بسم الله الرحمن الرحيم
(لَا تَخَافَا)
14 / 7 / 1442هـ
الحمد لله الذي ورّث القلوب سعادةً تطيب بذكره، وغسل الأفئدة من قوارع الخطوب متى ما لجأ المؤمن بكنفه واحتمى بستره، أحاط الإنسانَ بالكبد، فقال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، ثم علّمه سبيل النجاة، وأبان له طريق الحياة فقال: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، وأصلي على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، خيرِ البرية، وأنقى البشرية، وأسلم تسليمًا، أما بعد:
الهروب من القلق إلى القلق.
لا تسلم الحياة من عوارض ومنغصات تلقي بصاحبها إلى أودية القلق، وتهوي به في شعب الخوف.
وبعض الناس إذا انتابه القلق هرب منه إليه، ومن دافعه إلى موجبه، وما يوقعه فيه ويزيد إذكاءه، فهو يعالج القلق بما حرم الله من الملاهي والأغاني، والعبث والمجون، والمسكرات والملهيات، مما يفسد القلوب، ويضعف الإيمان، فلا يزداد القلق إلا انهيارًا عصبيًا، ورغبة في الموت والانتحار، وهذا القلق نوع من العذاب المقيم، الذي ذكره الله عن المنافقين " فإن قوله فيهم: (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) التوبة: ٦٨ إشارة إلى ما هو لازم لهم في الدنيا والآخرة من الآلام النفسية: غمّا وحزنًا، وقسوةً وظلمةَ قلب وجهلا، فإن للكفر والمعاصي من الآلام العاجلة الدائمة ما الله به عليم"([1]).
فانحاز القلقون إلى نداء الشيطان، وملؤوا قلبوهم بظلمة العصيان بدلًا من أن يأخذوا بقول الذي خلقهم، ودعاهم إلى الهروب من الدوائر والغواشم إليه، فقال سبحانه: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) الذاريات: ٥٠، فإنه لا ملجأ، ولا منجى منه إلا إليه، وتأمل قوله (فَفِرُّوا) فإنها تُنْبِئ عن سرعة الإهلاك، كأن الله يقول: يا عبدي الإهلاك والعذاب أسرع وأقرب من أن يَحتَمِل الحالُ الإبطاء في الرجوع، فافزع إليَّ سريعًا أخلصْك من كل ما أهمك وأشغلك.
قلق يحمل على غاية القهر.
من أنواع القلق: قلق لا يرحم أبدًا، ولا يقبل أمدًا، ولا يبقي أحدًا، وهو قلق اليائسين، القانطين من رجاء الله ورحمته، المعرضين عن الله، وعن الإنس به، والالتجاء إليه، لأن المؤمن لا يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة من القلق والخوف وهو يقرأ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: ٢٨، وأفضل دواء للقلق، وأرقى شراب لطرد التوتر: إدمان الطاعات، والمسارعة للخيرات، والقرب من الذي خلقك ولم يضيعْك (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
قلق يحمل على الغربة المؤقتة والنزهة.
وقد يضيق على المرء صدرُه، لغربة الزمان عليه، ولكثرة الواشين به، ولاجتماع الأحقاد في طريقه، فلا يجد شيئًا يستروح به، ويطرد عنه قلقه مثلَ الانطلاق إلى الفسيح من الأرض، والخروج عن صخب المدينة.
وكان ابن تيمية-وهو الذي عاداه كل صاحب مذهب وملة- يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس، لقوة ما يرد عليه من تسلط خصومه، قال ابن القيم-تلميذه- :"فتبعته يومًا فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر:
وَأَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الْبُيُوتِ لَعَلَّنِي
أُحَدِّثُ عَنْكَ النَّفْسَ بِالسِّرِّ خَالِيًا([2])
وصاحب هذه الحالة عليه أن يفزع إلى ربه، أن يثبته في زمان الغربة والفتن، وأن يقويَه على أعدائه وخصومه، وأن يرزقه الحكمة والتؤدة، وليتذكر قوله ﷺ:"المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسِ و يَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ و لا يَصبرُ على أذاهُمْ"([3]).
خفف من التشاغل بالدنيا تصفو لك الحياة.
عبد الله. إذا أصبح العبد وأمسى وليس همُّه إلا الله وحده تحمّل الله عنه سبحانه حوائجَه كلَّها، وفرّج عنه كلّ ما أهمّه، وأثابه بأن جعل لسانه رطبًا بذكره، وقلبَه متعلقًا بطاعته، وجعل محبته مقدمة على محبة خلقه.
وإن أصبح العبد وأمسى والدنيا همه حمّله الله همومَها، وأثقله غمومَها، وأذاقه أنكادها ووكَلَه إلى نفسه، فشغل قلبَه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانَه عن ذكره بذكرهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره، فكلّ من أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلِيَ بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) طه: ١٢٤، قال ﷺ :"من كانت الدُّنيا همَّه، فرَّق اللهُ عليه أمرَه، وجعل فقرَه بين عينَيْه، ولم يأْتِه من الدُّنيا إلَّا ما كُتِب له، ومن كانت الآخرةُ نيَّتَه، جمع اللهُ له أمرَه، وجعل غناه في قلبِه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ"([4]).
نداء لكل قلب حي.
يا عبد الله، إن في القلب شَعَثٌ، لا يلمه إلا الإقبال على الله. وفي الفؤاد وحشةٌ، لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفي الجسد حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وفي الروح قلقٌ لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار منه إليه، وفي الفكر نيرانٌ وحسراتٌ: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفي النفس فاقة: لا يسدها إلا محبتُه، والإنابةُ إليه، ودوامُ ذكره، وصدق الإخلاص له([5]).
فرحم الله عبدًا اقترف فاعترف، ووجِل فعمِل، وحاذر فبادر، وعُمِّر فاعتبر.
فاللهم اشرح صدورنا، وأنر قلوبنا
الخطبة الثانية: الحمد لله...
دوافع طرد القلق.
يا عبد الله. ما منا من أحد إلا ويجثم على قلبه قلق، قد لا يكون موجبُه ذنب ألمَّ به، أو خطيئةٌ نالها وطالها، بل يكون موجبُ ذلك القلق الذي كدر عليه صفو حياته: دواعي الدنيا، وهمومَ العيش، والنظرَ في مستقبل الأبناء، وارتقابَ صاحب الدين الذي أزف موعده وحان، وكل ذلك ومثلُه لا يسلم منه أحد، فلذا طردًا للقلق:
اشغل نفسك بما ينسيك همَّك، ولا تكن حبيس أوهامك وأفكارك، وابتعد عن الخيالات والأوهام المزعجة، التي تضيق عليك فسيح الدنيا، اشتغل بعمل من الأعمال، أو علم من العلوم.
أحسن إلى الخلق، وانفع الناس، فإن ذلك يجلب من السعادة وراحةِ البال للمؤمن وغير المؤمن ما لا تسعه أقطار الأرض، ولكنْ للمؤمن منها أوفر حظ ونصيب.
اشتغل بفكرك في يومك الحاضر، ولا تخف من المستقبل، ولا يشغلْك حزن الماضي، استمتع بيومٍ أنت فيه، ودع يومًا لست فيه، تَنَعَّم بصحتك وعافيتك، ولا تكدر ذلك بخواطر الأمس أو توقعات الغد.
حدث نفسك عن النعم التي أنت فيها، فإن ذلك من أعظم ما يطرد الهم والغم، "وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيرًا كثيرًا ودفع عنه شرورًا متعددة"([6]).
يا عبدالله. الحياة قصيرة جدًا، فلا تزد قِصَرها بالهموم، والاسترسال مع الأكدار.
استعمل قول النبي ﷺ :" انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" متفق عليه، فإذا صوبتَ عينيك إلى الأقل، ولم ترنوا عينُك للأكثر، عشت حياة الملوك، ورأيت نفسك الأفضل، والأحسن، مهما بلغت بك الحال، لكنا عشنا دور المقارنات، فنشبنا في التنافس فيما لم نُحِط به خُبْرًا، فعشنا مُكدَّرين، مع أن عندنا من النعم ما لو كان جزء من أعشارها عند غيرك لعاش نعيم الدنيا.
وتذكر معية الله معك، فلما قال موسى وهارون: (إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ) طه: ٤٥، قال الله: (لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ) طه: ٤٦.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (1/110).
(1) مدارج السالكين (3/61)
(2) رواه أحمد، وإسناده صحيح.
(1) رواه الترمذي، وإسناده صحيح.
(2) انظر: مدارج السالكين (3/156).
(4) الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، للسعدي (ص:22).