مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:35:03

تاريخ في مهد الحضارات

بسم الله الرحمن الرحيم

تاريخٌ في مهد الحضارات!

الحمد لله...

تاريخ عريق.

إنها أُمنيةُ كلِّ مسلمٍ موحِّدٍ أن تطأ قدماه تلك الأرضَ التي شرفها الله بخير الأنام ، أمنية أن تكتحل عيناه برؤية بيت الله الحرام، وأن يسيح في ربوعٍ شهدت تنزّل الوحي من السماء.

هناك، حيث أرضُ بدرٍ ميدانُ الفرقان، صال فيها المؤمنون وجالوا، وهنالك جبلُ أحدٍ الذي ارتوت سفوحه بدماء الصحابة الأطهار.

هي بلادُ الذكريات والتاريخ، أرضُ إبراهيمَ الخليل عليه السلام حين ترك زوجه في الوادي المقفر، فتقول له هاجر: يا إبراهيم! آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ففجّرت زمزم، وأقبلت جرهم، فاستوطنوا المكان، فصار معمورًا إلى اليوم، ثم شبّ إسماعيل عن الطوق، وأُمر أبوه بذبحه، ففداه الله بذبح عظيم... .

ذكريات تتوالى على هذه الأرض، وتاريخ عريق في بساطها الممتد، هي منهل عذب، ورِفدٌ صافٍ.

عش جائعًا آمنًا، لا غنيًا مرعوبًا.

هي البلاد الآمنة الوادعة: بلد ذو حرمة وبيت ذو حرمة، (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا) العنكبوت: ٦٧

 عباد الله. من التصور أن يعيش الإنسان جائعًا قليلَ ذات اليد إذا كان آمنا، فأمنٌ مع شيء من الجوع قد يكون أمرًا مقبولًا، لكن ما لا يمكن قبولُه أن يكون الإنسان في خوف وقلق ورعب، حتى وإن كان غنيًا ثريًا.

ولا يزال الناس يتذاكرون أيّام الحجاز قبل أن يوحِّد الله شتاته؛ يوم كان الأمن فيه مختلاً، بل كان مضربَ الأمثال في كثرة الجرائم وفظاعة الإجرام. كان المقيم فيه كالمسافر، لا يأمن على ماله ولا على نفسه، حتى اضطرت الدول أن تُرسل مع حجاجها قوافلَ مسلّحة تحرسهم وتدفع عنهم العدوان، ومع ذلك ما كانت هذه القوات قادرةً على كبح جماح العصابات ولا ضمان سلامة الركبان، فالذاهب مفقود، والعائد مولود. وبقي حماةُ الأمن في ذلك العهد عاجزين عن حماية العوام، حتى هيأ الله لهذه البلاد من جمع كلمتها، ووحَّد صفوفها، وأقام شريعتها، فانقلبت الحال في لحظة كأنها البرق الخاطف.

ساد الأمن أرجاء الحجاز وسائر الجزيرة، وانتشرت الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين، وانتهى عهدُ الخطف والنهب وقطع الطريق، وصارت الجرائم القديمة أخبارًا تروى في المجالس، لا يكاد يصدقها من لم يعاصرها. وبعد أن كان الناس لا يسمعون إلا أشنع الأنباء عن الجرائم، أصبحوا -في المشرق والمغرب- يسمعون أعجب الأنباء عن استتباب الأمن والنظام، والحمد لله.

بلاد الجماعة الواحدة، وأمان عن الربيع العربي.

إنها بلاد لا مكانَ للحزبيّات فيها، لأنّ الأحزاب متباينةُ الأهواء والغايات، والأهواء تُضعِف الأمّة وتشغِل بالَ الراعي عن الأمور المهمّة، ويظن بعض الناس أن سبب استقرار بلاد الحرمين ما أودع الله فيها من خيرات الأرض، ونفطها الأسود، وهذا ليس على إطلاقه! بل من أبرز الأسباب عدمُ تمكين جماعات الحزبية، أو السماحُ بالتعددية المدينة، أو مجالسِ الأمة النقابية، فإن هذه الجماعات لا تزال تتصارع على كرسي، وتتعارك لمنصب رئاسي حتى تترك التطوير الذي يهم الناس ومصالَحهم، بل لربما وصل الأمر إلى عراك مستميت على السلطة يؤخر البلدان، ويساهم في الهدم والدمار، ولنا في فيما سمي بالربيع العربي عبرةٌ وادكار!.

إنَّ المملكة العربية السعودية، قبلةَ المسلمينَ ومهوى أفئدتهم، ليستْ لنا وحدَنا ولا هَمًّا محصورًا فينا، بل هي وطنُ كلِّ مسلمٍ على وجهِ الأرض؛ لأنَّها قبلتُهم التي يتوجهون إليها، وعنوانُ وحدتهم الذي يجتمعون عليه.

أمنُها أمنُ المسلمينَ كلِّهم، واستقرارُها استقرارُ العالمين أجمعهم. قال تعالى (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) المائدة: ٩٧.

وقد كتب الله لها أسبابَ العزِّ والسؤدد، إذ لم تُبنَ على عصبيةٍ ولا عرقٍ ولا حزب، بل كانت كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماء، تؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها، ويستظلُّ بظلها كلُّ من ابتغى الأمنَ والطمأنينة. رايتُها التوحيد، ونهجُها الإسلام، ودستورُها القرآن.

وإنَّا -ونحن نقرأ صفحاتَ تاريخها المجيد- لا نملك إلا أن نرفع أكفَّ الضراعة إلى الله، نبتهل إليه أن يحفظَ بلادَ الحرمين من كل سوء، وأن يكلأها برعايته، ويصبغ عليها نعمَه ظاهرةً وباطنة.

وندعو أهلَها -مواطنين ومقيمين- أن يقوموا بحقها، ويحافظوا على أمنها واستقرارها؛ فذلك أمانةٌ في أعناقهم، وفريضةٌ لازمة، وواجبٌ محتَّم، إذ هي عِماد الدين، وقِوام الأمة، وحِمى الإسلام.

المصلحان الإمامان.

لقد توحّدت الجزيرة العربية في العهد النبوي ثم في عهد الخلفاء الراشدين، لكن ما إن انتقلت عاصمة الخلافة من المدينة إلى الكوفة حتى تفرّقت الكلمة في أنحاء الجزيرة، وظلت عُرضةً للإهمال والنسيان. لم ينصبّ اهتمام الحكام والولاة في الدولتين الأموية والعباسية والعثمانية إلا على مكة والمدينة؛ خدمةً للحجاج ورعايةً لطرقهم، مع العناية ببعض الأقاليم التي كان لها وزن اقتصادي، وبقيت سائرُ الجزيرة في حالٍ من التشرذم والفرقة.

كانت الجزيرة بحاجة ماسّة إلى قائد من أبنائها، يعرف تضاريسها وتراثها، ويستطيع أن يجمع شتاتها ويؤلف بين قبائلها ويعيد لها وحدتها المفقودة. فجاء الإمام محمد بن سعود فنهض بالمهمة، وأسس الدولة الأولى على أساس الدين والدولة معًا، حتى أضحت القصور الطينية في الدرعية عاصمةً للتأسيس، تدير شؤون الحكم، وتبسط الأمن، وتنشر التوحيد. وما زالت جدران تلك القصور شاخصة حتى اليوم، تشهد لبداية عهدٍ جديد، كان نقطة التحوّل في تاريخ الجزيرة.

قصة أبي العز الحنفي!

ووالله لولا نصرة الإمام محمدِ بنِ سعود للإمامِ المجدد محمدِ بن عبدالوهاب لما صفت لنا العقيدة هذا الصفاء، فقوة السلطان تقوي قوة القرآن، فكم من العلماء قبلُ ماتوا مضطهدين مع جلالة قدرهم، وقوة علمهم، لا تكاد تعرفهم الناس إلا بكتبهم، لأنهم لم يجدوا سلطانًا ينشر دعوتهم، ولا واليا يقوي شوكتهم، ففي القرن الثامن بدمشق، كتب أحد الأدباء قصيدة في مدح النبي ، وكان في أبياتها شيء من الغلو والبدع، فقام الإمام ابن العز الحنفي بانتقادها، والإنكار على قائلها، فثار الأمر، ووصل إلى السلطان في مصر، فأصدر مرسومًا باستدعاء القضاة والعلماء لمحاكمة ابن العز الحنفي، حتى انتهى الأمر إلى تعزير ابن العز الحنفي وحبسه، وعزله من مناصبه، فعاش فقيرًا ومات كسيرًا، وبقي ذكره عند الله عليًا كبيرًا-نحسبه كذلك- ([1]).

 ونحن في هذه البلاد-بحمد الله- ومنذ ثلاثِمئة سنة والسنةُ منشورة في الداخل، بل وامتد أثرها للخارج، فلا قبب، ولا مآتم، ولا أضرحة ولا مظالم، ناشرةً للمنهج السلفي، داعمةً للقضايا الإسلامية والعربية في نصرة المظلوم واغاثة الملهوف.

التحذير من خونة الأوطان!

عباد الله. خذوا حذركم، فكم من متربّصٍ يرقب ضعفنا، ويتحيّن الفرص ليمزّق وحدتنا ويفرّق صفّنا. وعضّوا على العروة الوثقى بالنواجذ، امتثالًا لقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) آل عمران: ١٠٣.

واعلموا أن أعداء الدين والوطن ما فتئوا يهوّلون الأخطاء، ويجعلون الصغير منها عظيمًا، ويقيمون لها ضجيجًا إعلاميًّا مدفوعًا، يهدفون به إلى التحريش، وتشويش الأفكار، وزعزعة الأمن، وكسر المعنويات. فإذا كانت هذه السهام المسمومة تُوجَّه إلى بلاد التوحيد ومأرز الإيمان في دينها وولاة أمرها وعلمائها وأمنها ومقدراتها، فذلك أدعى أن نقف صفًا واحدًا، وأن نردّ كيدهم في نحورهم.

فالمنطقة تغلي كالمِرجَل، والفتن تتلاطم كالأمواج، والعدوّ يتربّص بكم الدوائر، وقد رأيتم كيف تمادت دولة الاغتصاب في طغيانها، فاستطار شرُّها وشرارُها على بلاد المسلمين. فاحذروا أن تكونوا ثغرةً يُؤتى منها الإسلام، أو فتنةً يفرح بها الأعداء.

 

8 27 / 3 / 1447

أ.د عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) إنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر (1/258).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة