعتقها، فإنها مؤمنة»([4])، وفي هذا الحديث: أن إشارة الأمة بأصبعها جعلها معصومة الدم، وتستحق لأجلها الجنة، وفي الحديث أيضًا: جواز السؤال عن الله تعالى بأين الله؟، ثم جواز الإخبار بأنه سبحانه في السماء، والحكم على من قال ذلك بأنه مؤمن، يقول أبو سعيد الدارمي: "فالله تبارك وتعالى فوق عرشه، فوق سمواته، بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبد"([5]).
الإشارة إلى اللسان.
ومن الإشارات النبوية التي تغني عن الكلمة، ما جاء في هذه القصة أن رسول الله ﷺ عاد سعد بن عبادة، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القومُ بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: "ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم"([6]) وأشار إلى لسانه، ولو شاء ﷺ لقال: ولكن يعذب باللسان ويرحم، ولكن الإشارة إلى اللسان في هذا الموطن أبلغُ في رسوخ الفكرة، وأدعا إلى قوة التصور، وأجذبُ لذهن السامع عن الشتات وعدم التركيز، وأشدُّ نفورًا من شؤم اللسان إذا فسد.
الإشارة في الصلاة.
وإن من اليسر الشرعي الذي جاء به الإسلام أن الإشارة في الصلاء لا بأس بها عند الحاجة، فإن إبراهيم كان قائمًا يصلي، فدخلت عليه زوجته سارة بعد أن نجاها الله من جبار من الجبابرة، فأشار إبراهيم بيده وهو يصلي: (مهيم) أي: ما حالك معه؟، فقالت: "رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ -أَوِ الفَاجِرِ- في نَحْرِهِ، وأَخْدَمَ هَاجَرَ"([7]) وكذلك هي سنة نبينا محمدﷺ فعن جابرٍ، قال: "إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعَثَني لحاجةٍ، ثم أدركتُه وهو يصلي، فسلمتُ عليه فأشارَ إليَّ"([8]) أي: أشار برد السلام، قال ابن باز: "الإشارة في الصلاة لا بأس بها ولا حرج فيها، ولا تبطل بها الصلاة، قد فعلها النبي ﷺ وهو سيد الخلق ومعلمهم، وقد فعلها أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فإذا سألك السائل: هل أنتظرك وأنت في الصلاة؟ وأشرت برأسك بما يدل على الموافقة فلا بأس بذلك، أو سأل سائل عن حكم من الأحكام وأشرت بما يدل على نعم أو لا كل ذلك لا بأس به"([9]).
ومن أنواع الإشارة في الصلاة أن يشير بسبابته في حالة التشهد والدعاء فيه، فعن عبد الله بن الزبير قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة أشار بإصبعه"([10])، ومن السنة أن يشير بسبابته إلى القبلة، ويرمي ببصره إليها، قال نافع: كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بإصبعه وأتبعها بصره ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "لهي أشد على الشيطان من الحديد يعني السبابة"([11]).
إشارة الهلاك.
وإن من الإشارة ما يترتب عليها الهلكة، ويلحق المرءَ بعدها العطب، وذلك إنْ جعل الإشارة مادةً يسخرُ بها من الناس، أو يغتابُ بها القرناء، أو يقلدُ من خلالها إصحابه وإخوانه، وقد قالت عائشة([12]): "حسبك من صفية كذا وكذا"، فأشارت بيدها إلى شبرها، أي: أنها قصيرة فقالﷺ: "لقدْ قلتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحْرِ لَمَزَجَتْهُ"([13])، فهي إشارة واحدة بشبرها لو خُلطت بماء البحر لغيرت لونه وريحه. قال تعالى: (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) الهمزة: ١ ، قال قتادة: "بلسانه وعينه"([14])، (وَيْلٌ) أي: وعيد، ووبال، وشدة عذاب، قال السعدي: "فالهماز: الذي يعيب الناس، ويطعن عليهم بالإشارة والفعل، واللماز: الذي يعيبهم بقوله"([15])، وإن من أقبح الأفعال وأجبنها أن يقابل الإنسان أخاه بوجه بشوش كَذِبًا، فإذا ولَّى سخر منه:
إذا لَقِيَتُكَ عَنْ شَحْطٍ تُكاشِرُنِي
وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَهْ
تدلِي بوُدِّي إذا لاقَيْتَنِي كَذِبًا
وَإنْ أُغَيَّبْ فأنتَ الهامِزُ اللُّمَزَهْ
الخطبة الثانية: الحمد لله...
إشارات إلى الفتن.
وقد كان النبي ﷺ كثيرًا ما يشير بيده يوصف بها شيئًا من الفتن، أو يحدِّث عن غائبٍ كان، تأكيدًا على الأمر، وتحقيقًا لوقوعه، ومن ذلك أن النبي ﷺ لما أخبر عن الفتن في آخر الزمان قال: "يُقبَضُ العِلْمُ، ويَظْهَرُ الجَهْلُ والفِتَنُ، ويَكْثُرُ الهَرْجُ"([16]) قيلَ يا رَسولَ اللَّهِ، وما الهَرْجُ؟ فَقالَ هَكَذَا بيَدِهِ فَحَرَّفَهَا، كَأنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ وسفك الدماء بغير حق، وذلك عندما يكثر الجهل وتنتشر الخلافات والفرق، وتزول الخشية، ثم يسفك الدم.
ومن الأمور التي كانت أن النبيﷺ استيقظ من نومه وهو يقولُ: "لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليومَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذِه. قيل: يا رَسولَ اللهِ، أنَهْلِكُ وفِينا الصَّالحون؟ قال: "نَعَمْ، إذَا كَثُرَ الخَبَثُ"([17])، وقوله مثل هذه: أي أنه أشار بأصابعه، فجعل الإصبع السبابة في أصل الإبهام وضمها حتى لم يبق بينهما إلا خلل يسير، أي: أنه لم يبق من الشر إلا اليسير من الزمن. والخَبَثُ: هو الفُسوقُ والفجورُ والمعاصي، كالزِّنا، والخُمورِ، وغَيرِها، وإذا كَثُرَ المُجترِئونَ على معاصي الله دون رادع ولا وازع عَمَّ الهلاكُ الجميع، ثُمَّ يُبعَثُ كلٌّ على نيَّتِه (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ) الأنفال: ٢٥
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأيد بالحق إمامنا ووليّ أمرنا، وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة برحمتك يا ارحم الراحمين، اللهم كُن للمظلومين والمُضطَهدين والمنكوبين، اللهم أنجِ المُستضعَفين.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
ملحق (أخذ اللقاحات الموسمية)
بناء على تعميم معالي وزير الشؤون الإسلامية
إن الأخذ بالأسباب الوقائية مما يُكمِّل حفظ النفس، والتي هي من الضروريات الخمس، فالإسلام يتطلع إلى صيانة الأنفس، والنأي بها عن الأخطار والمهالك ﭽ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ البقرة: ١٩٥، ومن تكميل عقائد المتوكلين الأخذُ بالأسباب الدافعة عن الأذى، والحامية عن المرض والردَّى، ومن ذلك: المبادرة إلى أخذ اللقاحات الموسمية، فبها تُكَفَّ العدوى، ويُحمى -بإذن الله- الجسد، قال ﷺ : "مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً"([18])، فاللهم أدم علينا لباس الصحة والعافية، واجعلنا في حياة هنية، وعيشة مرضية، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدًا ما أبقيتنا... .
([1]) أضواء البيان للشنقيطي (421).
([2]) كنز الكتاب، للبونسي (2/521)
([3]) تفسير ابن كثير (5/225).
([4]) رواه مسلم وغيره قال الشنقيطي في الأضواء (4/322): "والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها: أين الله قالت: في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة؛ لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضًا".
([5]) الرد على الجهمية للدارمي (ص: 46- 47).
([6]) متفق عليه.
([7]) متفق عليه.
([8]) رواه مسلم.
([9]) https://binbaz.org.sa/fatwas/
([10]) رواه مسلم.
([11]) رواه أحمد وحسنه الألباني في صفة الصلاة.
([12]) انظر: مرقاة المفاتيح (7/3046).
([13]) رواه أحمد وأبو داود.
([14]) تفسير ابن كثير من سورة الهمزة.
([15]) تفسير السعدي من سورة الهمزة.
([16]) رواه مسلم
([17]) رواه مسلم.
([18]) متفق عليه.