بسم الله الرحمن الرحيم
12/11/1441
"أجلُّ نعمة"
العافية
الحمد لله...
ثقيلٌ على النفس فقدانُها، عزيزٌ بين الناس وجودُها وكمالُها، بها تقوم الأجساد، ويركب الفارسُ فيها صولةَ الجهاد، وبها تحيا العِبرُ والعِبَارات، وتندرس الآلام والعَبَرَات، ويظهر للسعادة بريق وانشراح، ويكون للحزن بُعْدٌ وانزياح، وما أُعطي العبد نعمةً أنعم منها.
إنها العافية.
قال ابن القيم:" العافية من أجلّ نعم الله على عبده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجل النعم على الإطلاق"([1]).
ولأهمية العافية أمرك رسول الهدى ﷺ أن تلهج بسؤال الله إياها، فقال ﷺ: "سلوا الله العافية"([2]).
معنى العافية:
والعافية هي: الأمن من كل ما يضر في الدنيا والآخرة: من عافية الدين، والنفس، والعرض، والمال، والعقل.
أساس العافية هي عافية الدين وسلامة المعتقد:
وإن أساس العافية هي عافية الدين، وأعظمُ سلامةٍ للمرء أن يسلم في توحيده عن الشرك والخرافات والبدع.
فالعافية لا تكون في شجرة تُعلَّق عليها الأنواط، ولا في أموات تذبح الذبائح على أعتابهم وأنصابهم.
قال الطرطوشي: "انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها"([3]).
فلا أمان للعبد في شامل دنياه، ولا قرار له في وعد آخرته إلا بسلامة الدين، وصيانة التوحيد من أوهام الخرافات والوثنية، فلا قبرَ مُشيّد، ولا وثنَ يُقصد.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) الأنعام: ٨٢
فليست العافية عافية الدنيا فحسب، بل أعظم العوافي أن يسلم دينُك في الدنيا فتعافى في الآخرة.
قال ﷺ :" يا عباس يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة"([4])، وفي لفظ:" فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت"([5]).
من خرافات الوثنية عينٌ تُسمى بـ(عين العافية):
وكان في بعض البلاد عينُ ماء، تسمى بـ (عين العافية)، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح، أو ولد، يقال له: امض إلى العافية، فَفَتنت هذا العين الناس، فخرج بعض العلماء المصلحين في وقت السحر فهدمها، وأذن للصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن([6]).
الأموات أحوج الناس إلى العافية:
يا عبدالله. أمرك رسول الهدى ﷺ أن تدعو للأموات، لا أن تطلب منهم الدعاء وإن كانوا صالحين علماء (قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) الرعد: ١٦، فكان ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر، أن يقولوا: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية"([7]).
الله معبودٌ محمودٌ مع العافية أو البلاء:
يا عبدالله. جرت سنة الله في خلقه أن ينوع عليهم تقديرَه، ويلون عليهم قدرَه وتدبيرَه، من صحة ورخاء، إلى مرض وضيق وعناء، ومن فرح وحبور، إلى شدة وثبور.
ولوكان العبد على حالة واحدة من الشدة، لما عرف للنعيم مذاقًا وحلاوة، ولو كان على حالة واحدة من النعيم والرفاة لما عرف للشكر طريقًا وسلوكًا (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) الأنبياء: ٣٥
والله يحب من عبده أن يكون مُكمِّلاً عبوديتَه في السراء والضراء، وفي وقت العافية والبلاء، عارفًا سوابغَ نعم الله عليه في المنشط والمكره، فالقلب لا يصلح إلا بتقليب الأمور عليه، من حال إلى حال، فلا نعيم دائم؛ حتى لا يتبطر وتجبر، ولا بؤس دائم؛ حتى لا يقنط ويكفر ويتحسر.
كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والجوع والشبع، وقد تكون تلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني وتحصيل الاستقامة المطلوبة منه([8]).
لا تتمنى الضرر، ولا تنتظر المصيبة:
قد يرى بعضُ الناس ما رزقه الله من النعمة، فيتمنى أن يُبتلى، ظنًا من نفسه قوةَ الإيمان، ورسوخَ الصبر، فإذا وقع البلاء عليه لم يجد لذلك صبرًا، ولم يطق لذلك حياة وكان الأجدر له أن يأخذ بوصيته ﷺ (سلوا العافية)
وقد يظن العبد أن النعمة مع شكرها أقلُّ حظًا وأجرًا من النقمة مع الصبر عليها، فيتمنى النقم! وليس هذا فهم السلف.
بل كن شاكرًا متقلبًا في نعم الله، فأنت في خير ونُعْمَى عَين، ولا تظننّ بالله إلا خيرًا و(سل العافية).
وقد قال الصديق-رضي الله عنه-: "لأن أُعافى فأَشكُر أحب إليّ من أن أُبتلى فأصبر"
عاد ﷺ رجلا قد جهد حتى صار مثل الفَرْخ، فقال له ﷺ: "أما كنت تدعو؟ أما كنت تسأل ربك العافية؟" قال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال ﷺ: "سبحان الله، إنك لا تطيقه أو لا تستطيعه، أفلا كنت تقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"([9]).
فاللهم فقهًا في دينك، وسدادًا لمعرفة طريقك، وعافيتك ومعافاتك في الدنيا والآخرة.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
العفو والعافية والمعافاة:
وحتى تستقيم لك أمر العافية الشاملة، وتسير إلى الله مَحُوطًا بالسلامة من كل شيء، فسل الله ثلاثًا:
العفوَ، والعافيةَ، والمعافاةَ، فالعفو: الأمن من كل شر فات، والعافية: الأمن من كل شر حاضر، والمعافاة: الأمن من كل شرر قادم، قال ﷺ:" سلوا الله الْعَفو والعافية والمعافاة فَإِنَّهُ مَا أُوتِيَ عبد بعد يَقِين خيرًا من معافاة "([10]).
كم مرة ورد سؤال العافية في اليوم الواحد؟
عبدالله. جاء سؤال العافية في اليوم الواحد في أكثر من حال، وأكثر من منقلب. و"لقد تواتر عنه ﷺ دعاؤه بالعافية لفظًا ومعنى من نحو من خمسين طريقا"([11]).
فعند تقلبك في الصباح والمساء، وقبل تقلبك في المنام، وفي تقلبك في صلاتك، كلُّ تلك مواطن سأل فيها ﷺ ربَّه العافية.
فلم يكن رسول الله ﷺ يدع هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يمسي يقول: "اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي..." ([12]).
وكان ﷺ يقول عند النوم: "اللهم إني أسألك العافية"([13]).
وكان ﷺ يقول بين السجدتين: "اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني"([14]).
التأكيد على سؤال الله العافية حال الأزمات:
فحري بنا أن نكثر من سؤال العافية، خصوصًا ونحن في أزمة صحية أظلت العالمين، تنام معهم حيث ناموا، وتقيل حيث قالوا.
وتَذَكَّر يا عبدالله أن تحمد الله أنْ سلمك، وسل الله العافية لغيرك، وإياك والشماتة قال ﷺ: "من رأى مبتلى، فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء" ([15]) .
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(2) الطب النبوي (1/159)
(2) رواه البخاري
(1) الحوادث والبدع (ص:18).
(1) رواه الترمذي، وصححه.
(2) المرجع السابق.
(2) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (1/211)
(2) رواه مسلم
(1) انظر: إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (2/190)
(1) رواه الترمذي، وأصله في مسلم.
(2) رواه النسائي في عمل اليوم والليلة.
(2) تحفة الأحوذي بشرح الترمذي(9/349) بتصرف يسير.
(2) رواه أحمد بسند صحيح.
(3) رواه مسلم.
(4) رواه أبو داود.
(4) رواه الترمذي وقال حسن غريب.