بسم الله الرحمن الرحيم
سورة التين
10 / 17 / 1444هـ
الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وأحكم القرآن، وجعله برهانَ كلِّ زمانٍ ومكان، أشهد أن لا إله إلا الله، الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فصيحَ اللسان، عاليَ البيان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
نقف اليوم على أعتاب سورة لخصت الحياة، وأجْلَت العواقب، وأبانت عن المِنَّة على الإنسان، وأنه مركوز على الفطرة السوية، ورمزت بذكر أجلَّ مَن وُصِف بوصف الإنسان من الأنبياء، وصفوةِ الخلق من أولي العزم، وأشارت إلى أماكن ولاداتهم أو عيشهم أو مرورهم، بطريقة يتفطن إليها من ألقى السمع وهو شهيد، بلطيفة قرآنية مبهرة، وصياغة إلاهية بينة، وألمحت السورة أيضًا إلى أطوار الشرائع، واختلاف الديانات، إيماءً إلى أن الإسلام جاء مصدقًا لها، مهيمنًا عليها، ثم خُتِمت السورة ببيان سلطان حكمة الله على خلقه، وعظيم علمه في الابتداء والانتهاء.
إنها سورة التين، قرأها النبي ﷺ في صلاة العشاء فسمعها البراء بن عازب فقال: "فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِرَاءَةً منه ﷺ "([1]).
أماكن ثلاثة فيها أشهر الأديان.
(وَالتِّينِ) أقسم الله بالتين، والتين جميل المنظر، طيب المخبر، عَبِق الرائحة، سهل الجَنْي، وشجرة التين لا كالأشجار، فغالب الأشجار تزهر ثم تعطيك ثمرتها، لكن التين يعطيك الثمر أولاً، ثم يزهر بعد ذلك ثانيًا، فهي تهتم بغيرها ثم تهتم بنفسها، وفي هذا إشارة إلى أنه هكذا ينغي أن يكون الإنسان معطاءً، مئثارًا، يحب نشر الخير، ويقدم غيره على نفسه (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
ومن خواص التين أن ظاهره مثل باطنة، فلا قشرة فيه ولا نوى، بل يؤكلها الإنسان بكمالها، فهو طري الداخل والخارج، وليست التينة كالجوز ظاهره قشر لا يؤكل، ولا كالتمر باطنه نوى لا يؤكل، وفي هذا إشارة إلى أنه هكذا ينغي أن يكون الإنسان ، نافع في الباطن كما هو نافع في الظاهر، يُصّدِّقُ مخبرُه مظهرَه، ومظهرُه مخبرَه، ليس كذي الوجهين، بل صادقٌ لك في الظاهر والباطن، ناصح لك في السر والعلن.
(وَالزَّيْتُونِ) التين: ١، أقسم الله بالزيتون، والزيتون شجرة عظيمة، لا تحتاج لكثرة تعاهد وسقي، لمّا ذكر الله الأشجار والثمار، خص من بين ذلك كلِّه هذه الشجرة فقال: (فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ)
(وَالزَّيْتُونِ) شجرة تعطيك زيتًا يدهن به الإنسان، ولا حياة له ناعمةٌ بدونه، فقال تعالى: (تَنبُتُ بِالدُّهْنِ) والدهن من أركان النعم التي لا غنى بالصحة عنها، وكذلك في الزيتون تغميسةٌ طيبةٌ تُطرِّي الطعام وتنقيه فقال تعالى: (وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) ، فقد جعل الله في هذه الشجرة أُدْمًا ودُهنًا.
(فالتين والزيتون) من أحسن الثمار صورةً وطعمًا وسهولةَ مضغ، فحالتهما دالةٌ على دقة صنع الله، ومؤذنةٌ بعلمه وقدرته، فالقَسَم بها لأجل دلالتها على صفاتٍ إلهية عظيمة.
(وَطُورِ سِينِينَ) التين: ٢، هو الجبل المعروف بـ «طور سينا»، وهنا ذكر الله هذا الجبل بعد ذكره الزيتون لأن الزيتون ينبت في هذا الجبل كما قال الله في سورة المؤمنون (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ)
(وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) التين: ٣، البلد الأمين: مكة، قرأ عمر-رضي الله عنه مرة وهو إمام بمكة سورة التين، فلما بلغ (وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) رفع بها صوته تعظيمًا للبيت([2]).
ووصف الله البلد مكة بالأمين؛ وهي صفة اختيرت هنا اختيارًا مقصودًا لا يسدُّ مسدّها وصف آخر، لأنها البلد التي لُقب فيها محمد بالصادق الأمين، وهذا البلد أمين، ولأن من دخل هذا البيت وجب أن يُؤمنَّ في دعوته نفسه وأهله وماله، كما قال تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)
وتأمل القسم بالتين والزيتون، والطور، ومكة، ستجد أنها إشارة إلى مهابط أشهر الأديان، وأنها المحال التي فيها أعظم الرسل، وألو العزم منهم.
فمنبت هاتين الشجرتين (التين والزيتون) حقيق بأن يكون أرض الشام المباركة، والتي ولد فيها عيسى.
كما أن طور سينين الجبل الذي كلم الله عليه موسى وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه.
ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة مكان خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم.
وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل فبدأ بموضع مظهر المسيح ثم ثنى بموضع الكليم موسى ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق ﷺ.
المنة على الإنسان.
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) التين: ٤، هذا هو جواب القسم وهو باختصار بداية الإنسان ونهايته، (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) البداية (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) النهاية.
إن أكرم مخلوق على هذه الأرض هو الإنسان، فكل مخلوق فيها خلقه الله مُكَبًّا على وجهه يتناول أكله برأسه، إلا الإنسان فإنه تعالى خلقه مديد القامة يتناول مأكوله بيده، في أكمل عقل وفهم وأدب وعلم وبيان، كان بعض الصالحين يقول: "إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال، فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال"([3])، "فليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالمًا، قادرًا مريدًا متكلمًا، سميعًا بصيرًا، مدبرًا حكيمًا"([4])، حتى ذكروا أن الإنسان أجملُ من القمر، وذكر الفقهاء أن الإنسان لو قال لزوجته: إذا لم تكوني أجمل من القمر فأنت طالق، فإنها لا تطلق لأن الله قال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)، فالإنسان هو العالَم الأصغر، إذ كل جمالٍ وُجِد في مخلوق من المخلوقات فقد جُمع فيه.
نهاية الإنسان
(ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) التين: ٥، ولكن هذا الحُسن لا يدوم، لأنه في حياة لا تدوم، فلا يمكن أن ينكسر قانون الحياة بدوام واحد وبقاء الآخر، ومن هنا يبدأ هذا الإنسان بعد اكتمال القوة بالرد إلى أسفل سافلين: وهو النقص في القوة، وبداية أعراض الشيخوخة، (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) الروم: ٥٤، يخرف، ويَضعُف سمعُه وبصُره وعقلُه، وتقل حيلتُه، ويتقوس ظهره، ويبيض شعره، ويعجزُ عن عمل الصالحات، وهذا يشترك فيه الإنسان المؤمن والكافر، ويزيد الكافرُ بأنه في الآخرة يرد إلى أسفل السفول وهي النار عياذًا بالله.
الناجون من النهايات المحتمومة.
(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) التين: ٦، ولكن هنالك طائفة من الضعفة والهرمى مع عجزهم وتعبهم فلهم أجر دائم، جزاءُ طاعتِهم وصبرِهم على ابتلاء الله إياهم بالشيخوخة والهرم، وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة.
وإذا كان العبد في شبابه كثيرَ الصلاة كثيرَ الصيام والصدقة، ثم ضعف عما كان يعمل في شبابه، أجرى الله عز وجل له ما كان يعمل في شبابه، قال ﷺ: "إذا مَرِض العَبد أو سافر كُتِب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"([5]). لأن الله قال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي: غير مقطوع.
وقد يُستروح بقوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) إلى أن الإنسان المُديمَ على الطاعة لا يخرف ولا يهرم غالبًا، ولا يذهب عقلُ من كان عالمًا عاملاً . قال ابن عباس: "من قرأ القرآن لم يُردَّ إلى أرذل العمر"([6]). قال الشنقيطي:" قد تواتر عند العامة والخاصة أن حافظ كتاب الله المداوم على تلاوته لا يُصاب بالخرف ولا بالهذيان"([7]).
فاللهم أحينا حياة هنية، وأمتنا ميتة سوية، وردنا إليك مردًا غير مخز ولا فاضح، ومتعنا متاع الصالحين، وأطل أعمارنا على طاعتك ورضاك يا رب العالمين.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
(فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ)، سؤال للإنسان الذي أكرمه الله بحسن الخَلق، ودوام النعم عليه وهو على هذه الأرض، فيأكل من تينها و زيتونها، ويصعد في جبالها، ويسكن أراضيها الآمنة، بعد كل ذلك السؤال الملح (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) ما الذي يجعله مُكذبًا دين، غير مؤمن بالحساب ولا بالجزاء، ما حامل غروره واستكباره، خلقه الله سويًا، ثم جعله كبيرًا هرمًا، ثم يميته ويُقبره، فلم التكذيب؟ فمن رأى تدرج الإنسان في قوته ثم ضعفه لاستدل بوضوح على قدرة الخالق على الحشر والنشر، فمن شاهد هذه الحالة ثم بقي مصرًا على إنكار الحشر فلا شيء أعجب منه.
حكمة الله وقهره على عباده.
(أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) التين: ٨ ، فسبحان من بحكمته خلقك وعدد أطوارك، وجعلك تتقلب في الحياة بين الابتلاء والكدر، بين النعمة والحبور والسرور، فيوم لك ويوم عليك، يوم تقوى، ويوم تضعف (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، جعلك في هذه الدنيا في دار ابتلاء وامتحان، وفرض عليك طاعته وشكره، ثم يبعثك إن أحسنت إلى جنته، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، بأحكم الحاكمين قضاء بالحق، وعدلا بين الخلق.
اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار، وأنزل علينا موجبات رضاك عنا، واجعلنا من أهل التذكرة والادكار.
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) رواه البخاري.
([2]) انظر: تفسير القرطبي (20/113)
([3]) مفاتيح الغيب (32/212)
([4]) من كلام ابن العربي. نقله عن القرطبي في التفسير (20/114).
([5]) رواه البخاري
([6]) رواه الحاكم (2/ 528) وقال: صحيح الإسناد، وصحّحه العلاّمة الألباني رحمه الله في صحيح الترغيب والترهيب (1435)
([7]) أضواء البيان (9/ 8)