بسم الله الرحمن الرحيم
وَهْمُ الضعفِ والشيخوخة!
8 / 4 / 1446هـ
إن الحمد لله...
إن دائرة الحياة تستمر، لا يوقفها زمن، ولا يُبطِئها عامل، فالقطار يمضي، والركب راحلون حتى يبلغوا بمطاياهم أجلًا محتومًا، وكلما دار الزمان كلما تقدم عداد الأعمار، وكلما دنا أحدُنا من شيخوخته، وهذه سنة الحياة من العليم القدير على عباده، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الروم: ٥٤ ، وهنا وقفاتٌ نضيء بها سماء من بلغ الشيخوخة من عُمُره، أو من دخل شاطئه زمن التقاعد، وأرسى على ضفاف حياة جديدة.
وهم الضعف والشيخوخة!
ينبغي لنا أن نوضح لكبار السن مكامن القوة في حياتهم، ونركز عليها، ولا نجعلهم يغرقون في وهم الضعف والوَهَن، فقد تكون أيامُ الشيخوخة هي أكثر أيام الحياة ازدهارًا وإبداعًا، قال ﷺ : "خيرُكُم مَن طالَ عُمرُهُ، وحسُنَ عملُهُ"([1]).
الشيخوخة مجرد رقم لا أكثر!
-عُمُرُ الشيخوخة هو مجرد رقم، ولا ينبغي أن يَجعَلَ الإنسانُ الأرقامَ العُمُرية هي المسيطرة على حياته، والتي تخضع لها انفعالاتُ الحياة، فمعالجةُ الجانبِ النفسي في زمن الشيخوخة، وغرسُ التفاؤلِ والابتهاجِ هو خير مساعد في انفتاح الروح مهما بلغ عُمُر الإنسان.
لذة الحياة لا تنطفئ بانطفاء ملذاتِها الجَسدية!
علينا أن نبين لكبار السن فينا أن لذة الحياة لا تنطفئ بمجرد ذبول اللذات الجسدية، بل إن أعظم اللذات هي الانسجام الفكري والروحي بالعبادات الجسدية، والتأملات في عظيم صنع الخالق، والتفكر في كتابه الذي يُولِّد إيمانًا مشرقًا بالسعادة، ويقينًا مضيئًا بالطمأنينة (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد: ٢٨ ، فالصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، بوابةٌ للراحة النفسية، وهو أمر مُؤَكَّد بدراسات تحليلية في علم النفس، لأن الروح تتعطش للإيمان كما يتعطش الجسد للأكل والشراب.
تَقَبَّل الواقع العمري!
لنحاول أن نكشف لكبار السن أنَّ تَقَبُّل المرحلةِ العمرية هو من أسباب السكينة، والوصولِ إلى الانشراح، فتقبُّلُ واقِعَكَ الذي تعيشُه الآن هو أن تتعايش معه، وتتصالح مع حوادثه وما يكون فيه، وليس بالضرورة أن توافق عليه، فقط تقبل أنك دخلت في سن التقاعد، وتقبل أنك فقدت عزيزًا على قلبك، وتقبل أنك فقدت شيئًا من القوة، لأن الرفض الداخلي للواقع المُتحتِّم الذي يعيشه الإنسان يصيبه بالألم النفسي، والذي قد يتطور إلى ألم عضوي، ثم يُقْعِده ذلك عن المشاركة المُجتمعية الحافلة، ومن أعظم الأحاديث التي تشرح التقبل، قولُه ﷺ:"عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له" ([2]).
أظهر مدى احتياجك لكبير السن !
-كما يَجْمُلُ بالأبناء عند بلوغ الآباء الكِبَر أن يجعلوا نُصبَ أعينِهِم: إ(ِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) الإسراء: ٢٣ ، ما أعظمها من آية، وما أجلَّها من قيم، (وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، فمِنَ القول الكريم لهما أن نغذيَهم بعبارات الحب، ونسقيَهم بجمل الرحمة، وأن نُظهِر مدى احتياجنا لهم، وسعادتِنا بوجودهم في حياتنا، نسعى جاهدين لردِّ الجميل لهما، والصبرِ على تقديم الرعاية الصحية والطبية لأجلهما، وأن نخطط لعلاقاتهم الاجتماعية. نعم. نخطط لعلاقاتهم الاجتماعية. فنقترح عليهم الذهاب مع أصحابهم القدامى، ونوسع من صداقاتهم، وألا ننساهم حبيسي البيوت، محاصري الجُدُر، فإنهم إن اعتادوا ذلك فقدوا حيزًا كبيرًا من مُسامرة الحياة، ولذة المُؤانسة، فإذا جاء وقت فراغهم شجعناهم على البحث والقراءة والاطلاع، حتى نُنعشَ لهم ذاكرتهم، وتبقى حيةً نَشِطَة، فإن الأمية في كبار السن في هذه الأيام كادت أن تكون معدومة بحمد الله، وإن من أكبر المشكلات لدى كبار السن العيشَ في فراغهم، فإن الفراغ حادٌّ وقاتل لو تشعرون.
التخطيط لسن التقاعد !
ورسالة أخرى نتحاور فيها! بينما الإنسان وهو في صبوة العمل، ومشاركته في الاجتماعات والتنظيمات الحكومية، أو في القطاع الخاص، إذْ بقطار الحياة يلقيه على محطة التقاعد، ويعطيه رحلة بلا عودة، ومرحلةُ التقاعد تأتي فجأة من غير تدرج، وقد تكون مرحلةً هي أصعب مراحل الحياة، فيفقد شيئًا من الجاه، ويرتحل جزءٌ من مُرَتَّبه الشهري، ويملأُ الفراغُ حياته بكامل كَلْكَلِه، وهنا لا بدَّ لكل واحد منا أن يخطط لما بعد التقاعد، وأن يعزم على أن يكون تقاعدُه هو حياتُه التي يولد فيها من جديد، وأن يُرسِّخ قبل تقاعده أيمانَه بالله، ومن أعظم الخطط المستقبلية، والتي تكون بها الموازنة بين عمل الدنيا والآخرة قولُ القائل: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا"([3]) فمن الآن عود بدنك على طاعة الله، كأن الموت غدًا، عودها على الصلاة، والقيام، والصيام، حتى إذا ما جاء سِنُّ التقاعد، أو مرَّ بك سِنُّ الوَهَن وجدت روحَك وجسَدَك معتادةً على عمل الخير، منساقةً لها انسياق الهواء بين النسيم، وتَنَبَّه! فإن العُمُر لم يكن يومًا من الأيام سيفًا مُسْلَطًا يعطل حياة الإنسان، وليعلم المرء بأن أكبرَ أكذوبة يسمعها في حياته أن كبير السن لا يقدم شيئًا للمجتمعات.
فاللهم أحينا حياة هنية، وارزقنا عيشة مرضية، وردنا إليك مردًا غير مخز ولا فاضح، يا ربَّ العالمين.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
العادات الغربية وأثرها في إزهاق المسنين نفسيًا.
ونحن في المجتمعات الإسلامية نحمد الله أن قيم الاعتناء بالمسنين راسخةٌ برسوخ الإسلام، باقيةٌ بقاء قول المصطفى ﷺ:"ليس منا من لم يرحمْ صغيرَنا، ويُوَقِّرْ كبيرَنا" ([4])، إن المسلمين يقدسون النص النبوي القائل: "إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ"([5])، فلذا تجد في مجتمعاتهم من التماسك والاجتماع، وتحقيق الأسرة المتماسكة إلى الأبد، ويرون المُسنَّ فيهم عقلَ الحكمة، ورأسَ الحل لمشاكلهم، بينما المجتمعات الغربية المتفككة تسود فيها النزعة الاستقلالية، وتُقَدَّسُ فيها الحياةُ والنفسُ أكثر من مفهوم الأسرة والعائلة، فما أكثر ما يشعر المسنون فيها بأنهم عالةٌ على الحياة، وذلك بهجر أبنائهم لهم، وتَذمُّرِ بعضِ أفراد المجتمع منهم، فيبقون في تزايدِ الأمراضِ النفسية، والانهياراتِ العصبية، مع خلو قلوبهم من الإيمان، والذي هو بلسم الرضى بالقدر، وانتظارِ موعود الله لعباده الصالحين، بل الخواء الروحي أقلقهم، وجعلهم يكرهون الحياة، ويتمنون ما أسموه بالقتل الرحيم، وكم سمعنا من حوادث لجثث تعفنت في شقق سكنية، هي لكبار سن، لم يجدوا من يتفقَّدُهم يومًا من الدهر.
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والشكر للمعطي على رونق الإيمان، فاللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مؤمنين...
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
(2) رواه الترمذي بإسناد صحيح.
(2) رواه الترمذي بإسناد صحيح.
(2) روي من قول عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، ومعناه صحيح.
(1) أخرجه أبو داود، وأحمد واللفظ له.
(2) أخرجه أبو داود. وإسناده حسن.