مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:34:28

أيه المثقل حزنا. أتاك العيد

بسم الله الرحمن الرحيم

أيه المثقل حزنًا. أتاك العيد

1 / 10 / 1442هـ

الحمد لله قَلَّبَ الدهور وعظَّم الثواب، وأَمَرَّ الشهور وجدَّد الأثواب، شرَّعَ العبادة للمتعبدين، وختم طوافهم بجوائز الفائزين، ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) يونس: ٥٨، أشهد أن لا إله إلا الله، عدد ما صام صائمٌ بنهار، وقام قائمٌ بليلٍ واستغفر بأسحار، جعل لكل أمة عيدًا فقال: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا)  ([1]) الحج: ٦٧ .

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وأمينه على وحيه، كان أجودَ الناس، وأصفى بقلبه من الألماس، ذا الريحِ المرسلة، والعبادةِ المسترسلة، تفطرت قدماه، فتواضع شكرًا لمولاه، وأجاب ربًّا  إلى المحاسن دعاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أولى الأيدي والأبصار، أما بعد:

الفرح في العيد من سنن الإسلام.

عباد الله. إن "إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين"([2])، فإظهار الفرح وإعلان البشر أمرٌ شرعيٌ وذوق مَرْعِي، وصاحبه مأجور، وله من الحسنات ما هو موفور.

خرجتم كما خرج مليارُ مسلم، لَبِسْتُم الجديد، وتعطرتم بالمسك التليد، وطارت أرواحكم بِشْرًا وسرورًا، قبل أن تلتقيَ أجسادُكم غبطةً وحبورًا.

خرجتم فرحين، كما هو حال نبيكم يوم أذن للجاريتين تغنيان عنده جَذِلَتَين([3]).

خرجتم في أثواب السعادة لِتُعْلِموا العالم كلَّه أن في دينكم فسحة، وكان النبي في العيد ينظر إلى الحبشة وهم يرقصون بالدَّرَق والحراب ويقول:" إني بعثت بالحنيفية السمحة"([4])، فالفرح بالعيد من تعظيم أمر الله، (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج: ٣٢

بوب البخاري: بابٌ: في العيدين والتجمُّلِ فيه، وأورد فيه أن عمر أخذ جبة من إستبرق تباع في السوق، فأتى بها رسول الله فقال: يا رسول الله، ابتع هذه تجمل بها للعيد والوفود([5]).

في العيد جمال المظهر، والمخبر.

ومن مظاهر الفرح بالعيد: التجمل فيه بطيب المظهر، والتلطف فيه بحسن المَخْبَر، بجمال الثياب، وصفاء القلوب بلا ارتياب، بنقاء الخبايا، واطِّراح الملامة والعتاب، كما خرجتم متطهري الأبدان قد اغتسلتم بالماء، فاخرجوا سليمي الصدور، قد نزعتم عنكم سخيمة القلوب والبغضاء.

فالعيد نَقْلِبُ فيه صفحات الماضي، ونطوي فيه ما كان من التباعد والتقاصي، ولذلك كان العيد غذاءً للوجدان الاجتماعي: على صعيد الأقارب والجيران، والأهل والخلان، بين أفراد الأمة كلِّهم.

منَ اليَومِ تَعارَفنـــــــــــــا     وَنَطوي ماجَرى مِنّا

وَلا كانَ وَلا صــــــــــارَ       وَلا قُلتُم وَلا قُلنا

كَفى ما كانَ مِن هَجرٍ     وَقد ذُقتُم وَقَد ذُقنا

وَما أَحسَنَ أَن نَرجِــــــــــــــــــــــعَ لِلوَصلِ كَما كُنّا([6])

جمال العيد بجمال الإسلام، ونبذ الآثام.

        وإن جمال العيد قد تكفل الإسلام بروعته، وجلَّله التشريع ببهائه، فمَنَحَنَا فائض الفرح، وأعطانا رفع العسر والضيق والترح (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)

ولا يأت الضيقُ إلا إذا ضيَّق الإنسان على نفسه بإسباله المعاصي، ولا يذهب رونق العيد إلا إذا أغرقه المسلم بإسراف الذنوب اللواتي، ولذا لما قال عمر يا رسول الله، ابتع هذه الحرير تجمل بها للعيد والوفود، قال له مبينًا وسطية الاعتدال:" إنما هذه لباس من لا خلاق له" رواه البخاري، فأنكر عليه التجملَ بالحرام، ولم ينكر عليه التجمل بجمال ما أحله الإسلام.

فالعيد لمن أطاع ربَّ العبيد، وكمَّل حسنَه بلُبس الجديد، والعيد لمن ترك الخطايا والذنوب، وأتْمَمَ سناءه بأطايب المطعوم وحسن المركوب.

نظرات في التكبير ليلة العيد وأول يومه.

ومن هنا خرج المسلون من شهر صومهم معظمين الله يقولون في الأسواق والمجاميع: "الله أكبر"، تُجَلجِل هذه الكلمة سماء الآفاق، وتمتلئ بها القلوبَ وتَقَرُّ بها الأحداق، قل: "الله أكبر" واستشعر أنه من كل شيء أكبر، "الله أكبر" تعالى شأنًا، وعَظُم سلطانًا، "الله أكبر" حتى لا يُترك لأحدٍ كبرياء في الأرض إلاَّ تُذَلَّ شوكته، "الله أكبر"  حتَّى لا يبقى في الكون إلاَّ كبرياء الله تبارك وتعالى، "لو كبَّرت قلوب المسلمين كما تكبِّر ألسنتهم بالعيد، لغيَّروا وجه التاريخ، ولو اجتمعوا دائمًا كما يجتمعون لصلاة العيد، لهزموا جحافل الأعداء، ولو تصافحت نفوسهم كما تتصافح أيديهم؛ ولقضوا على عوامل الفرقة"([7])

(لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)البقرة: ١٨٥

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله،

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد

الخطبة الثانية:

 الحمد لله...

وصية النبي للنساء في العيد.

عن ابن عباس، قال: شهدت صلاة الفطر مع نبي الله ، فنزل نبي الله كأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم، حتى جاء النساءَ، ومعه بلال، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) الممتحنة: ١٢ فتلا هذه الآية حتى فرغ منها، ثم قال: حين فرغ منها: "أنتن على ذلك؟" فقالت امرأة منهن: "نعم، يا نبي الله"، قال: «فتصدقن»، فبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ، والخواتم في ثوب بلال.

فالله الله يا نساء المؤمنات، أنتن صمام أمان المجتمعات، وبِكُن يُفوَّج المتخرجون من مدارس التربية، ومحاضن الإصلاح والعفاف.

تذكير بأخذ سبل الوقاية من الوباء.

 عباد الله.  إن من نعم الله على العالم أنْ علَّمَهم دواء الوباء، وأسبابَ دفع البلاء، فمن تمام التوكل الأخذُ بما يوجب طرد العدوى، والتمسكُ بما يجلب لباس العافية، وإن من أهم ذلك: اتباع الإرشادات الصحية، والاحترازات الوقائية، ولنعلم أن الدول تبذل الغالي والنفيس في سبيل التحصين الجمعي، والوقاية الشاملة، فلنكن عونًا لا هدْمًا، ولنمض قُدُمًا لا رجْعًا، وليكن هِجِّيرَانا: بالله يُستدفع البلاء، ولا حول وقوة لنا إلا به.

فاللهم إنا نسألك العافية...

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  فسر ابن عباس المنسك: بالعيد، كما رواه ابن جرير، وهو معنى صالح، قال ابن تيمية:" الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع " الاقتضاء (1/528) 

([2]فتح الباري (2/443)

([3]متفق عليه

([4]متفق عليه

([5]رواه البخاري

([6]ديوان بهاء الدين زهير، من العصر المملوكي.

([7]هكذا علمتني الحياة، لمصطفى السباعي(ص:119)

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة