مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:24:40

الذبح عبر الدهور والسطور

بسم الله الرحمن الرحيم

3/12/1441

"الذبح" عَبْر دهورٍ وسطور

الحمد لله...

عبادة عظيمة، هي فيصلٌ بين أهل الإسلام وأهل الأوثان، تقع من الله بمكان قبل أن تقع على الأرض، عبادةٌ تدل على القُرْب والانكسار، والتواضع والافتقار، عبادةٌ تَطَّرح الكبرَ، والخوفَ من الفقر، هي أجل العبادات المالية، وأسنى القُرَب الإيمانية، إنها عبادة الذبح لله.

تعريف الذبح:

والذبح إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص([1]).

الذبح لله قرين الصلاة:

وعبادة الذبح هي قرينة الصلاة، فقد كان كثيرَ الصلاة، كثيرَ النحر، ولمّا أعطاه الله الكوثر، أمره أن يشكره بأن يصليَ له وينحر: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ( الكوثر: ١ – ٢، وقد أمر الله الناس أن يوحدوه في كل ذلك، فقال: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ( الأنعام: ١٦٢ – ١٦٣، والنسك: الذبح.

ابتلاء إبراهيم بذبح ابنه، وإنقاذ البشرية:

        ولما دعا إبراهيم ربه الولد فأُعْطِيَه، تعلّق إبراهيمُ بحبّ ولده، فأمره الله بذبحه في المنام ليكون الابتلاء والامتحان، "وليس المراد أن يُعذِّب، ولكن الله يبتلي ليُهذِّب، وليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد إنما العجب من مباشرة الذبح بيده"([2]).

فلمّا بادر الخليل إلى الامتثال، وقدّم محبةَ الله على محبة ولده، حصل المقصود فرُفع الذبح، وجاءته البشرى: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(  الصافات: ١٠٥ – ١٠٧، فكتب الله بهذا الفداء إنقاذَ البشريّة، وإلا لذبح الناس ذويهم وذراريهم، قال ابن عباس: "لو تمت تلك الذبيحة لكانت سنة، ولذبح الناس أبناءهم"([3]).

فتنة بني إسرائيل بذبح البقرة:

وفي غابر الأخبار أن الله أوجب الذبح حتى يبين ضعفَ الآلهة التي تُعبَد من دون الله.

فقد أخبرنا الله عن بني إسرائيل أنهم فُتنوا بعبادة البقر والعجول، فابتلاهم الله أن يذبحوا بقرة، (إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً)  البقرة: ٦٧

ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذى يُذبح ويُتخَذ للحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل([4]).

فتنة الإسرائيلي بتقريب ذبابة:

ومن أخبار الإسرائيليين أيضًا، وما أعجبَ أخبارَهم! ما قاله سلمان الفارسي: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف؟ قال:"مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يُقرّب له شيئًا. فقالوا لأحدهما: قرّب. قال: ما عندي شيء. قالوا: قرّب ولو ذبابًا، فقرّب ذبابًا فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرّب. قال: ما كنت لأقرّب لأحد شيئًا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة"([5]).

ففي هذه القصة بيان خطورة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى هذا لمّا قرب لهذا الصنم أرذلَ حيوان وأخسَّه (وهو الذباب) كان جزاؤه النار، إذْ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) المائدة: ٧٢.

من عوائد الجاهلية، (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) المائدة: ٣:

وكان من عوائد الجاهلية هَوسُهم الشديدُ بتعظيم الأنصاب، والأنصاب غيرُ الأصنام.

أما الأصنام: فهي أحجار منقوشة مصوَّرة على هيئات.

وأما الأنصاب: فهي أحجار غيرُ منقوشة.

ومن فِعْلِهم بالأنصاب أنهم يجمعون حول الكعبة كمًّا هائلاً من الأحجار غيرِ المنقوشة، تبلغ ثلاثَمئةٍ وستين نُصُبًا، ثم يذبحون عليها، ويتقربون لها، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم ورشّوه على الحجارة، وشرَّحوا اللحم وجعلوه عليها([6]). فقال المسلمون: يا رسول الله. كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمَه، فأنزل الله تعالى: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا) الحج: ٣٧([7]).

فهذه اللحوم هدر، ذبحها شرك، وأكلها حرام، "فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فُعلت عند النُصُب حتى ولو كان يُذكر عليها اسمُ الله في الذبح"([8]).

قال الأعشى:

وَذَا النَّصْبِ الْمَنْصُوبِ لَا تَعْبُدَنَّهُ

لِعَاقِبَةٍ وَاللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا([9])

من عوائد الجاهلية، (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) البقرة: ١٧٣:

وكان من عوائد الجاهلية مع الأصنام، أنهم يذبحون لها، ويسمون اسم الصنم على الذبيحة ويجَهرون بالتسمية، فيقولون: "باسم اللات" "باسم العزى"، وهذا هو الإهلال الذي حرمه الله فقال: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) البقرة: ١٧٣، والإهلال: رفع الصوت، فكانت الجاهلية تصيح باسم المذبوح له عند الذبح تعظيمًا له([10]).

من عوائد الجاهلية العَقْر على قبر الجواد:

وكان من عوائد أهل الجاهلية أنهم كانوا يذبحون الإبل على قبر الرجل الجواد الكريم يقولون: نجازيه على فعله، لأنه كان يعقرها في حياته، فيُطْعِمُها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير.

قال ابن باز: "فهذا من عمل الجاهلية، وهو منكر لا يجوز؛ لأن رسول الله قال: "لا عقر في الإسلام"([11])"([12]).

قال ابن تيمية: "وفي معنى هذا ما يفعله كثير من أهل زماننا في التصدق عند القبر بخبز أو نحوه"([13]).

"وليُحْذَر من هذه البدعة التي يفعلها بعضهم: يحملون أمام الجنازة الشياة والخبز ويسمون ذلك بعشاء القبر، فإذا أتوا إلى القبر ذبحوا ما أتوا به وفرقوا الخبز"([14]).

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

بركة الله على الذبائح إذا ذُكر عليها اسمه.

إن الذبيحة إذا ذُكر عليها اسم الله أصبحت حلالاً، وكان لمذاقها عذوبةٌ؛ لأنّ اسم الله عليها قائم، وذلك مما يكسبها طيبًا ونزاهة، ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح.

 وأما ذبيحة المجوسي، والمرتد، وتارك التسمية ومن أَهلَّ بذبيحته لغير الله فنفسُ ذبيحة هؤلاء أكسبت المذبوح خُبثًا أوجب تحريمًا؛ لأن الشيطان يجري في مجاري الدم من الحيوان، فإذا ذكر الذابح اسم الله خرج الشيطان مع الدم فطابت الذبيحة، ولا يُنْكِر ذلك إلا من قل نصيُبه من حقائق العلم والإيمان وذوق الشريعة([15]).

الذبح عند استقبال الملوك:

ومن الصور الشركية الخفية: ما يحدث في بعض البلاد عند قدوم ملك من الملوك أو رئيس من الرؤساء فيذبحون له عند سلم الطائرة تحية له، قال ابن باز:" إن كان نحرها عند لقاء الملوك أو عند لقاء المعظمين تعظيمًا لهم فهذا شرك؛ لأنه ذَبْحٌ لغير الله، فيدخل في عموم قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) البقرة: ١٧٣ "([16]).

وهو داخل في قوله :"لعن الله من ذبح لغير الله"([17])

 

الذبيحة التي يراد بها تعظيم المذبوح له لا تكون إلا لله:

ومثله" إن قصد بالذبح التقرب إلى أهل القبور فهذا شرك أكبر؛ وهكذا الذبح للجن والأصنام كله من الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة من ذلك" ([18]).

أضحية العيد:

عباد الله. إن الله عز وجل شرع الأضحية في العيد توسعةً على الناس، و هي سنة مؤكدة، ويُكره تركها مع القدرة عليها، فاحمدوا الله واشكروه القائل: (كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الحج: ٣٦.

ولنعلم أنّ إراقة الدماء تعظيمًا لله من أفضل الطاعات، ومن أعظم القربات، فاستحضر يا عبدالله نيةَ التعظيم، وعَزْمةَ الامتثال، حتى تنال التقوى (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) الحج: ٣٧.

كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد

 


(1) شرح الأصول الثلاثة، لابن عثيمين، ضمن مجموع الفتاوى (6/62)

(1) بدائع الفوائد (3/223)

(1) الكشاف (4/55)

(2) انظر: إغاثة اللهفان، لابن القيم (2/317).

(1) رواه أحمد في الزهد بسند صحيح موقوفًا. قال في التيسير:" ولعل هذين الرجلين من بني إسرائيل، فإن النبي يحدثهم عن بني إسرائيل كثيرًا" (1/185).

(1) عن جملة من السلف: كمجاهد وقتادة. انظر تفسير الطبري (9/507)

(1) انظر تفسير الطبري (9/507)

(2) تفسير ابن كثير (3/23)

(3) الكشاف (1/603)

(1) انظر: تفسير الطبري (3/319)

(2) رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح.

(3) مجموع الفتاوى (1/53).

(1) اقتضاء الصراط المستقيم (2/266).

(2) المنهل العذب المورود، شرح سنن أبي داوود، للسبكي (9/77).

(1) انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم (3/118).

(2) مجموع الفتاوى (1/53).

(3) رواه مسلم.

(1) مجموع الفتاوى (1/53).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة