مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:17:12

نظرات في مفردة (اليمن) وهو كان ضد اليسار

بسم الله الرحمن الرحيم
نظرات في مفردة اليمين
وهو ما كان ضد اليسار 
11 / 8 / 1442هـ
إن الحمد لله...
لفظة اليمين-والتي هي ضد اليسار- لفظة تدور عليها معاني، وعقائدُ، وأحكامُ، وأخبارُ، نقف اليوم مع شيء من تلك المعاني المرسومة، فمن ذلك:
أولاً: يمين الله.
توصف يد الله بأنها يمين، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) الزمر: ٦٧، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يَمِينُ الله مـلأى لا يغيضها نفقة"( ).
 قال الشافعي:" لله تبارك وتعالى أسماءُ وصفات جاء بها كتابُه وأخبر بها نبيُّه ﷺ أمتَه... ومن ذلك اليدان: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) المائدة: وله -جل وعلا- يمينٌ كما قال -تعالى- (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)"( ).
    وإذا علمت يا عبدالله أن لله يدين، وأن كلتيهما يمين: علمت قوة الله إذ يطوي السموات بيمينه على اتساع السموات، وبعيد قعرها الذي لم يحطه بشر.
     وإذا علمت يا عبدالله أن لله يدين علمت سعت رزق الله، وأن يد الله ملأى: شديدةُ الامتلاء بالخير، شديدةُ العطاء بالفضل، وأن يدَ الله "سّحَّاء" أي: تصبُّ وتسيل بالخير لامتلائها بالعطاء، تسيل أبدًا في الليل والنهار سحًّا، وقد أنفق الله في زمان خلق السماء والأرض حين كان عرشه على الماء إلى يومنا هذا، ولم ينقص من ملكه شيء، كما قال تعالى: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) النحل: ٩٦.
    فالله له زيادة الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، والبسط في العطاء، فامدد يديك عبدالله إلى من إذا سألته أعطاك، وإذا رجوته منحك وأغناك.
ثانيًا: يمين النبي ﷺ.
    ولا زالت الكتابة في غالب الناس بيدهم اليمين، وكانت يمين النبي ﷺ لا تخط ولا تكتب، كما قال تعالى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) العنكبوت: ٤٨، لأن النبي ﷺ أميٌّ كما قال الله عنه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ) الأعراف: ١٥٧، وكانت هذه عادة الناس قبل الإسلام لا يعرفون القراءة والكتابة، حتى وصفهم اليهود بالأميين فقال الله عنهم: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) آل عمران: ٧٥، وكونه ﷺ لا يقرأ ولا يكتب من أقوى الأدلة على نبوته لمن تأمَّل وتعقّل، وأن ما أتى به من بلاغة القرآن، ونظم البيان، لم يكن له إلا عن طريق الوحي والإرسال، ولذا لما كانت أُميتُه معلومةً عند كفار قريش وآتاهم بما تحداهم به تخبطوا في الجواب، واضطربوا في الحجة، فقالوا (يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) النحل: ١٠٣، يعني: قد علمنا أنه لا يقرأ ولا يكتب، وإنما أخذ القرآن من فلان الرومي الأعجمي، وهذه حجة داحضة مبطلة، قال الله في قمعها: (لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) النحل: ١٠٣
تيمن النبي ﷺ.
    وكان النبي ﷺ يُبهجه ويسره أن يبدأ باليمين، في كل عمل شريف، لأن اليمين مأخوذ من (اليُمْن) وهو البركة، وكان ﷺ يحب الفأل في قيله وفعله، قالت عائشة: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ"( )، "وهذه قاعدة مستمرة في الشرع وهى أن ما كان من باب التكريم والتشريف: كلبسِ الثوب، والسراويل، ودخولِ المسجد، وتقليمِ الأظفار، وقصِ الشارب، وترجيلِ الشعر، وهو مشطه، ونتفِ الإبط، وحلقِ الرأس، وغسلِ أعضاء الطهارة، والخروجِ من الخلاء، والأكلِ والشربِ، والمصافحةِ، واستلامِ الحجر الأسود، وغيرِ ذلك مما هو في معناه يستحب التيامن فيه، وأما ما كان بضده كدخولِ الخلاء، والخروجِ من المسجد، ومسحِ الأنف، والاستنجاءِ، وما أشبه ذلك، فيستحب التياسر فيه وذلك كله بكرامة اليمين وشرفها"( ).
    وأما الأكل خاصة فشرف اليمين فيه لا تعدلها الأخرى، لأن الأخرى إنما هي للشيطان، قال ﷺ: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ"( ).
ثالثًا: يمين الإنسان.
    وقد خلق الله الإنسان وجعل له يمينًا، هي أقوى من يده الأخرى، ويبقى عشَرَةٌ بالمئة من البشر ليست يمينهم بأقوى من الأخرى، حتى يُظهر الله بقدرته ما يخالف قانون الحياة، كما خلق الله الخلق مختلفي الأشباه على كثرتهم، إلا أنه جعل منهم من يشبه الآخر شَبَهًا تامًا حتى يُبِيْنَ عن مشيئته، وكمالِ سطوته على خلقه.
وقد كانت عصا موسى بيمينه يوم كلمه ربُّه، قال تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) طه: ١٧، وكذلك كانت عصا موسى بيمينه يوم قارع السحرة، قال تعالى: (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) طه: ٦٩، ولم يقل الله: (ألق عصاك)، بل قال تعالى(وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) لما في معنى اليمين من اليُمْن والبركة( ).
وسمَّت العرب اليد التي تقابل اليمين: باليد اليسار، ولم يسموها: اليد الشمال، لما في معنى اليسار من التيسير ونوال اليسر.
فاللهم يمن كتابنا، واجعلنا من أصحاب اليمين
الخطبة الثانية: الحمد لله... 
رابعًا: يمين الكعبة.
    كما أن للكعبة يمينًا، ومن يمين الكعبة:
الركن اليماني، ذلك أن للكعبة أركانًا أربعة، والأركان هي الزوايا، وهذه الأركان هي: الركن الشرقي، والغربي، والعراقي واليماني، أما الركن اليماني، فهو الذي يستلمه الطائف، وهو مبدأ طوافه، وفيه الحجر الأسود، وسُمِّي باليماني لأنه يشير إلى اتجاه اليمن، وكان النبي ﷺ، يكبر كلما حاذاه، ويستلمه بيده، ويقبله( ).
    وعن ابن عباس قال: قال ﷺ عن الحجر: "والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق "( ).
    وليس في ذات الحجر بركة، إنما البركة في اتباع سنة النبي ﷺ في تقبيله أو استلامه، فعن عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود فقبَّله وقال: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبِّلُك ما قبلتك"( ).
        ومن يمين الكعبة: اليَمَن، وسميت بذلك: لأنها يمين الكعبة، وكما سُمِّي الشام بالشام لأنها شمالُ الكعبة، وكذلك سميت اليمن باليمن من (اليُمن)، لأنها ميمونة أي: مباركة، وكان جغرافيو اليونان يصفونها:
 (بالعربية السعيدة)، وقد قال ﷺ:" اللَّهُمَّ بَارِكْ لنَا في شامِنَا وفي يَمَنِنَا"( ) وإذا وُجدت البركة في وقت حصلت الإجابة، ولا يستلزم دوامَها في كل حين.
خامسًا: يمين الآخرة.
    وفي الآخرة ينقسم أولياء الله إلى قسمين: المقربين، وأصحابِ اليمين.
     أما المقربون فهم صنف عزيز نفيس، وهم الأقل، لأن الله قال عنهم (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) الواقعة: ١٣ – ١٤، فكلما بعد الزمن عن النبي ﷺ كلما قلَّ المقربون لكثرة الفتن، وازدياد الآراء والأهواء.
    أما أصحاب اليمين فهم في درجة أقل، لكنهم في آخر الزمان عدد كثير، كما قال تعالى: (ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) الواقعة: ٣٩ – ٤٠
وأصحاب اليمين كانوا أقل درجة من المقربين لأنهم عملوا الفرائض، وتركوا المحرمات، ولم يكلفوا أنفسهم بالمندوبات؛ وأما المقربون فتقربوا بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات فأحبهم الربُّ حبًا تامًا.

 عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
 

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة