مكتبـــــة الخطب

2025-12-26 20:31:38

الموت الأحمر-الإيذاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الموت الأحمر

(الصبر على الأذى)

21/ 3 / 1445 ç

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد:

أمرٌ من الأمور لم ينفكَّ عنه أحدٌ من الوجود، وهو خُلُقٌ من الأخلاق المذمومة نال وطال كلَّ شيء: فلم يسلم من شر هذا الخُلُق الرسلُ، والملائكةُ، والناسُ، والجنُّ، والحيوانُ، والنباتُ، حتى إن الله في علوه وجلاله ناله من ذلك ما ناله.  أتدرى ما هو هذا الخُلُق؟ إنه الأذى، عملٌ سيءٌ يُتدَاور بين المخلوقات، فلم يسلم مخلوق من أذى مخلوق، ولشناعة هذا الأمر توعَّد الله أصحاب الأذية، وهدد من رَكِب هذه المطية فقال الله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (الأحزاب: ٥٧ - ٥٨ .

ولذا كان كفُّ الأذى من أعلى مقامات الشَّرف، ودلالةَ العقل والسيادة، قال أبو الدرداء: "السُّؤْدُدُ اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة، والشرفُ كَفُّ الأذى، وبذلُ النَّدى"([1]).

إيذاء الله.

        ومع إنعام الله على خلقه وتفضله عليهم إلا أن كثيرًا من الخلق يؤذون الله، ولا أحدٌ أصبرَ من الله من أذىً يسمعه، ومن ذلك: أن الخلق يسبون الدهر، فيقولون: "لعن الله هذه الساعة، أو هذا اليوم، أو هذا الزمان، أو لا بارك الله في هذه الساعة، أو قاتل الله هذه الساعة"، وكل هذا محرم؛ لأن الله هو مُسبِّب الدهر، قال : "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"([2]).

ومِن أذى الخلق لربهم أنهم يجعلون لله الولد، قال : "مَا أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُونَ لَهُ نِدًّا وَيَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهو يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ"([3])، ولكنَّ أذى الناس لربهم ليس كأذى الناس لبعضهم، فإن الناس إذا آذى بعضُهم بعضًا لحقهم بذلك الضرر؛ لضعفهم وعجزهم، ولكنَّ الله لا يلحقه أيُّ ضرر بأذى الناس له، إنما الضرر يلحق المخلوقَ الضعيف، لكن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)  الشورى: ١١  قال: "قال الله تعالى: يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي" رواه مسلم.

أذى الرسل.

        أما الرسل فليس أحدٌ من الخلق ناله ما نال الرسل من أذى الخلق لهم، فطريق الأنبياء "تَعِب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضُّرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاءُ داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواع الأذى محمد "([4]). قال : "أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهم"([5]).

        قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا)  الأحزاب: ٦٩

قال : "إنَّ مُوسَى كانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لا يُرَى مِن جِلْدِهِ شَيءٌ اسْتِحْيَاءً منه، فَآذَاهُ مَن آذَاهُ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقالوا: ما يَسْتَتِرُ هذا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِن عَيْبٍ بجِلْدِهِ: إِمَّا بَرَصٌ، وإمَّا أُدْرَةٌ، وإمَّا آفَةٌ. وإنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ ممَّا قالوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ علَى الحَجَرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إلى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وإنَّ الحَجَرَ عَدَا بثَوْبِهِ، فأخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يقولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حتَّى انْتَهَى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ، وَأَبْرَأَهُ ممَّا يقولونَ، وَقَامَ الحَجَرُ، فأخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بالحَجَرِ ضَرْبًا بعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا مِن أَثَرِ ضَرْبِهِ، ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذلكَ قَوْلُهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا) الأحزاب: ٦٩، رواه البخاري.

أذى الناس.

        وإن كف الأذى عن الناس عبادة عظيمة، لنوقف الأذى عن أهلنا، وأقاربنا، وجيراننا، وزملائنا في العمل، فإنما جاء الإسلام ليرفع الأذى عن الخَلْق ليعيشوا حياة الراحة والأمان والطمأنينة. ومن أخطر من يقع عليهم الأذى هم أولياء الله، فأولياء الله هم أحبابه، وهل يرضى المُحِبُّ أن يُؤذَى حبيبُه، قال: "من آذى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"([6])، فمن آذى مؤمنًا تقيًا فقد أعلن اللهُ عليه الحربَ، وهذا تهديد في غايته القصوى، يقول يحيى بن معاذ: "لِيَكُن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه فلا تضرَّه، وإن لم تُفرِحه فلا تغمَّه، وإن لم تَمدحه فلا تذمَّه"([7]).

فاللهم ألف بين القلوب

 وأزل الإحَن والزغل واستر العيوب، واجعلنا في صفاء المودة، وجمال الإخاء، وأورثنا لذلك جنة الخلد واجعلنا ممن اتقاك وخافك واتبع رضاك.

الخطبة الثانية: الحمد لله...

الموت الأحمر.

        وأفضل ما عولج به الأذى الصبر والحلم، تقول العرب في وصف حالة من يصبر على الأذى: (الموت الأحمر)، وهي عبارة يقولها عوام الناس إلى اليوم، قال أبو عبيد: "يقال: الموت الأحمر عند الصبر على الأذى والمشقة والحَمْل على البدن"([8])، وكان شعار جميع الأنبياء  أنهم قالوا لمن آذاهم: (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا) إبراهيم: ١٢

        فإن الله جاعلٌ لمن صبر على الأذى فَرَجًا ومخرجًا ونصرةً على شانئيه ومبغضيه، قال الحسن البصري: "ليس حُسْنُ الجوار كفُّ الأذى، ولكن حسنَ الجوار الصبرُ على الأذى"([9]).

ومن صبر على الأذى شرفه الله على مؤذيه وزاده عليهم رفعة ومكانة، قال :" وَلا ظُلِمَ عَبدٌ مَظلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيهَا إِلاَّ زَادَهُ اللهُ عِزًّا"([10]). ولنتذكر صبر الأنبياء وماذا كان عاقبته: (فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ) الأنعام: ٣٤، ولنعتبر بوصية موسى لما قالت له بنو إسرائيل: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا)، فكان جواب موسى: (عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ)  الأعراف: ١٢٩.

وإن من الطرق الفَطِنَة في التعامل مع المؤذي ألا تقف عند كلامه، ولا تكترث لفعاله، واترك نارَه تَحطِمُه، وكيدَهُ يُضرِمه، ولا تردَّ عليه الإساءة، وجاوزه مسترخيَ البال، وكن كما أوصى الله نبيه فقال: (وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)

فلْنَكف الأذى، ولْنُفِض الندى، ولْنُزِح عن الناس القَذَى، ولْنُحْسِن الآداب، ولْنَبتعِد عن أهل الرِّيَب والارتياب، ولْنُعجِّل المثوبة، ولْنُأخِّر العقوبة، ولنعلم أن مدارة الناس بالعقل صدقة، وإذا خالطت الناس فأردت السلامة فكن أصم وإن كنت سميعًا، وكن أعمى وإن كنت بصيرًا، وكن سكوتًا وإن كنت ناطقًا، هكذا تسلم من أذاهم ويسلمون من أذاك.

إذا شئتَ أن تحيا سليمًا من الأذى

                                       وحظُّك مَوفورٌ وعِرضُك صَيِّنُ

لسانَك لا تذكُرْ به عورةَ امرئٍ

                                         فكلُّك عَوراتٌ، وللناسِ ألْسُنُ

وعينَك إن أبدَتْ إليك مَعايِبًا

                                     فصُنْها، وقل يا عينُ: للناسِ أعينُ

وعاشِرْ بمعروفٍ وسامِحْ مَنِ اعتدى

                                        وفارِقْ، ولكنْ بالتي هي أحسنُ

 

عاصم بن عبدالله بن محمد آل حمد

 


([1]) مجمع الأمثال، للميداني (2/456).

([2]) فتاوى الدروس، لابن باز رحمه الله.

([3]) متفق عليه.

([4]) الفوائد، لابن القيم ( ص:42 ).

([5]) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو بلفظ السؤال.

([6]) رواه البخاري

([7]) جامع العلوم والحكم ( ص:294).

([8]) مجمع الأمثال، للميداني (2/303).

([9]) ربيع الأبرار، للزمخشري (1/393).

([10]) رواه الترمذي وغيره.

📄 اضغط لمشاهدة الملف

المضاف حديثا

خطب ذات صلة