بسم الله الرحمن الرحيم
(سونامي) يضرب سواحل فلسطين
من حوادث عام (460)
19 / 7 / 1444هـ
الحمد لله الذي أعطى فأجزل، وأمدَّ في الأعمار وأخزل، وأغاث العباد بالخيرات وبالغيث أنزل، مدّ الأرض وجعل فيها رواسي شامخات، ولو شاء بقوته لحرَّك وزلزل، أشهد أن لا إله الله القويُّ المتين، ذو العرش العظيم، يرفع ما يشاءُ ويُنزِل، وأشهد أن نبينا محمدًا عبُده ورسوله، أمر بالطاعة، وأخبر عن اقتراب الساعة، ونشر الله به الهدى و وسهّلَ وذلّل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلَّم، أما بعد:
غفلة الأنام عن نعمة قرار الأرض.
إن العبد إذا تأمل في آيات الله لوجد من أعظمها قرارُ الأرض، وسكونُ الأديم، وصمتُ الجبال، فالأنهار جارية، والبحار وادعة، والطيور مغردة، ولو اجتمع كلُّ من عليها على أن يحركوا منها ساكنًا لما استطاعوا: (أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) النمل: ٦١.
فالأرض واقفةٌ لتكون مهادًا للخلق، ينامون في سكينة، ويقومون بطمأنينة، ولو كانت رَجْرَاجةً فيها كلُّ زلزال وبِلْبال لَمَا قامت للناس معايشُهم، ولَمَا سكنت للخلق مصالحُهم.
إن نعمة قرار الأرض لهي من النعم التي لا يَكاد يَشعُر بها كثيرٌ من الناس، ولا يتلمس لطفَها من الله كثيرٌ من الأوباش، فإذا ما جاء خطبٌ جلل، وأمرٌ زلل، غيَّرَ سكونَ الأرض، وحرَّك قشرةَ الأنام، إما بثورة بركان، أو تصدعاتٍ وزلزال، عرف الناس وقتها ضخامةَ نعمةِ استقرار الأرض، وعظيمَ ذلكم السكون، وعقَلَ العاقلون معنى الكريم عندما قال -سبحانه-: (وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) النحل: ١٥.
السلطان الكامل، والتصرف المطلق.
ولا شك أن الظواهر الكونية التي تكون بين الفينة والأخرى من آيات الله الدالة على عظمته، وأن في طياتها -ليس مجردُ كونِها ظاهرةً طبيعة، وأحوالاً كونية- بل هي رسالةُ اللهِ إلى الخلق أنه-سبحانه- (شَدِيدُ الْمِحَالِ) الرعد: ١ وأنه(ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) الذاريات: ٥٨، لا يغلبه غالب، ولا يعارضه معارض، ولا ينازعه منازع، ولا يُعْجِزُه شيء، ولا يخرج عن قبضته مخالف أو طائع، له النفوذ المطلق، والسلطان الكامل، والتصرف التام، ولا يفعل فعلًا إلا لحكمة، ومن الحكم ما أخبر به في إرسال الآيات حيث قال: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا) الإسراء: ٥٩.
تعامل النبي ﷺ مع تغير الظواهر الكونية.
وكان النبي ﷺ يقرأ الحوادث الطبيعية على غير قراءة الناس، وينظرها من صفحة لا يتأملها الغافلون، فعن عائشة، أنها قالت: كان ﷺ إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله، الناسُ إذا رأوا الغيم فرحوا؛ رجاءَ أن يكونَ فيه المطر، وأراك إذا رأيتَه عَرَفْتُ في وجهك الكراهية، فقال: "يا عائشة، ما يُؤمِّنُنُي أن يكون فيه عذاب؟ قد عُذِّب قومٌ بالريح، وقد رأى قوم العذاب فـ (قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا) الأحقاف: ٢٤.رواه أبوداود بسد صحيح.
قال ابن باز-رحمه الله-:"ولا شك أن ما حصل من الزلازل ...في جهات كثيرة هو من جملة الآيات التي يخوف الله بها سبحانه عباده. وكلُّ ما يحدث في الوجود من الزلازل وغيرها مما يضر العباد ويسبب لهم أنواعًا من الأذى، كلُّه بأسباب الشرك والمعاصي، كما قال الله عز وجل: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) الشورى: ٣٠([1]).
من التاريخ: زلزالٌ وسونامي في أرض فلسطين.
والتاريخ مشحون مليء بذكر الكوارث والنكبات، ومن أعجب الحوادث، وأكثرِها دَموية ما ذكره ابنُ الأثير في حوادثَ عام (460) من زلزال مُدمر، حتى ارتد البحر إلى أعماقه، ثم هجم على الشواطئ، فحصد الأرواح، وهوما يُعرف حديثًا بـ (سونامي)، فقال ابن الأثير:" كانت بفلسطين ومصر زلزلةٌ شديدةٌ فخَرِبَت الأرض، وطلع الماء من رءوس الآبار، وهلك خمسةٌ وعشرون ألف نسمة، وانشقت الصخرة بالبيت المقدس، وعاد البحر من الساحل مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه، فرجع الماء عليهم فأهلك مِنْهُم خلقًا كثيرًا". الكامل (8/214)
المؤمن عند الزلال وقور، وعند الرخاء شكور.
فإذا ما وقع هذا الخطب فلا ينبغي للأقلام أن تنسى مقت الله، ولا يكون للأَلسِنة أن تغفل عن جبروت الله، "فمن صفات المؤمن: أنه عند الزلازل وقور، وفي الرخاء شكور"([2]). ومعنى كونُ المؤمنِ وقورًا عند الزلال: أن يَعُودَ على نفسه بالملامة، وأن يُثبِت على نفسه التقصير، فيعودَ إلى ربه الكريمِ الغفور، ويطلبَ منه العفو والعافية.
تزكية ومدح النفوس عند وقوع الكوارث!
فإذا ما قيل: (هذه الكوارث آياتُ تخويفٍ) فليس في ذلك سوءُ ظنٍ بالناس، أو تخوينُهم بالفساد، وإنما هي يقظة! تقف عندها النفوس، ولفتة! تتأمل فيها العقول، ليؤمن المؤمن، ويتقيَ المتقي (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ) ويرعويَ المذنب، ويُقْلِعَ المقترف، فتُبَدَّلَ السيئاتُ حسناتٍ وإحسانًا، فليس من أحدٍ منزهٌ عن ذنب "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم" قاله نبيكم ﷺ. رواه مسلم.
فمثل هذه الظواهر الكونية حصلت في أطهر زمن، هو زمان النبوة، فربطها النبي ﷺ بالتوبة والأوبة، ولم يزكِّ النبيُّ ﷺ نفسَه الزكية، وحُقَّ لها التزكية! وإنما خرج مسرعًا يجر ردائه، ويقول: "إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ". متفق عليه.
جزيرة العرب والصفائح التكتونية.
وإن من الحكمة في التصرف مع الأزمات، ومن الحنكة في إدارة الكوارث والبَلِيَّات، أن يتدرب الناس على مواجهة مثل هذه الحوادث، وأن يحث الرجل أبناءه على المعرفة والعلم في حسن ردة الفعل فيما إذا دُقَّ جرسُ الإنذار، ووقع ناقوس الخطر، ولا يقولن: جزيرة العرب في مأمن، وأن القشرة الصخرية صلبة! فإن من قرأ التاريخ علم أن الله يهون عليه كلُّ شيء، فقد زُلزِلَت الأرضُ على عهد عمر حتى اصطفقت السرر، فخطب الناس: "لئن عادت لأخرجن من بين ظهرانيكم"([3]).
فمَنْ منَّا تابع أنظمة السلامة البيئية في بيته؟ ومن منَّا حصَّن منزله بأنظمة مكافحة الحريق والإنذار المبكر ودرب عليها أسرته؟ إن الحوادث إذا وقعت فإنها تقع في غفلة، وتنتشر في لحظة، وتدمر في لمح البصر، فلا يغرنَّ أحدٌ منا أن عاش زماننًا محاطًا بنعمة الله وستره، بل ليفعل الأسباب، وليتقِ الأزمات، وليلهج بسؤال الله ديمومةَ الأمن والأمان والسلامةِ في الأبدان.
فاللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاةَ الدائمة في الدنيا والآخرة، اللهم عافانا فيمن عافيت، واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم نج المستضعفين المنكوبين، وكن لهم ولا تكن عليهم، وردّ عليهم أبناءهم وأسرهم، وأموالهم، واخلُف عليهم بخلف الخير من عندك.
الخطبة الثانية: الحمد لله...
نَجْدَةُ العَرَب.
إن من صفات المؤمن أن يهُبَّ للنجدة، ويرغب في الفزعة، وأن يذود عن الحمى، ويحفظ القَنَا، فمِن الصفات العربية التي أقرَّها الإسلام إغاثةَ الملهوف، وإعانةَ المكروب ولما ذَكَرَ النبيُّ ﷺ الدجال، فخفَّض فيه ورفّع، فقال:" لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الجِبَالِ"، قالت أمُّ شَرِيْك: فأين العرب يا رسول الله؟ فقال ﷺ: "هُمْ قَلِيلٌ"، وإنما سألتْ أمُّ شَريك عن العرب: لِمَا جُبِلُوا عليه من النجدة والحميَّة، وسرعةِ الإنقاذ.
وإنا لنأسف لما وقع لإخواننا المنكوبين في بلاد الشام وتركيا، ونزفُّ لهم صادق الدعوات، بأن يُنزل الله عليهم شآبيب رحمته، وينقذ الأرواح المستضعفة.
كما أن العالم بأسره يُثمِّن الدورَ الريادي في الإغاثة التي تقوم به حكومتُنا الموفقة، من خلال بعثِ فرقِ إنقاذٍ وتسييرٍ جويٍ إغاثي، يشمل مساعداتٍ طبيةً وإنسانيةً بصورة عاجلة، وتنظيمَ حملةٍ شعبيةٍ عبر منصة «ساهم» لمساعدة ضحايا الزلزال في تركيا وسوريا، فاضربوا بسهم، وفرجوا عن مكروب، قال ﷺ: "مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة" رواه مسلم.
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش العظيم، اللهم نج المستضعفين، اللهم أغن فقيرَهم، وأشبع جائعَهم، ورد غائبَهم، واشف مرضاهم، وارحم موتاهم، واجبر كسرهم، وعظم صبرهم، وضاعف أجرهم، نحمد الله على كل بلاء، ونشكره على كل نعمه، ونعوذ بالله أن نكون من الشامتين...
عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد
([1]) الفتاوى (9/149).
([2]) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (5/156).
([3]) مصنف ابن أبي شيبة (2/221)