مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 21:18:07

والذين جاهدوا فينا

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)

3 / 2 / 1443هـ

الحمد لله..

أكمل الناس هداية.

أكمل الناس هداية، وأوسع الخلق تبصرة، وأحظى البشر توفيقا وتسديدًا هم: أكملُهم، وأوسعُهم، وأحظاهم جهادًا، نعم. إنه طريق الجهاد. فمن لزمه ألزمه الله طريق الفلاح، ويسر له درب النجاح، وهذا هو معنى الآية الكريمة التي سنعيش في معيتها هذه الجمعة، وهي ما قاله تعالى آخر آية من سورة العنكبوت:

      (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)

فما معنى الجهاد في هذه الآية؟

مراد الجهاد في الآية.

إن أفرض جهادٍ مقصودٍ في هذه الآية هو: "جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا، فمن جاهد هذه الأربعة في الله هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته ومن ترك الجهاد (في هذه الأربع) فاته من الهدى بحَسَب ما عطل من الجهاد"([1]).

جهاد النفس على الطاعة هو الجهاد الأكبر.

وإن من أعظم الجهاد أن يجاهد الإنسان نفسه على الطاعات: الصلوات، والزكوات، وصلة القرابات، والأخلاق الفاضلات...وبقية العبادات، فكل ذلك من أسمى أنواع الجهاد الموجب للهداية، قال أبو سليمان الداراني: "ليس الجهاد في هذه الآية (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) قتال العدو فقط بل هو نَصْر الدين، والردُّ على المبطلين، وقمعُ الظالمين، وأعظمه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر"([2]).

فيامن أراد أن يلحق بركب المجاهدين جاهد نفسك، جاهد في سبيل طاعة والديك، في سبيل صلة أرحامك، فإنه  "ليس على الأرض عبد أطاع ربه ودعا إليه إلا وإنه قد جاهد في الله"([3]).

من أزكى ثمرات جهاد الطاعة توريث العلم.

 وإن من أزكى ثمرات جهاد الطاعة أن يورثك الله علم ما لم تعلم، فبينما الناس يتيهون في ظُلَم الحياري، يتخبطون في دهاليز الجهالة، إذْ بالمجاهدين بطاعتهم مستمسكين بنور الثبات، مستبصرين بضياء العلم.

فكلما تقلب المتعبدون في صلواتهم، وكلما أوقدوا في عقولهم النظر والتأمل  في دلائل ربوبية الله في سماواته وأرضه، كلما فتح الله عليهم من الفهوم والعلوم مالم يفتحه لغيرهم، وكلما نظروا في شريعة الله وفي كتابه وسنته، كلما ورَّث الله لهم من الفقه والدراية والاستنباط والعمل مالم يُفتح لغيرهم، فجاهد في طاعة الله عملاً ورثْك الله علمًا لم تُحطْ منه على الباب.

 

أشق أنواع الجهاد.

وإن من أشق أنواع الجهاد أن يجاهد الإنسان هواه، لأن هوى كلِّ نفسٍ مدعومٌ بداعي الشهوات الكامن في القلوب، فالهوى متوسدٌ إلى ضعف الإيمان المتصاغر في الأفئدة، والهوى مدفوعٌ بكثرة الفتن وقلة المصلحين في زمن الغربة، ولذا كان ثواب من جاهد هواه أغلى ثوابٍ وأعلى مآب قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ) النازعات: ٤٠ - ٤١  قال الحسن: "أفضل الجهاد مخالفة الهوى".

من الجهاد الصبر على الفتن.

        نعم. إنها آخر آية من سورة العنكبوت: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)  لكن ماذا قال الله في أول السورة، أسمع ما قال ربك فيها:  (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) العنكبوت: ١ – ٢

        فذكر الله في أول السورة حقيقة مرة: ألا وهي لزوم الفتنة لكل أحد، ثم ذكر في آخرها حقيقة النجاة من هذه الفتن المدلهمة، فقال:  (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، فإن من أعظم الجهاد الداخل في هذه الآية: جهاد الصبر على الفتن،  فإن الناس يُفتنون فتنًا عظيمة في دينهم، وأموالهم، وأولادهم، وأزواجهم، وكلما تأخر الزمان كلما توحلت الفتن في أقدام الناس، ولا خلاص من ذلك إلا بجهاد النفس بلزومها ثغور الصبر.

فاللهم ارزقنا صبرًا ينجبنا، ونعوذ بك من فتنٍ وإحنٍ تردينا

اللهم اجعلنا من أهل الاعتبار والأبصار

وأنزل علينا موجبات رضاك عنا

الخطبة الثانية:

الحمد لله...

(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) العنكبوت: ٦٩

نزلت هذه الآية والمسلون في مكة: معذبين، مُمتحنيين، مُلاحَقين، نزلت في زمن مشحون بالأذى والتضييق، فنزلت خاتمة هذه السورة تخبرهم بأن هذا الأمر لن يطول، وأن العاقبة حميدة، فبشرهم الله بأقرب طريق للخلاص وهو الجهاد، ولكنه ليس جهاد العدو، لأن أهل مكة كانوا مستضعفين، بل هو جهاد الصبر، وتحمل الأذى، وجهاد البقاء على الحق،  فإن عاقبة ذلك أن يذلل لهم دارًا خيرًا من دارهم.

 أتدري ما هذه الدار؟ إنها المدينة.

فكان في هذه الآية إلماح إلى الهجرة التي قلبت الموازين وأعلت الدين (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) وإن أعظم السبل هي سبل الهجرة وطرائِقِها.

وكذلك من أراد أن يهجر أحزانه، وأن يفارق آلامه، وأن يخلصه الله من همٍّ أغمه، وكربٍ ألمه فليجاهد في سبيل الطاعات، والتعلق بالله الناجي من الظلمات، لأنه إن فعل هداه الله إلى سبيلٍ تهجره أحزانُه وآلامُه.

دعوة هذه الآية إلى أعظم المقاصد.

إن هذه الآية: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) قاعدةٌ من قواعد القرآن، وسنةٌ من سنن الرحمن، قد لت على أعظم مقصود، وأجمع مورود: ألا وهو الإخلاص لله رب العالمين.

وكيف دلّت على الإخلاص؟

 إن الله قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) فقال: (فِينَا) أي: جاهدوا لأجلنا، ولابتغاء ثوابنا، فكان صبرُهم لله، ودعوتهم إلى الله، فليس جهادهم من أجل نصرة ذات، ولا جماعة، ولا لعاعة دنيا، بل هو جهادٌ في ذات الله تعالى وابتغاء مرضاته، فإنّ من ملأ قلبه بـ (فِينَا) فإنه موعود بالهداية من كل ضلالة.

فاللهم ارزقنا الهداية، وجنبنا الضلالة، واجعلنا ممن احتف بهذه الآية علمًا وعملاً فبوأته من جميل وعدها، وحلاوة نصرها، وعز تشريفها.

 

    عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1])  الفوائد لابن القيم (ص:59).

([2])  تفسير ابن عطية (4/326).

([3])  تفسير ابن أبي حاتم (9/3084).

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة