بسم الله الرحمن الرحيم
6/3/1442
النور
الحمد لله...
الله نور السموات والأرض:
الحمد الله الذي كان نورًا، ومنه وُجِد النور، فكان الصالحون يطلُبون منه الأنوار؛ لأن أعظم الأنوار هو نور نفسه جل في علاه، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) النور: ٣٥.
فمِن نوره تنورت السموات: بالشمس والقمر والنجوم، ومِن نوره تنورت الأرض: بالأنبياء والعلماء والمؤمنين.
قال عبدالله بن مسعود: "إن ربَّكم ليس عنده ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السماوات مِن نور وجهِه"([1]).
قصة خلق الخلق في ظلمة.
إن نور الله العظيم متى ما أصاب المؤمن فقد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، في زمن سحيق، لا يذكره أحد من العبيد، خلق الله عباده في ظلمه، ثم اختار من يشاء منهم فألقى عليهم نوره، فهنيئًا لمن أصابه ذلكم النور، وفي ذلكم الزمن، قال النبي ﷺ: "إنَّ اللَّه خَلَقَ خَلقهُ فِي ظُلمةٍ، فَأَلْقَى عَلَيهم مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابهُ مِن ذلك النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخطَأهُ ضَلَّ" ([2]).
فمن علم الله كفره أخطأه ذلك النور، ومن علم الله إيمانه أصابه من ذلك النور، ، فهذه أعظم ولاية من الله لعبيده الأخيار: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)
النور أصل من أصول الحياة-حقيقة علمية-.
إن النور أصل من أصول الحياة، واكتشف البشر مؤخرًا شيئًا من تلك الحقيقة الكبرى، وذلك بتفتيتهم للذرة، وتقسيمهم لجزيئاتها، فخرجت من تلك الجزئيات إشعاعاتٌ لا قوام لها إلا النور، وبهذا التقسيم قامت ثورات من التطور العلمي والنهضوي.
عباد الله. إن من أعظم صفات الله: صفةُ النور([3])؛ ولذا جعل الله كتابه نورًا، ورسوله ﷺ نورًا، ودينَه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور.
حجاب الله النور.
فمن عظمة الله أن له حُجُبًا عظيمة، قال الإمام الدارمي: (باب:الحُجُب التي احتجب الله بها عن خلقه) ([4])، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَاب) الشورى: ٥١ ، ومن تلك الحجب:
حجاب النور، فهو جل في علاه قد احتجب عن خلقه بأن خلق له نورًا عظيمًا يحرق كلَّ من يراه، فلا يَنْصَب إليه أحد من خلقه، قال ﷺ:"حجابة النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه"([5]).
ولما سأل أبو ذر النبيَّ ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال:" نورٌ أنّى أراه"([6])، وهذا النور الذي رآه النبي ﷺ هو الحجاب، فهو ﷺ لم ير ربه في الدنيا.
فإذا دخل أهل الجنة الجنة أعطاهم ربُّهم قوة يرون بها وجهه الكريم، كما قال ﷺ :"وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكـبرياء على وجهه في جنة عدن"([7])، فإذا شاء سبحانه أن يتجلى لعباده في الجنة كشف ذلك الرداء، فما أُعطوا نعيمًا أعظم من ذلك النعيم، نسأل الله من فضله العظيم، فسبحانه لا تبلغه الأوهام ولا تدركه الأفهام ولا يشبه الأنام.
نور المؤمن وظلمة المنافق.
ومن نور الله جل في علاه: هذا النور الذي أودعه حلاوةً في قلوب عباده المؤمنين بوجود نوره، فتوحيدهم وذكرهم وصلاتهم وصيامهم أنوار يجدون بها الحياة الحقيقة بين ظُلَم الدياجر والمعاصي، فحال المؤمن وحال غيره كمن قال الله عنه: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) الأنعام: ١٢٢.
نور المؤمن ينقلب نورًا حقيقيًا.
فإذا ملأ العبدُ قلبَه بهذا النور المعنوي، جعله الله له نورًا حقيقيًا كالمصباح والكشاف، فروى البخاري" أنَّ رجلينِ، خَرَجا مِن عندِ النبيّ ﷺ في ليلةٍ مُظْلِمَةٍ وإذَا نُورٌ بين أيدِيهِما، حتى تفرَّقَا، فَتَفَرَّقَ النُّورُ معهما" وهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر.
وأشرقت الأرض بنور ربها.
عباد الله. إذا حُشِر الناس يوم القيامة فإن الأنوار الموجودة تذهب وتضمحل، فالشمس تُكور، والقمر يُخسف، والنجوم تَندثر، ويكون الناس في ظلمة، فتشرق عند ذلك الأرض بنور ربها، عندما يتجلى وينزل للفصل بينهم، ( ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ (68) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا (الزمر: ٦٨ - ٦٩
تقاسم الأنوار يوم القيامة بقدر الأعمال.
وبقدر أنوار الناس في الدنيا تكون أنوارهم يوم القيامة، فمنهم من يكون نوره يوم القيامة كالشمس، وآخرُ كالقمر، وآخرُ كالنجوم، وآخرُ كالسراج، وآخرُ يُعطى نورًا على إبهام قدمه يُضيء مرة ويُطفأ أخرى، ومنهم من تنطفئ أنوارُه ويتردى في قاع الجحيم (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم) وقال الله: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ) الحديد.
الخطبة الثانية:
نور القرآن.
عباد الله. لما كان النور من صفات الله، أنزل من عنده نورًا يستبصر به الناس، ويرفعون عنهم ضيق الصدور، ووَحَر القلوب، ألا وهو نور القرآن، فالقرآن نور يضيء في فجاج القلوب المؤمنة، يأنس به المتعبدون في الليالي، فيصبحون وعلى وجوههم نور تلك الكلمات، وضياء تلك العبارات، فهو حياة لكل ذي حياة نيرة (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) الشورى: ٥٢، وقد كان النبي ﷺ يستفتح قراءة القرآن في صلاة الليل بذكر أعظم النور فيقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض"([8])
النبي ﷺ يتوسل إلى ربه بصفة نوره في أحلك ظروفه.
ولما كان النور هو مصدر التفاؤل، وسببُ الأنس وطردُ الوحشة، وقوامُ البهجات، تَذَكَّر نبيُّكم محمد ﷺ صفة النور التي تليق بجلال وجه الله الكريم، تذكرها في أحلك المراحل الدعْوية([9]) التي مرَّ بها لما رجع من الطائف وقد رموه بالحجارة فقال:" أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"([10]).
لا يفتأ لسانك عن طلب النور.
عبد الله. لا تشبع من طلب الأنوار، ولا يضعف لسانك عن سؤال الله ذلك في كل الأحوال، سل الله أن يسربلك النور، وأن يغمرك بالنور، فإنّ ذهابَ النورِ عنك طرفة، أو زوالَه منك ناحية مصيبةٌ كبرى، قال الله: ( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) النور: ٤٠ وكان من دعاء المصطفى الإجمال ﷺ ولكنه لما طلب النور كان على التفصيل فقال:
"اللهم اجعل لي في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا "([11]).
فاللهم اجعلنا من النور وإلى النور، وعظم لنا النور.
كتبه: عاصم بن عبدالله آل حمد
(1) الأسماء والصفات، للبيهقي (2/111)
(1) رواه أحمد والترمذي وحسنه.
(1) ولم يثبت أن من أسمائه النور. فتاوى اللجنة الدائمة (10/510)
(2) نقض الدارمي على المريسي(2/748)
(3) رواه مسلم
(1) رواه مسلم.
(2) متفق عليه.
(1) متفق عليه.
(2) بسكون العين، لسكون أصلها، وفتحُها من الأخطاء الشائعة.
(3) ضعيف الأسناد، جميل المعنى، ما زال أهل العلم يتناقلونه، كابن تيمية
(1) متفق عليه