بسم الله الرحمن الرحيم
26 / 4/ 1442
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا)
الحمد لله...
أقام الله العدل، فأفسد الإنسانُ الميزان وجار في القسط، خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، فأفسد الإنسانُ خَلْقه بالنمص والوشم وتغيير أحسن الخلق والتدخين، أكمل الله الإنسانَ بالعقل، فأبى إلا أن يتعاطى المخدر والهروين وكلَّ مُحطم للفكر، أعطاه العنب والشجر حتى يقطف أطايب الثمر، فدعته نفسُه أن يترك الثمر ويجني منها الخمْر والسَّكَر، أباح له الزواج، فعاند إلا بالفواحش واختلاط الأنساب، جعل الله الطبيعة للإنسان جمالًا ونقاءً ورعة وبهاء، فأفسد الإنسانُ الزروع، فجفت لأجله الضروع، وجار في الاحتطاب، وقلَّع الأصول والفروع، ولوث البيئة، وعكر الهواء وصفو الطبيعة.
وقائمة لا تنتهي بالسرد والبيان، والنتيجة: أن الله أصلح، والإنسان أفسد ويُفسد (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) التين: ٦
الله أصلح الأرض، فأفسدها الناس.
و إنّ تركَ سنن الإصلاح التي سنها الله على هذه الأرض نذيرُ شؤم، وعاقبةُ عُقْم، (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) فصلت: ١٣.
وليس بعد ذلك الإعراض إلا الفساد، والله أصلح الأرض، ونهى عن الخراب فيها بعد الإصلاح فقال سبحانه: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) الأعراف: ٥٦، فالله أصلح الأرض بالتوحيد، فلا تُفْسَد بالشرك والتنديد.
فلا تفسدوها بالكفر بعد إصلاحها بالإيمان، ولا تفسدوها بالظلم بعد إصلاحها بالعدل، ولا تفسدوها بالمعصية بعد إصلاحها بالطاعة، فتقحط السماء، ويهلك الحرث بالمعاصي بعد أن أصلحها الله بالمطر والخصب، ولا تفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه، ولا تفسدوها بتكذيب الرسل بعد إصلاحها بالوحي ونقائه.
فيدخل في هذه الآية: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) كلُّ نهي عن كل فساد: فقطعُ الأرحام فساد، وقطع الشجر فساد، حتى قال ابن عطية تحت هذه الآية:" قطع الدينار والدرهم من الفساد"([1]).
فساد المنافق.
ومن أشد المفسدين ضراوة على الإسلام وأرض الإسلام، فسادُ من كان ألدَّ الخصام، من يأتيك بالورد، فإذا تولى قطع بخنجرِه كلَّ حُبٍّ ووُدّ، ذلكم هو المنافق، من قال الله عنه: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) البقرة: ٢٠٤ – ٢٠5، فالمنافق أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله، وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، وإذا وطئ أرضًا سعى عليها بالفتنة والتشكيك، ونشر الفواحش والآثام.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) وإذا وُعِظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق: امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ ۖ) الحج: ٧٢([2]).
كن ممن ينهى عن الفساد، قبل الغرق.
وإن من أسوأ الأمور: أن يرى الإنسانُ المركبَ يغرق، والأشرعةَ تتمزق، ثم يرى الناس غافلين عن خروق السفينة، وعن انقطاع حبل المرساة، ثم هو يسكت عن كل ذلك، فلو تكلم لنجا، ولنجا من عليها، ولو سكت لابتلع البحر أولَّهم وآخرَهم، هكذا القرون الأُوَل، حلَّ على كثير منهم النقم وصال عليهم العذاب، لما كان المُصلح عنهم قد غاب، إلا قليلاً من الناس، أصلحوا أنفسَهم، والدويراتِ مِنْ حولِهم فكانوا سببًا للنجاة، (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) هود: ١١٦ - ١١٧
"وفي هذا حثُّ لهذه الأمة، أن يكون فيهم بقايا مصلحون لما أفسد الناس، قائمون بدين الله، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويُبَصِّرُونهم من العمى، وهذه الحالة أعلى حالةٍ يرغب فيها الراغبون، وصاحبُها يكون إمامًا في الدين، إذا جعل عمله خالصًا لرب العالمين"([3]).
لا تكن قارونيًا.
رجل ذو ثراء فاحش، فاستبد بماله، وعلا على رسل الله وأوليائه، وبغى على الناس، بسلب المقدرات والثروات، إنه قارون -الذي مع طغيانه وجبروته-إلا أنه وُجِد من قومه من يصلح الأرض بعد إفسادها، ومن يقول له: اتق الله، إذ قالوا له: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) القصص: ٧٧.
فماذا قال؟ قال جملة واحدة، لكنها تحوي جميع الفساد والإفساد (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي) القصص: ٧٨، مقولةَ مغرور مطموس، نسي المُنعم، وحكمةَ النعم، حتى فتنه الثراء، وأعماه المال، حتى قال: أنا حقيق بهذا المال، ولي التصرف المطلق فيه، وليس لأحد عليَّ فيه سلطان، فتجبر وتكبر، فكردسه الله في الأرض وبداره وماله فتبخر.
وهذا مثال مكرور في كل أمة، فكم من أحد يظن أن يديه هي مصدر نجاحه وفلاحه، فيرى أنها التي جمعت المال ليس لأحد أن يمسكها عن الفساد، ويضربها عن إهدار مال العباد، غيرَ حاسبٍ لله حسابًا، ولا ناظرٍ إلى غضبه ورضاه، في استكبار لئيم، وفعلٍ ذميم، فيرتشي، ويختلس، ويسرق ويدلس، ويماطل ويحتكر، ويتربح بالمناصب ولا يزدجر، ويظلم أهل الكفاءات ويقرب ذوي القرابات، فإياك والقارُونيين، الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون.
الخطبة الثانية:
الحمد لله...
لن تبلغ أمة من الأمم مجدًا، ولن تُحَصِّل دولة من الدول ظفَرًا، إلا بسلوك طرائق القرآن في محاربة المفسدين، مفسدي الدين، ومفسدي الدنيا، فقط تأمل قول الله: (إِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواوتأمل) قول الله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور: ٥٤ - ٥٥ .
وإذا فسد الدين، وطم الفساد بين العباد كان ذلك أذان برحيل الدنيا وارتحال الآخرة (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) القصص: ٨٣ .
فكونوا من المصلحين، وبلغوا عن الفاسدين، وعمِّروا الأرض بالدين، وانشروا سنن سيد المرسلين، "ومن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) في تفسيره (2/410).
([2]) تفسير ابن كثير (1/564).
([3]) تفسير السعدي (ص:391).