مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:12:55

لماذا الاكتئاب بعد مضي كورونا

بسم الله الرحمن الرحيم

لماذا الاكتئاب بعد مضي كورونا!

16 / 1 / 1447هـ

الحمد لله الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أنزل القرآن، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله سيد ولد عدنان، صلى عليه الله وعلى آله وأزواجه وخلفائه وجميع أصحابه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد:

معدلات الاكتئاب بعد كورونا.

في السنة التي جثمت فيها كورنا على الأرض وصلت نسبة الاكتئاب إلى معدلات غير مسبوقة ([1])، لأسباب منها: العزلة الاجتماعية التي اعترت الناس، وأسبابٍ أخرى تتعلق بالوحدة والخوف وفُقدانِ الأحبة، ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم أصبح عندنا ما يعرف بـ (الحالات النفسية) طويلة الأمد.

فئة مستثمرة ساهمت في ارتفاع نسب الاكتئاب.

وبينما كثير من الناس يعاني ويقاسي، نجد أن ثلة من الناس أخرى منتفعةٌ أيَّما انتفاع بمعاناة الناس، ويرون هذه الحالة فرضةً من فرص الاستغلال، وهذه الفئة هي فئة الأعمال والتجارة، والتي من قواعد لعبهم:

"أن وجود اضطراب في الحالة النفسية لدى الناس يساوي تدفقًا أكثر للمال والاستثمار، ووجود استقرار في الحالة النفسية لدى الناس يساوي انخفاضًا في المال والاستثمار"، وقد ساهمت شركات التطبيقات والمواقع الالكترونية في استغلال ارتفاع نسب الاكتئاب بضخ كثيرٍ من التقنيات الحديثة التي شاركت في تدهور الصحة النفسية، فهي لم تمنح علاجات ومسكنات، بل منحت قلقًا متواترًا ومكثفًا في عقلية متابعي تطبيقات التواصل الاجتماعية، أو المنصات المشهورة: كيوتيوب وفيس بوك... وغيرهما، والذين انعشوا صناعة الترفيه الالكتروني في العالم.

وقوع الناس في مصيدة هذه الفئة.

ويقابل ذلك أن الناس وقعوا في مصيدة هذه الفئة، فانكبوا على تحميل محتويات الترفيه، فقد منحت هذه الشركات للمتصفحين -بعد أحداث كورونا- تقنيةَ تصفحِ المقاطع السريعة، والتي لا تتجاوز الدقيقة أو الدقيقة والنصف، مما نتج عنه ما يعرف بـ(الإدمان الالكتروني)، فتصفح هذه المقاطع المختصرة -على تدفقها التلقائي وتنوعها الواسع- ولَّد تشتتًا ذهنيًا خطيرًا، ورغبة شديدة في عدم ترك الجوال للحظة، أو الشعور برغبة لا إرادية بأخذ الجوال مرة بعد مرة، حتى تشكلت مشية الإنسان في هذه الفترة بشكل جديد، ممسكًا جواله، حانيًا رأسه، لا يشعر بمن حوله، وتشكلت جِلسته بين الناس، ممسكًا جواله، حانيًا رأسه، لا يشعر بمن حوله، مما جعله في موقف لا يليق بالرجال، وفي وضع صامت كعيي!.

وهذا يؤدي إلى تداعيات خطيرة، منها: أن الإنسان يبقى فكرُه عالقًا في مساحة ضيقة جدًا، وأن بصره لا يتجاوز سنتيمترات في سينتمترات، غيرَ مبال بمشاعر الآخرين، ويكون الأمر أشد خطورة إذا كان غير مبال بأرواح الآخرين، فيما إذا تسرب الإدمان الالكتروني إلى قيادة السيارة، والانشغال به عن قواعد الطريق.

التطبيقات، وعدم تقبل الذات، وازدراء النعم.

والأدهى والأمر من ذلك هو أن هذه التقنيات الحديثة تمخض عنها أمرٌ خطيرٌ يقود المجتمعات إلى عواقبَ وخيمة، وأمورٍ جسيمة، وهو أن هذه التطبيقات أنتجت لدى المستخدمين عدمَ تقبل الذات، وعدمَ القناعة -لا أقول بالقليل- بل عدم القناعة بالكثير، فأصبح الواحد غيرَ راض عن أيِّ شيء يتملكه، أو أيِّ نعمةٍ بين يديه، لأن هذه التطبيقات أصبحت ميدانًا للمنافسة، وساحات للاستعراض، ولم يعرف المشاهد الذي مقت حاله أمام هذه المشاهدات أن الناس إنما أظهروا له الجميل، وستروا عنه القبيح، وثَّقُوا أجمل لحظاتهم، وغابت عنه أجمل لحظاته، فكثرت المقارنات بين الناس، وأصبح كلُّ سعيدٍ في نفسه تعيسًا؛ إذْ رأى من هو أسعد منه، بل حتى كره الناس صورهم وهيئاتهم الطبيعية، بوجود ما يسمى بالفلاتر، أو تحسينات الصورة، فترسخ لدى الكثير في أعماقهم الرفضُ لصورهم مهما كانت حسنة وجميلة، وهذا بدوره أضعف القناعة في قلوب الناس، وقوى فيهم جانبَ الاستكثار والمزاحمةِ وعدمِ الشبع، بل وظهرت النقمة على حياتهم وواقعهم، وصدق الرسول لما قال: "انظروا إلى من هو أسفلَ منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقَكم ، فإنه أجدَرُ أن لا تزدَروا نعمةَ اللهِ عليكم"([2])، فلا تنظر إلى من هو أعلى منك، وتذكر أن الواقع في كثيرٍ مما تراه من منقولات ومشاهدات عبر التطبيقات إنما هو واقعُ الناسِ المزيف في لحظاتهم وأشكالهم.

وهذا الواقع الأليم الذي رسَّخته التطبيقات الحديثة جعل الناس أقل سعادة مما كانوا عليه من قبل، مع أن الخيراتِ حولَهم لا تُعَدّ، والأرزاق عليهم لا تحصى.

انكشاف الناس بعضهم لبعض في التطبيقات مُشْعلٌ للحسد.

وهنالك حقيقة مُرَّة أخرى رسختها هذه التطبيقات في الوسائل الاجتماعية وهي: أن هذا العالم بهذه الفوضوية في استخدام التقنية أصبحوا لا يحركهم إلا الحسد، وهذه نتيجة طبيعية جدًا مع انكشاف الناس بعضهم لبعض، أضف لذلك قلةَ الإيمان، وغيابَ القناعة، وهذا يُكرِّس أن ينقم الإنسان النعمة التي هو فيها، ولا يرضى بها حتى ولو كانت أضعافَ ما يملكه الآخرون، قال ابن مسعودI: "لا تُعَادُوا نِعَمَ اللَّه" قِيلَ لَهُ: وَمَنْ يُعَادِي نِعَمَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ"([3]).

نعم. إن الحسد داء كبير، وناقم أساسي، قد حرك كل المشاعر السلبية التي يعتقدها الناس تجاه أنفسهم، فهم في تعاسة وإن كانت النعمة في واقع الأمر تحاوطهم من كل مكان، فكيف يرضى بنعم الله عليه وهو مدمن على مشاهدة ما يملكه الآخرون عبر التطبيقات الحديثة، والتي مكنته من أن يشاهد كل بيوت الناس، وكل أثاثهم، وجميع سفراتهم، وغالب سياراتهم.

حلول لمجابهة جائحة القلق الالكترونية.

 إذًا. ما العلاج؟ العلاج في ذلك أن يصوم الإنسان عن متابعة الآخرين، ويروض نفسه على النظر فيما يعنيه، وعليه أن يجعل على لسانه: (رزق ربي خير وأبقى)، وصدق الله إذ قال: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) طه: ١٣١.

ومن العلاجات: أن يتوقف الإنسان مؤقتًا عن كل التطبيقات التي تهدر وقته، أن يمتنع عن التطبيقات ذات المحتوى السريع التي تفصله عمن حوله ولو بشكل محدود: ثلاثةَ أيام، أو أسبوع، أو شهر، وبعد هذه المدة سيكتشف الإنسان أنه رجل آخر، وشخصية أخرى، الشخصيةُ الطبيعةُ ذاتُ الأهداف والقيم والتواصل، حتى ولو رجع بعد هذه المدة المؤقتة إلى ما كان عليه.

إن الغرض من هذا التوقف المؤقت أن يَكشف الإنسان لنفسه مدى أثر هذا الانغماس الشديد مع هذه التطبيقات، ومدى الحالة الشعورية التي سيكون عليها إذا تخلص من وطأتها، كمن كان يرى الناس ومن حوله بطريقة مشوشة ثم صفت له الرؤية، واعتدل له المزاج، وخف عنه التوتر الداخلي، إن إدراك هذا الشعور المريح لا يكون إلا بخوض مثل هذه التجربة.

هل نحن نقدر حقيقة الوقت؟

إن الوصول إلى الاسترخاء النفسي والعقلي الطبيعي الذي ينبغي أن يكون عليه كلُّ واحد سَوِيّ، هو أن يجبب على هذا السؤال: هل أنا ممن يقدر الوقت؟ إن الإجابة على السؤال هو إجابة الذهب والفضة، قال : "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه"([4])، والإجابة الصحيحة هي الإجابة التي يتحرر بها العاقل من ضغط هذه المقاطع إلى تطوير نفسه بالمفيد، والتواصل مع الأقارب بحق، والتركيز على المناهج الدراسة، أو العمل المناط به، بدون مشتت قوي يُلجئ إلى ضرورة هدر الوقت بلا فائدة، فيخرج من قنينة الجوال الضيقة إلى العالم الواقعي الفسيح، فإذا تحرر رأى الدنيا أجمل، وأهدى، وأكثر واقعية، ويبقى السؤال الأكبر: كيف أقضي هذا الوقت؟ اهتم بنفسك فقط، ولا تهتم بما يملكه الآخرون، عندها ستكتشف ألف جواب وجواب.

8 16 / 1 / 1447

أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  على حسب تقرير منظمة الصحة العالمية عبر موقعها الرسمي.

 

([2])  رواه الترمذي.

 

([3])  تفسير القرطبي (5/215).

([4])  رواه الترمذي.

 

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة