مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:29:49

اللوم والملامة

بسم الله الرحمن الرحيم

اللوم والملامة

30 / 6 / 1445 ç

  إن الحمد لله...أما بعد:

إن من طبائع النفوس، وغرائز الأرواح، أمرًا لا ينفك عنه جسد من الأجساد، أمرًا له مخلبان، ويكتنفه حدان، إما السمٌّ الزعاف، وإما التِّرياق المُجرَّب، أمرًا من أسرف فيه فقد هلك، وعن الطريق جَنَح، ومن تركه فقد خسر وللنفوس سَفَح، إنه اللوم  والملامة، واللوم: كثرة العتاب والتوبيخ.

أن تلوم الآخرين باقتضاب وأدب فهو مروءة وكرامة نفس، أو تلوم الآخرين بصراحة وإلحاح فهو إزعاج وصَلَف، فكم من صديق لام أخاه بلطف فجدد الودَّ الصداقة، وحافظ على الوصال واللباقة، وكم من صديق كلَّم أخاه بقوة وحِدِّية وانقض عليه بمخالب اللوم وأنياب العتاب، فخسر الوصال وقطَّع الأسباب.

فحديث اليوم عن اللوم والملامة، أنواعِه وآدابِه وطرائقِه، وبعض أحكامه وأخباره.

النفس اللوامة.

إن أول طريق اللوم، وأحسنَ مذاقات العتاب والملامة أن يبدأ الإنسان بنفسه فيعاتبَها، ويتأمل في ذاته فيلومَها، وقد أقسم الله بهذه النفس الكريمة الصفية فقال: ( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) القيامة: ١ - ٢ ، فأقسم الله بالنفس (اللَّوَّامَةِ)، و(اللَّوَّامَة) صيغة مبالغة تدل على كثرةِ ترددِ اللومِ في النفوس، والتي تلوم على الخير والشرّ وتندم على ما فات([1])، وإنما تُمدح النفس اللوامة إذا لامت على تركها الخيرَ والمسارعةَ إليه، وإنما تُذمُّ النفس اللوامة إذا  كانت فاجرةً جشعة تلوم صاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها([2]).

قال الحسن البصري: "إن المؤمن -والله-ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردتُ بكلمتي؟ ما أردتُ بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسَه"([3]).وما يُؤثِّر اللومُ والعتابُ، إلا عند نَفْسٍ حُرّة.

فلْنَلُم أنفسنا على التقصير في حق الله، في حق أزواجنا، في حق آبائنا، فإن هذا اللوم أحبُّ إلى الله من كثير من الطاعات فإنه يوجب انكسار العبد، وإن الله تعالى عند المنكسرةِ قلوبُهم([4]).

لوم آدم لموسى.

وإن من قصص اللوم تلك المصنفة بأشهر وأصدق لومة في تاريخ البشرية، حيث تقابلت روحا موسى وآدمَ في السماء، ودار هذا الحوار. قال : "احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدمُ موسى، فحج آدم موسى "([5])، أي: غلبه بالحجة، واللوم هنا من موسى لا محل له، لأن آدم قد تاب من ذنبه وغفر الله له ما حصل (وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ) طه: ١٢١ - ١٢٢ ، وإنما يكون الخطأ لو احتج بالقدر على فعل المعصية والخطيئة، وهو باق عليها، ولم يتب منها، كمن يأكل الحرام ويحتج فيقول: قدَّره الله علي. ويُذكَر أن رجلاً سرق فقال لعمر: سرقتُ بقضاء الله وقدره، فقال له عمر: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره([6]).

الْعَبْدُ ذُو ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُو قَــــدَرٍ          وَالدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسُومُ

وَالْخَيْرُ أَجْمَعُ فِيمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا           وَفِي اخْتِيَارِ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّومُ([7])

لوم الصداقة.

  إن الكريم الشهم النبيل لا يكثر اللوم والملامة على صاحبه، بل يُغلِّب جانب التسامح والتصافح، فكثرة اللوم تُورِث النُّفرة، وتَجْلِب الرهبة، وتَبنِي السآمةَ والملل في ميزان الأُخوَّة، "فمَنْ شَدّدَ نَفّرَ، وَمَنْ تَرَاخى تَألّف، والشْرَفُ في التّغافُل"، قال أنس: "خدمتُ رسولَ اللَّهِ عشرَ سنينَ فواللَّه ما قالَ لي: أُفٍّ قطُّ، ولا قالَ لشيءٍ فعلتُهُ: لمَ فعلتَ كَذا، ولا لشيءٍ لم أفعلْهُ ألا فعلتَ كَذا" ([8])، والعاقل لا يدقق في كل صغيرة وجامعة، بل يُمَرِّر ويتغافل، ويَشُمُّ ولا يَفْرُك، فإنه إن فَرَكَ الورد أفسد الصحبة.

فلو هجر المرءُ كلَّ أخ له وجد عليه زلة، أو رأى منه هفوة، فإنه عما قليل سيهجر الناسَ كلَّهم، ولم يبق له إلا نفسُهُ البغيضةُ بين جنبيه. والمبالغة في اللوم تقع كثيرًا ممن لهم سلطة، كالمدير، والمعلم، والكفيل، والأب، فالناس يكرهون من يلوم في غير وقت اللوم، في خطأ يسير أو أمر تافه.

وإذا أراد اللوم لا محالة فعليه بالتمليح دوت التصريح، فإن التصريح أحيانا بالخطأ يُسقِط المهابة، ويجرئ المُلام على الوقوع في الخطأ مرة أخرى.

ومن أراد أن يوقع العقاب، فلا يوقع العقاب إلا بعد اللوم والعتاب، وليكن إيقاعُك بعد وعيدِك، ووعيدُك بعد وعدِك.

 

إذا كنتَ في كــــــــــلِّ الأُمورِ مُعاتِبـــــــــًا    

                                صديقكَ لمْ تلقَ الذي لا تُعاتبه

فعشْ واحدًا أو صلْ أخــــــاك فإنـــــــــه   

                                 مقــــــارفُ ذنبٍ مرةً ومُجــــــــــانبه

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى 

                             ظمئت؛ وأيّ الناس تصفو مشاربه

أقول ما تسمعون...

الخطبة الثانية: الحمد لله...

طبع فطري غريب!.

وإن من الأسباب التي تجعلك في حفظ عن ملامة إخوانك، فلا تراهم يلومنك كثيرًا، أن تكون زيارتُك إليهم بِقَدْر، ورؤيتُك لهم من غير إسراف وتثقيل، وهنالك طبع فطري في كل واحد منا: أنَّ قلوبنا مطبوعة على لوم من اقترب منا، ومطبوعة على ترك لوم من ابتعد عنا، قال الشافعي: "طُبِع فؤادي على اللوم، فَمِن شَأنِهِ التقربُ لمن يبعد منه، والتباعدُ ممن يقرب منه"([9])، ولذا من أراد أن تدوم له الصحبة فلا يكثر الزيارة، فإن كثرتها مَظِنةٌ للملامة" زُرْ غِبًّا تزددْ حُبّا"، والغِبُّ: وقت استغناء الناقة عن الشرب بعد روائها([10])، وهو ما يقارب أسبوعًا، والمعنى: زر يومًا وغِبْ أسبوعًا، ولا تكثر الزيارة فتكون ثقيلاً وتلام على ذلك، فلا تقطع الزيارة بحيث تُنسى، ولا تكثرها بحيث تُملّ.

ليس يخلو المرءُ من ضدٍ ولو      حاول العُزلةَ في رأس الجبلْ

غِبْ وزُرْ غِبــــًّــــــــا تَزِدْ حُبًّا فمَنْ     أكْثَرَ التِّردادَ أقصــــــــــاهْ المــللْ

 

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمْرِ المسلمينَ لِلْحُكْمِ بكتابِكَ، والعمل بسنَّةِ نبيِّكَ، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وانصر واحم حوزة الدين، اللهم احم بلادنا، وانصر جندنا، وأذل أعداءنا، اللهم نج المستضعفين في غزة، اللهم اشدد وطأتك على يهود المعتدين، اللهم املاء بيوتهم وقبورهم نارًا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    

 

 

        عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) تفسير ابن جرير (24/50).

([2]) تفسير ابن عطية (5/402).

([3]) تفسير ابن كثير (8/275).

([4]) انظر: موارد الضمآن (1/56).

([5]) رواه البخاري.

([6]) انظر: منهاج السنة (3/234).

([7]) حلية الأولياء (9/124).

([8]) رواه البخاري

([9]) شعب الإيمان (19/405). 

([10]) انظر: النهاية في غريب الأثر (3/ 629)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة