بسم الله الرحمن الرحيم
"من عادى لي وليًا"
3 / 10 / 1445هـ
الحمد لله...أما بعد:
من أسمى المقالات، وأجزل الكلمات، وأرقى الجمل والعبارات، أصدقها واقعًا، وأرجاها مستقبلاً، وأنعشها قلبًا، هي أحاديث النبي الكريم ﷺ، وهاهنا حديث من أحاديثه قيل فيه إنه (أشرف حديث في ذكر الأولياء)،و له مناسبة بعد انقضاء شهركم المُكرَّم.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى قال: مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"([1]).
إيذاء المؤمنين.
(مَن عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب) إن الإنسان ما دام في دوحة الإسلام فشعاره أولًا السِّلْم والموادعة؛ فلذا كانت تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فإن انتقل المرءُ من ترك السلام إلى الاعتداء، وترك الموادعة إلى الإيذاء فقد اختل عنه ميزانٌ من موازين الإسلام. بل إن الله قد رتَّب الإثم المبين على من آذى عباد الله، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) الأحزاب: ٥٨
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أيُّ الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم"، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) ([2]).
وكلما كان المؤمن ذا ميزة عند الله، أو ذا قرابة منك، أو ذا جيرة إليك فإن إيذاءه أوقع عند الله وأعظم من أذى غيره، حتى ولو كان المؤذي مصليًا متصدقًا، فعلى سبيل المثال: إيذاء الجار ليس كإيذاء غيره، فمن آذى جاره لا خير فيه. قيل للنبي ﷺ: يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم النهار، وتفعل وتصدق وتؤذي جيرانها بلسانها، فقال رسول الله ﷺ: "لا خير فيها، هي من أهل النار" قالوا: وفلانة تصلي المكتوبة وتصدق بأثوار-الشيء اليسير-، ولا تؤذي أحدًا، فقال رسول الله ﷺ: "هي من أهل الجنة"([3]).
وكذلك إيذاء أولياءِ الله ليس كإيذاء غيرهم، فالله يحب (الأولياء) وهم الأبرار الأتقياء، الذين إذا غابوا لم يُفتقدوا، وإذا حضروا يُعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون من كل غَبراء مظلمة، فمن آذى هؤلاء فقد أعلمه الله بحربه، والله أسرع شيء إلى نصرة أوليائه، أَوَ يظن الذي يحاربُه الله أنْ يعجز الله؟ أم يظن الذي يبارزه الله أن يسبقَه أو يفوتَه؟ كيف والله الثائر لأوليائه في الدنيا والآخرة، فلا تفكر بأذية المقربين الصلحاء.
الاهتمام بالفرائض.
(وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبَّ إلي مما افترضته عليه)، هذا نوع من أنواع الأولياء: الذيم يحافظون على الفرائض، ويشمل ذلك من فعل الواجبات، وترك المحرمات.
قال عمر بن الخطاب: "أفضل الأعمال أداء ما افترض الله، والورع عما حرم الله"؛ ولذا كان من أعظم الفقه أن يعلم الإنسان أن صلاته للفريضة أعظمُ من صلاته في جوف الليل، وأن صيامه لرمضان، أعظمُ من صيامه الدهر كلَّه، فكل فرائض الله أحقُّ أن تُعظم في النفوس، وأن يرجو الإنسان من صادق قلبه بفعله لها الثوابَ الجزيل والأجرَ العميم، فبض الناس تجده يجتهد في نوافل الصلاة-وهذا أمر حسن- لكنه في الفريضة يأتيها بقلب غافل، وجسد متأخر، مع أن الفرائض أوفرُ أجرًا، وأكملُ أصلاً، وأعلى مرتبة، وهذا -وعمرُ الله- لهو من مداخل الشيطان، يحسن إلى جيرانه، ولكنه مسيءٌ إلى أرحامه، يتصدق من ماله، وهو آكل لحقوق الآخرين، ولا يسدد ديونه...بل إن العبد لا تقبل منه النافلة إذا كان مضيعًا للفريضة، فلو افترض أن رجلاً لا يصلي الفرائض، لكنه يقوم شيئًا من الليل، فإن صلاته لليل غير مقبولة، لأن النبي ﷺ قال: "إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ"([4]).
وإنما تنفعه النافلة إذا كان هنالك تقصيرٌ في فرائضه لا تضييعٌ لها، ولهذا قال النبي ﷺ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا كُتِبَتْ لَهُ كَامِلَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَهَا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَأَكْمِلُوا بِهَا مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَتِهِ، ثُمَّ الزَّكَاةُ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ"([5]).
الاستكثار من النوافل.
(ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، وهو هو النوع الثاني من الأولياء، وهم الأولياء المقربون، الذين زادوا على فعل الفرائض بالاستكثار من النوافل، فإيذاء هؤلاء أشد جرمًا من النوع الأول.
فإن العبد إذا فعل الفرائض استحب له بعد ذلك الاستكثار من النوافل، فإن النوافل جوابرُ للفرائض، ومكملات للنقص الذي فيهن، بل الاستكثار من النوافل سبب في علو الروح، وسمو النفس، ونقاء السريرة، والقرب من الله، والتنائي عن الفتن، وكلما أكثر العبد من النوافل كلما أحبه الله، وزاد في مراتب الحب، فعن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله ﷺ فأتيتُه بوضوئه وحاجته فقال لي: "سَلْ" فقلتُ: أسألكَ مرافقتَكَ في الجنة. قال: "أو غير ذلك" قلتُ: هو ذاك، قال:" فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود"([6]). والمقصود بكثرة السجود هو الاستكثار من نوافل الصلاة، وعن أم حبيبة، زوج النبي ﷺ أنها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول:" ما من عبد مسلم يصلي لله كلَّ يوم ثنتي عشرة ركعةً تطوُّعًا، غيرَ فريضة، إلا بنى اللهُ له بيتًا في الجنة" ([7])، فمن استكثر النوافل فقد وجد الله، ومن وجد الله فقد وجد كلَّ شيء، ومن فاته الله فقد فاته كلُّ شيء.
(ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، كان من دعاء النبي ﷺ: "اللَّهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالعمَل الَّذِي يُبَلِّغُني حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعل حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِن نَفسي، وأَهْلي، ومِن الماءِ البارِدِ"([8])، فمن أحبَّ الله بصدق، لم يكن عنده شيء مُقدَّمٌ على الله، ومن أحب الدنيا بجموح، لم يكن عنده شيء مُقدَّمٌ على الدنيا، ومن أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى من النوافل كثرةُ تلاوة القرآن، وسماعِه بتفكر وتدبر وتفهم، قال خباب بن الأرت لرجل: "تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه".
أقول ما تسمعون...
الخطبة الثانية. الحمد لله.
مرتبات المحبة.
"فإذا أحببتُه كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"
فإذا عمل المؤمن الفرائض، وكمَّلها بالنوافل فقد أحبه الله، ولا تسأل بعد ذلك عن حفظ الله ووقايته لعبده، فإن الله إذا أحب عبدًا استعمله في طاعته، وأوقعه في كل خير، وأقصاه عن معصيته، وجنبه مواطن غضبه، فكان الله سمعه: فلا يُسمِع العبد إلا الخير. وكان الله بصره: فلا يُبصر العبد إلا إلى ما يُرضيه، وكان الله يدَه ورجلَه: فلا يستعمل ذلك إلا في سبيله، وابتغاء جنته ومراضيه، وبالجملة فكلما رأيت نفسك -بجوارحك- في طاعة الله أكثر فمحبة الله لك أعظم وأوفر، وكلما رأيت نفسك في غير مراضي الله، متنائيًا عن محال عبادته، فمحبة الله لك أقل وأخطر، وكلما استكثرت من النوافل والقربات كلما تعالى شأنك، وأصبحت من المُحبين لربك، بل وفوق ذلك وعد الله لك: "لئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" يعني أن هذا المحبوب المقرب، له عند الله منزلةٌ خاصةٌ تقتضي أنه إذا سأل الله شيئًا، أعطاه إياه، وإن استعاذ به من شيء، أعاذه منه، وإن دعاه، أجابه، فيصير مجاب الدعوة لكرامته على الله عز وجل، وإن من أولياء الله من كان مجاب الدعوة، فكان أبو مسلم الخولاني مشهورًا بذلك، فكان يمر به الظبي، فيقول له الصبيان: ادع الله لنا أن يحبس علينا هذا الظبي، فيدعو الله، فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم. وكذب رجل على مطرف بن عبد الله بن الشخير، فقال له مطرف: إن كنت كاذبًا، فعجل الله حتفك، فمات الرجل مكانه.
فيا عباد الله: لا تؤذوا عباد الله وأولياءه، ويا عباد الله، ألزموا الفرائض فهي أعظم الأوامر، واستكثروا من الطاعات النوافل فهي من موجبات المحبة والدعاء.
معاشر الكرام: كم دعونا الله في رمضان، وكم صلينا من القيام، وكم تلونا من القرآن، إن كلَّ الحظ وأفر النصيب أن يستتبع الإنسان ذلك بالمداومة، فإن أرجى علامات قبول العمل: إتباعُ العملِ العمل، فلقد كان حال رسول الله ﷺ غيرَ حال أغلبنا؛ فقد كان ﷺ إذا عمل عملًا صالحًا أثبته وداوم عليه، فتروي أمُّ المؤمنين عائشة فتقول: كان رسول الله ﷺ أحبُّ الصلاةِ إلى النبي ﷺ ما دُووم عليه وإن قَلَّتْ، وكان إذا صلى صلاةً داوم عليها.
فلا تقنط نفسك من خير يا عبدالله، ولو بركعة قبل أن تنام، وصيام -من كل شهر- ثلاثةَ أيام، وبختمة -في 30 يوم- من القرآن، فإن الإيام تمضي ولا تؤول، والعمر يُطوى ولا يُمد، والصحة في تناقص لا ازدياد، والسعيد من اغتنم خمسًا قبل خمس، وبادر بالأعمال سبعًا.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه البخاري.
([2]) أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد.
([3]) رواه البيهقي.
([4]) رواه أبو داود.
([5]) رواه أحمد.
([6]) رواه مسلم.
([7]) رواه مسلم
([8]) رواه الترمذي.